جمود الحرب الليبية… هذه هي السيناريوات المرتقبة

لا تعطي توضيحات قادة الطرفين أسباباً واضحة للمراوحة العسكرية التي تعيشها المعركة

بعد 55 يوماً من القتال في الضواحي الجنوبية للعاصمة الليبية طرابلس، بين قوات الجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر وقوات حكومة الوفاق بقيادة فايز السراج، لم تظهر بعد نتائج قد تحدد عمر المعركة وأمدها. فتقديرات القيادة العامة للجيش الوطني، التي بادرت إلى الهجوم، تشير إلى أنها ستكون عبر سبع مراحل، ما يعني أنها لن تكون عملية سريعة أو خاطفة.

استنزاف ومراوحة

لا تعطي توضيحات قادة الطرفين أسباباً واضحة للجمود العسكري الذي تعيشه المعركة. فاللواء فوزي المنصوري، قائد محور عين زارة في الجيش الوطني، يؤكد أن المعركة "تسير وفق الخطط الموضوعة"، مشيراً إلى أن القيادة العامة للجيش "حددت المنطقة الصحيحة لإنزال الهزيمة بالميليشيات وفق خطط الاستنزاف"، مؤكداً أن قوات حكومة الوفاق "في مرحلة التهاوي وقريباً ستنهار".

وفيما يشير المنصوري إلى أن "الجيش حقق هدفاً سامياً تمثل في عدم تأثير المعركة في الحياة، فالحياة تسير بشكل طبيعي في غالبية أنحاء العاصمة"، رفض المتحدث باسم قوات حكومة الوفاق محمد قنونو تصريحات المنصوري، معتبراً أنها "تبريرات وادعاءات لا يصدقها الميدان. فإذا كان ثمة استنزاف، فهناك استنزاف في جانبهم أيضاً". ويسأل "إذا كانت حرب جنوب العاصمة تهدف إلى استنزافنا، فلماذا يحاولون التقدم باتجاه الأحياء الجنوبية للمدينة، ويدعون أنهم لا يريدون الإضرار بمظاهر الحياة؟". ويشير إلى أن قوات الجيش فشلت في تنفيذ هجوم السبت الماضي، كانت قد حشدت له كل قوتها عبر ثلاثة محاور.

وحيال هذا التعارض، يرى السنوسي البراني، هو عميد ليبي متقاعد وخبير أمني، أن التغير ما بين مرحلة وأخرى قد لا يكون واضحاً للمتابع، لكنه واضح للقيادات العسكرية، مضيفاً أن "المتابع العادي لا يرى سوى معارك الكر والفر والطلعات الجوية، لكن هناك أهدافاً أخرى قد تسرع حسم المعركة وفق حسابات قيادات الطرفين".

ويوضح البراني أنه لو كانت قوات الجيش تهدف إلى الولوج إلى قلب المدينة لسلكت طرقاً أكثر اختصاراً، مثلاً من ورشفانة غرباً وصولاً إلى الفلاح أول أحياء قلب العاصمة، غير أنها اتجهت إلى الأحياء الجنوبية من العاصمة عملياً. وقال "وادي الربيع وقصر بن غشير وصلاح الدين هي مسرح القتال جنوب العاصمة، والغائب عن بال المتابع أنها تشكل ما نسبته 90 في المئة من المواقع العسكرية في العاصمة، إضافة إلى أهمية موقع المطار"، مؤكداً أن السيطرة عليها كلياً تعني تحييد أكثر من نصف قوة العاصمة.

في المقابل، وفق البراني، لا ترغب قوات حكومة الوفاق في الخروج إلى المناطق الفاصلة بين المدن، كالفضاء بين غريان وترهونة، لأنها ستكون هدفاً سهلاً لسلاح الجو، بينما "مصدر قوتها هو تمركزها في مواقعها الحالية لعدم تمكين الجيش من السيطرة على الأحياء الجنوبية للعاصمة المهمة استراتيجياً". يضيف "قوات الحكومة تعلم أن أكبر تمركزين للجيش في قاعدتي الجفرة جنوباً والوطية غرباً، ومع ذلك لا تجازف بقواتها للذهاب إليهما، لأنهما محصنان بفضاء بري واسع يكون فيه المتسلل هدفاً سهلاً".

وعن حجم قوة الطرفين، يؤكد البراني أنهما يملكان جانبي قوة وضعف. فبقاء المعركة في وضع المراوحة خطير بالنسبة إليهما من ناحية استنزاف القوة، مشيراً إلى أن "قلب ميزان القوة متروك لعامل الزمن ومرتبط أساساً بموقف المناطق المحيطة بطرابلس، التي لا تزال محايدة. فانخراطها في المعركة لصالح أي طرف هو من سيحدد النتيجة".

تعيش جبهات القتال جنوب العاصمة خلال الساعات الأولى من صباح اليوم الأربعاء هدوءاً حذراً، بعدما تمكنت وحدات المشاة في الجيش من إحراز تقدم في منطقة صلاح الدين، بعد قتال عنيف شهده هذا المحور، الثلثاء، فيما فشلت محاولة موازية للتقدم في محاور طريق المطار.

يقر قنونو بهذا التقدم، لكنه يقول إن قوات الحكومة تمكنت من استعادة معسكر النقلية في صلاح الدين، مرجعاً الأمر إلى "تكتيكات عسكرية توجب التراجع قبل العودة التفافاً على القوات الغازية".

ولا تبدو تلك الخطوات البطيئة في تقدم الطرفين أكثر من كونها كراً وفراً. فمنذ أكثر من شهر، لا تزال قوات الجيش تسيطر على المواقع نفسها في كامل منطقة قصر بن غشير وخلة الفرجان، ولم تتمكن من اختراق دفاعات قوات حكومة الوفاق في مناطق عين زاره وصلاح الدين وطريق المطار ووادي الربيع، التي تتقاسم السيطرة عليها مع قوات الحكومة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويؤكد اللواء أحمد أبو شحمة، آمر غرفة العمليات الميدانية في طرابلس، التابعة لحكومة الوفاق، أن قوات الجيش "تحركت خلال هذا الأسبوع في أكثر من خط للمواجهة، لكنها لم تستطع الصمود أمام دفاعنا". في المقابل، يشير اللواء المنصوري إلى مواقع متقدمة سيطر عليها الجيش خلال هجومه الأخير، خصوصاً مقر الشرطة العسكرية في صلاح الدين الذي لا يفصله عن قلب المدينة سوى 15 كيلومتراً.

وعلى أساس رؤيته لقوة الجيش المنظمة وقدرته على السير وفق استراتيجية محددة حتى بسط سيطرته على الشرق ثم الجنوب، يرى حسين مفتاح، المحلل السياسي الليبي، أنه قادر على حسم المعركة في الغرب الليبي.

لكن مفتاح يرى في الوقت نفسه ثلاثة سيناريوات قد تنهي الأوضاع الحالية. أولها، انتصار الجيش وحسم المعركة والتمهيد للجوانب السياسية المتعلقة بتشكيل حكومة وحدة وطنية وقضايا الانتخابات والدستور.

أما السيناريو الثاني، فيذهب باتجاه تدخل دولي ينهي الانقسام الحاصل بشأن الوضع في ليبيا، بالتالي الضغط على القيادة العامة الجيش للقبول بوقف إطلاق النار والرجوع إلى طاولة التفاوض على أساس تغير الموقف لدى حكومة الوفاق وتخلي الميليشيات عن موقفها الراهن والمصر على إيقاف تقدم قوات الجيش، مشيراً إلى أنه "أمر وارد في حال فتح الجيش خطوطاً جديدة للقتال بعيداً من طرابلس، لتفتيت قوة جبهة طرابلس. وهناك احتمال آخر هو تراجع قوة الحكومة التي تعتمد على ميليشيات مفككة ومختلفة في ما بينها".

أما السيناريو الثالث برأي المحلل السياسي الليبي فهو استمرار الحرب إلى أمد أطول وسط اختلاف الميليشيات، التي يمكن أن تتحول إلى ما يشبه سيناريو سيناء المصرية، فتتوزع تلك الميليشيات في أكثر من خاصرة لشن هجمات متوالية، يمكن أن ترهق قوات الجيش مع طول المدة، بالتالي يتوجب إيجاد حلول طويلة الأمد لملاحقتها والقضاء عليها.

562 قتيلاً

أكدت منظمة الصحة العالمية، في آخر إحصاءاتها، أن المعارك أسفرت عن سقوط 562 قتيلاً، بينهم 40 مدنياً، و2855 جريحاً، بينهم 106 مدنيين، ونزوح حوالى 85 ألف شخص منذ بدء المعارك في الرابع من الشهر الماضي.

وفيما تسير الحياة في أحياء شمال طرابلس ووسطها وفق نمطها الطبيعي، تعيش أحياء جنوب العاصمة أوضاعاً صعبة. ويؤكد أسامة علي، المتحدث باسم جهاز الإسعاف والطوارئ التابع لحكومة الوفاق، أن عمليات إخلاء المدنيين لا تزال متواصلة.

ويقول إن "ست أسر تم نقلها من داخل مناطق النزاع في عين زاره خلال الساعات الماضية، فيما لا تزال عشرات الأسر الأخرى ترفض الخروج"، مشيراً إلى أن عمليات التواصل مع العالقين بدت مستحيلة في ظل استمرار القتال. ويوضح أن "أحياءً انقطعت عنها الاتصالات الهاتفية تماماً وكذلك الكهرباء، لكننا ننتهز بعض الفرص لندخل ونطلق نداءات بواسطة مكبرات الصوت للبحث عن مستجيبين".

المزيد من العالم العربي