Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"تبييض أميركا" معركة ترمب والعلماء كما يراها فنان

تلاعب التشكيلي أسامة أسعيد بصور موتى أميركا فترة تفشي كورونا عبر حقنها بـ"الكلور"

شكلت طريقة إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب لأزمة كورونا مادةً ساخنة للصحافة والأوساط الطبية، بعد أن اختار أن يضع العلماء الصحيين في المقعد الخلفي، وهو ما تسبب في أزمة كبيرة شهدتها عدد من الولايات الأميركية تجاوز عدد ضحاياها حتى هذه اللحظة  700 ألف وفاة.

إلا أن ما أثار الإعلام والعلماء ضد الرئيس المثير للجدل لم يكن رد الفعل الوحيد الذي يضطر ترمب لمواجهته حتى اليوم، باستحضار طريقة إدارته للأزمة كأحد أسباب سقوطه الكبير في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020 يجر كثيراً من ردود الأفعال بأشكال مختلفة. إذ سجل الفنانون التشكيليون بدورهم موقفاً (وإن بدا متأخراً) على طريقتهم التي تتطلب بعض الوقت لترميز الغضب تجاه سلوك سياسي في سياق فني يشبه أسلوبهم في التعبير.

ذاكرة الـ "غراج" 

يمر زوار "بينالي الدرعية" الذي انطلق في العاصمة السعودية الرياض بجوار لوحات تبدو للوهلة الأولى رسومات زيتية، ينظرون إلى وجوهها المطموسة، ثم يقرأون بطاقة الوصف المعلقة بجوار اللوحات، يجدون فيها نصوصاً نخبوية تتحدث عن تقنيات التصوير الفوتوغرافي الكلاسيكي وكيف شارك الفنان ببصمة خاصة في الصورة النهائية للعمل وميله إلى استخدام كاميرات "بولارويد" وتلوينها يدوياً، ثم يسألون عن الفنان، يجدون رجلاً نحيلاً كثيف الشعر يقف بجوارها، ينحنون له بصمت، يحيونه بأدب ثم يغادرون. إلا أن الوصول إلى القصة الكاملة للعمل يتطلب أكثر من قراءة البطاقة.

أسامة أسعيد، فنان أميركي من أصل سوري، وجه مألوف لمن يتجول في الجزء الثاني من البينالي الذي افتتح في 10 ديسمبر (كانون الأول)، ويمتد إلى مارس (آذار) من العام المقبل، لكن الحديث معه حول عمله يتطلب وقتاً يتجاوز استقطاع ثوان من جولة مقتضبة في المعرض، لتكتشف بعدها أنك تقف أمام صور فوتوغرافية وليست لوحاً زيتية، وأن العمل ذو بعد سياسي يتعاطى مع الصراع بين أسلوب ترمب في إدارة أزمة كورونا مقابل ما أراده العلماء في فترة التفشي، وأن الصور المعروضة هي موتى تم التخلص من صورهم في تلك الحقبة.

 

يقول أسامة في حديث جمعنا في البينالي، إنه يعيش في ولاية مينيسوتا في أميركا، وكان هناك عندما انهار النظام الصحي في مواجهة الفيروس العام الماضي، ويضيف "مات أناس كثيرون في تلك الفترة، وجرت العادة في أميركا أنه عند وفاة أحدهم تتخلص عائلته من ممتلكاته التي لا يحتاجونها عن طريق طرحها للبيع بأسعار رمزية في ما يعرف بـ(غراجات البيع)"، ويضيف "مشكلة هذه الطريقة في التعامل مع الممتلكات أنها تجرد الذكريات من ملاكها، لا يوجد أحد يقول هذا العمل ملكي، ولا يتولى أحد مهمة المحافظة على استمرار هذه الذاكرة الإنسانية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأضاف "زرت (الغراجات) في تلك الفترة، لفتتني ألبومات الصور التي كان الورثة يهمون بالتخلص منها، وأنا بصفتي مصور أجد أن من واجبي العمل على أرشفتها، فاقتنيت الصور العائلية والشخصية والذكريات التي التقطها أبناء حيي في حياتهم، ولم يعد بعد رحيلهم من يقول هذه عائلتي، أو هذه الصور ملكي، وفي الغالب لا تجد مقتنياً فيتم التخلص منها، فاشتريتها".

تبييض أميركا

كان الهدف بالنسبة إلى أسامة أسعيد هو أن يعيد لهذه الذكريات اعتبارها بوهبها مالكاً ينسبها له، كان هو المتبني الوحيد، لكن لا يملك الحق بنسبها له فهي لا تحمل وجهه في أيٍ منها، ولا يمكنه ادعاء حقه فيها فهو لم يلتقطها، فقرر أن يضع عليها لمسته حتى يعرضها بصفتها ملكاً خاصاً به، ولا تعود مجهولة المالك، وأسماها "تبييض أميركا".

ويحكي فكرة العمل الذي حظي بفرصة العرض في "بينالي الدرعية"، قائلاً "من يقيمون في أميركا يعرفون كيف سارت أزمة كورونا وتحولت، ويقفون دائماً عند لحظة مفصلية في مسار الأزمة انهارت بعدها الثقة في قدرة الإدارة الأميركية على التصرف لتبدأ الفوضى والتفشي الواسع في البلاد"، ويشير إلى هذه اللحظة "عندما خرج ترمب في أحد مؤتمراته الصحافية اليومية وتساءل عن إمكانية حقن المواطنين بمواد مطهرة لتحصينهم من تلقي العدوى، الأمر الذي أرسل رسالة للجميع بأن البيت الأبيض لا يملك خطة صالحة للتعامل مع كوفيد، لتنهار الأمور بعدها".

وأضاف "تصفحت الصور التي اشتريتها تلك الفترة، كانت ذكريات لأشخاص من حيي في فلوريدا، لابد وأني رأيتهم يوماً، كانوا صور خيالات في ذهني، فجربت أن أحقن ذكرياتهم بالكلور الذي اقترحه ترمب، وهذا ما حصل".

استخدم أسامة المبيض الكيماوي في تلوين أجزاء من الصورة، ما أدى إلى محو تلك الأجزاء، "عندما أعطيت تلك الصور الكلور الذي شكل خطة ترمب غير الجادة، تدمرت الصور، كنت أعرض كيف يتم تدمير صحتهم بمحوها بالمادة المطهرة، ثم أبقيت بعض الأجزاء محمية لتمثل لقاح العلماء الذين تجاهلهم ترمب"، ليضع الزائر في مقارنة لنتيجة الخطتين ويطلق عليها اسم "تبييض أميركا".

ويقول أيضاً "أنا لا أعرف هؤلاء الناس بدقة أعرفهم كخيالات ربما رأيتها في متجر الحي أو أثناء السير، لذلك كان مهماً ورمزياً أن يتم تبييض وجوههم وإخفائها لأني لا أتذكر ملامحهم في ذاكرتي، والصور هي أحد أشكال الذاكرة".

ويستمر المعرض الدولي الذي تحتضن الرياض نسخته السعودية حتى مارس (آذار) المقبل، تحت عنوان "تتبع الحجارة"، ويحتوي على 6 أقسام فيها أعمال لـ70 فناناً سعودياً وأجنبياً.

المزيد من فنون