حقيقة الصراع السياسي الدائر خلف دوي المدافع وأزيز الرصاص في طرابلس

تسيطر "حكومة الوفاق" على أهم مؤسسات الدولة المركّزة في العاصمة الليبية

عنصر من القوات الموالية لحكومة الوفاق يمر من أمام منزل محترق جراء المواجهات في حي وادي الربيع على تخوم طرابلس (رويترز)

يدور خلْفَ الصراع العسكري الذي يخوضه "الجيش الوطني" الليبي ضد "قوات الوفاق" في العاصمة طرابلس، صراع من نوع آخر على النفوذ والسيطرة على مدن غرب ليبيا. طرفا الصراع هما الحكومتان المتنازعتان، أي "حكومة الوفاق" التي يرأسها فايز السراج وغريمتها "الحكومة المؤقتة" في شرق البلاد بقيادة عبد الله الثني التي يصر مجلس النواب الليبي في طبرق على التعامل معها باعتبارها الجسم التنفيذي الشرعي المنبثق عنه والجهة التشريعية المنتخبة مباشرة من الشعب الليبي، ولعدم نيل حكومة السراج الثقة من تحت قبته.

بداية الانقسام

كانت بداية سلسلة الانقسامات عندما انتُخب مجلس النواب في 25 يونيو (حزيران) 2014. وعُقِدت مراسم تسليم السلطة من قبل عدد من أعضاء المؤتمر الوطني العام (الجسم التشريعي الذي يتخذ من طرابلس مقراً له) في أغسطس (آب) 2014، إلا أنه في 6 نوفمبر (تشرين الثاني) من العام ذاته، قضت المحكمة الدستورية العليا بـ "عدم دستورية الفقرة الحادية عشرة من التعديل الدستوري السابع الصادر في مارس (آذار) 2014"، ورتبت تفسيرات قانونية على ذلك، حل البرلمان الجديد على خلفية بطلان تعديل الإعلان الدستوري المؤقت الذي انتُخب بموجبه الأخير. وقوبل حكم المحكمة بالرفض من قبل برلمان طبرق، باعتباره الجهة المنتخبة، في حين دعمت قوات "فجر ليبيا" و"المؤتمر الوطني العام" و"حكومة طرابلس" آنذاك حكم المحكمة، ما كان سبباً في نشوب نزاع بين "مجلس النواب" في طبرق و"المؤتمر الوطني" في طرابلس.
بدأ مجلس النواب عقد جلساته في مدينة طبرق (شرق) في أغسطس 2014، ليعلن عدد من النواب مقاطعتهم الجلسات لأسباب عدة من بينها، عدم دستورية مجلس النواب وعقد جلساته في طبرق التي اعتبروها إحدى المدن التي يسيطر عليها قائد "الجيش الوطني" المشير خليفة حفتر.
وأدى هذا الانقسام إلى حكومتين، واحدة في المنطقة الشرقية والأخرى في المنطقة الغربية، واتخذت الحكومة المؤقتة برئاسة عبدالله الثني التابعة لمجلس النواب في طبرق، من مدينة البيضاء مقراً لها، بينما اتخذت "حكومة الوفاق الوطني" برئاسة فائز السراج من العاصمة طرابلس مقراً لها.

انقسام مالي ومصرفان مركزيان

الانقسام التنفيذي بين حكومتي شرق وغرب ليبيا أدى إلى انشطار المؤسسات السيادية في البلاد على كل الأصعدة، وكان أكثرها خطورةً وتأثيراً وإثارةً للجدل ظهور مصرفين مركزيين متوازيين ومتصارعين على الشرعية بطبيعة الحال.
وانعكس هذا الانقسام على المصارف الليبية انعداماً في السيولة، إذ أظهرت تقارير أن الكتلة النقدية خارج المصارف تجاوزت ثلاثين مليار دينار، أي ما يزيد على 21 مليار دولار بسبب مخاوف العملاء وعدم الثقة في القطاع المصرفي الليبي بسبب أزمة المصرف المركزي.
وترك الصراع المصرفي آثاره في الحياة المعيشية من غلاء وغياب للسيولة وهبوط القدرة الشرائية للدينار الليبي، ووسّع معاناة شرائح واسعة من شعب لا يتجاوز تعداده ستة ملايين نسمة، من بينهم عدد كبير من الموظفين الذين يتقاضون رواتبهم من المصارف. ويقول أستاذ الاقتصاد في أكاديمية الدراسات العليا عبد النبي فرج إن "الانقسام السياسي وانقسام المؤسسات وخصوصاً البنك المركزي سبّب انخفاض قيمة الدينار أمام العملات الأخرى وغياب السيولة، ما أدى إلى أزمة اقتصادية خانقة لمجتمع اقتصاده ريعي يعتمد على ما يدره النفط ويضخه المصرف المركزي".

موقف البرلمان

منذ انتخاب البرلمان الليبي في العام 2014 وهو يخوض معارك دستورية وقانونية وسياسية مع "حكومة الوفاق" في طرابلس بسبب عدم أدائها اليمين الدستورية في طبرق وتعيين وزراء من دون عرضهم وسيرتهم الشخصية على مجلس النواب (طبرق) لينالوا ثقة أعضائه، فأصرّ على رفض التعامل معها كحكومة شرعية. واستمر مجلس النواب في التعامل مع الحكومة المؤقتة باعتبارها الكيان التنفيذي الشرعي لأنها نالت الشرعية منه. وأدى هذا الخلاف إلى انقسام سياسي ومؤسساتي في البلاد، لم تنهيه الحوارات السياسية التي جرت داخل وخارج ليبيا تحت إشراف بعثة الأمم المتحدة التي توالى على رئاستها 3 مبعوثين دوليين من دون أن يحقق أي منهم نجاحاً يُذكر في رأب الصدع السياسي، إلى أن انفجر الخلاف حرباً ضروساً على أبواب العاصمة.

صراع النفوذ وحرب العاصمة

صراع الشرعية الذي تخوضه الحكومتان في شرق وغرب ليبيا منذ سنوات، تأثر وتداخل مع حرب العاصمة التي اندلعت في 4 أبريل (نيسان) الماضي، فالحكومة المؤقتة التي يقودها الثني في الشرق تدعم عمليات "الجيش الوطني" منذ سنوات، وتمده بالحاجات اللوجستية والعسكرية.
كما كان موقفها من الحرب الدائرة في العاصمة مؤازراً للجيش ومعادياً لـ"قوات الوفاق"، فقالت في بيان إن "الحل في ليبيا هو بسط الجيش نفوذه على كامل التراب الليبي بدءًا من العاصمة طرابلس... لا يوجد حل في ليبيا بوجود الميليشيات والمجموعات المسلحة والخارجة عن القانون التي تضم في صفوفها مجموعات إرهابية شكّلت صفاً واحداً ضد طموحات الشعب الليبي".
واستفادت الحكومة المؤقتة من كل تقدم عسكري للجيش الوطني في المنطقة الغربية وسارعت إلى تعزيز نفوذها في المدن التي سيطر عليها بتعيين مجالس بلدية ومدراء للأمن في كل واحدة منها، بدءًا من بني وليد وترهونة وغريان وصرمان التي سمحت للجيش بدخولها وأيّدت تحركاته نحو العاصمة، ما استفز "حكومة الوفاق" ودفعها إلى معاقبة هذه المدن بمنع الدعم والخدمات عنها وفق ما صرح به المتحدث باسم الحكومة المؤقتة حاتم العريبي، الذي قال في مؤتمر صحافي في 17 مايو (أيار) الحالي إن "الميليشيات التي تسيطر على حكومة الوفاق برئاسة فائز السراج منعت كل الخدمات عن مدن المنطقة الغربية التي دخل إليها الجيش".

وعود بملء الفراغ

وحاول العريبي في هذا المؤتمر الصحافي بالذات استمالة مناطق الغرب الليبي وتوجيه رسالة إلى سكانها بأن الحكومة المؤقتة قادرة على ملء الفراغ الذي قد يحدثه سقوط "حكومة الوفاق" في حال دخول "الجيش الوطني" إلى طرابلس، حيث صرح أنه "تم تخصيص 130 مليون دينار للمصارف التجارية في المنطقة الغربية عن طريق مصرف ليبيا المركزي في مدينة البيضاء وبالتنسيق مع لجنة الأزمة المشكلة من الحكومة المؤقتة"، لافتاً إلى أن "هذه المبالغ وصلت إلى المصارف في المنطقة الغربية وستوزّع السيولة على حسابات المواطنين بالتنسيق مع مركزي البيضاء". وأضاف أنه "تم إيصال 400 شحنة من السلع الأساسية المدعومة من الحكومة المؤقتة ووزّعت على أكثر من 20 مدينة في المناطق الغربية التي دخلت إليها القوات المسلحة وتسلمتها الحكومة المؤقتة كجسم مدني". وفي ما يخص الخطة الأمنية التي وضعتها وزارة الداخلية في الحكومة المؤقتة، لتأمين المنطقة الغربية، أوضح العريبي أن "كل التجهيزات التابعة للوزارة جاهزة للعمل بعد تحرير طرابلس وحماية الممتلكات العامة والخاصة وتأمين البلديات، إلى جانب تأمين المناطق المستقرة أمنياً وتمشيط المنطقة من اجدابيا إلى سرت، إضافة إلى حماية مقرات السفارات الدبلوماسية والمؤسسات الخدمية الموجودة في العاصمة بعد تحريرها". ورأى مراقبون في تلك الرسالة محاولة لطمأنة الداخل والخارج بشأن المخاوف من الفراغ الذي قد يحدث إذا سقطت "حكومة الوفاق".

مناطق النفوذ

تمتد حالياً مناطق نفوذ الحكومة المؤقتة إلى معظم البلاد أي أكثر من 70 في المئة من مدنها وقراها، مستفيدةً من وقوفها خلف "الجيش الوطني" الذي ما إن يدخل إلى مدينة حتى يسلمها إدارة شؤونها. فمناطق نفوذها هي مناطق نفوذ الجيش في الشرق والجنوب كاملةً وغالبية مناطق غرب ليبيا باستثناء طرابلس ومصراتة والزاوية والخمس ومسلاتة وزليتن وزوارة التي ما زالت تحت سيطرة وإدارة "حكومة الوفاق"، التي تحظى بدعم واعتراف دوليَيْن على الرغم من سيطرتها على رقعة بسيطة لا تتجاوز ربع البلاد.
وعلى الرغم من الرقعة الجغرافية الكبيرة التي تقع تحت سيطرة حكومة الثني، فإن حكومة السراج تبقى بفعل مركزية مؤسسات الدولة في العاصمة طرابلس، مهيمنة على المؤسسات السيادية الأهم وتتربع على خزائن البلاد المتخمة بأموال النفط، نظراً إلى سيطرتها حتى اللحظة على المصرف المركزي وولاء محافظه الصديق الكبير لها، ما يرسم مفارقة بأن الربع الجغرافي من مساحة البلاد الذي تسيطر عليه حكومة السراج، أهم في ما يحويه من الأرباع الجغرافية الثلاثة الخاضعة للحكومة المؤقتة، ففي العاصمة ومنها تدار الأعمال وتدر الأموال، ما يبطل العجب حول السبب في الصراع الدامي للسيطرة عليها.

المزيد من العالم العربي