نيجيرفان بارزاني رئيسا لإقليم كردستان

لم يتمكن الاتفاق الاستراتيجي بين الحزبين الرئيسيين من الصمود حتى اللحظات الأخيرة

كما كان متوقعاً، انتخب برلمان إقليم كُردستان العراق اليوم 28 مايو (أيار) 2019 رئيس الوزراء الحالي ومرشح الحزب الديمقراطي الكردستاني نيجيرفان بارزاني رئيساً للإقليم. لكن المفاجئة كانت بانسحاب برلمانيّي كُتلة الاتحاد الوطني الكُردستاني من جلسة التصويت. وعكس ما كان متوقعاً، لم يتمكن الاتفاق الاستراتيجي بين الحزبين الرئيسيين الذي كان ينص على موافقة الاتحاد الوطني وتصويته لصالح بارزاني في الجلسة البرلمانية اليوم، من الصمود حتى اللحظات الأخيرة.

نتائج مفاجئة

حصل بارزاني على تأييد 68 برلمانياً من أصل 81 حضروا الجلسة، بعد مُقاطعة كُتلتَيْ الاتحاد الوطني الكُردستاني الجلسة (21 مقعداً من أصل 111) وكُتلة الجيل الجديد (8 مقاعد من أصل 111)، ولم تصوت كُتلتا الجماعة الإسلامية الكُردستانية والاتحاد الإسلامي الكُردستاني لصالح بارزاني، الذي حصل على أصوات حزبه الديمقراطي الكُردستاني (45 مقعداً)، إضافة الى أصوات كُتلتَيْ حركة التغيير الكُردية وكتلة أحزاب الأقليات، 11 مقعداً لكُل واحدة مُنهما، إضافة للصوت الوحيد للحزب الاشتراكي الكُردستاني. وبرّر الناطق الرسمي باسم الاتحاد الوطني الكردستاني لطيف شيخ عُمر، قرار حزبه لعدم اتفاقهم مع الحزب الديمقراطي الكردستاني حول انتخاب محافظ جديد لمحافظة كركوك. فيما ذكرت رئيسة كُتلة الاتحاد الوطني في برلمان الإقليم بيكرد طالباني أن مُقاطعتهم للجلسة سببها عدم الاتفاق مع الديمقراطي الكُردستاني على آلية تشكيل الحكومة الإقليمية المُرتقبة، إلى جانب قضايا المناطق المُتنازع عليها وملف المناصب الكُردية في السُلطة المركزية.   كُتلة الجيل الجديد التي يترأسها رجل الأعمال الشعبوي شاسوار عبد الواحد، المُعتقل مُنذ أيام بسبب ملف جنائي، أوضحت في مؤتمر صحافي أنها لم تشارك في الانتخابات "لعدم تحقق الشروط المطلوبة للعملية، كونها لا تخدم النظام البرلماني، لذا قررنا مقاطعة الجلسة كجزء من مسؤولياتنا التاريخية". وبحسب الأعراف، فإن رئيس الإقليم المُنتخب لن يستلم مهامه إلا بعد أدائه القسم القانوني، وهو ما يُتوقع حصوله في 10 يونيو (حزيران) المقبل، ومن ثُم يكُلف مُرشح الكُتلة البرلمانية الأكبر ليقوم بتشكيل حكومة الإقليم، وكما هو مُتوقع فإن رئيس مجلس إقليم كُردستان ومُرشح الحزب الديمقراطي الكُردستاني مسرور بارزني، سيُكلف بذلك.

كركوك أزمة دائماً

يعتبر مُتابعون أن ما جرى اليوم سيكون عاملاً لزيادة الاستقطاب السياسي وسوء الفهم المُتبادل بين القوى السياسية في الإقليم، وتحديداً بين الحزبين الرئيسيين الكبيرين، الديمقراطي والاتحاد الوطني الكُردستاني. صحيح أن جلسة انتخاب رئيس الإقليم قد حصلت على الغطاء القانوني التام، بعد حضور وتصويت أكثر من 56 نائباً برلمانياً لصالحه، إلا أن عدم تنفيذ كامل الخطوات التي كان مُتفقاً عليها حسب التفاهم الشامل الذي توصل إليه الحزبان سابقاً، يُشير إلى أن أزمة سياسية يُتوقع حصولها في فضاء الحياة السياسية العامة في الإقليم، إضافة الى التنافس السياسي واختلاف قراءة الحزبين لظروف محافظة كركوك. فإقالة المُحافظ الأسبق للمُحافظة والقيادي السابق في الاتحاد الوطني الكُردستاني نجم الدين كريم من قِبل الحكومة المركزية، لموقفه المؤيد بحزم لاستفتاء استقلال الإقليم، ومن ثُم استقالته من حزبه واقترابه سياسياً من قراءة الحزب الديمقراطي الكُردستاني لما جرى في مُحافظة كركوك عقب إجراء الاستفتاء، زاد سوء الثقة بين الطرفين حول انتخاب مُحافظ كُردي جديد للمُحافظة، خلفاً للمُحافظ الحالي المُعين من قِبل الحكومة المركزية. يملك الحزبان الكُرديان مُجتمعَيْن الغالبية الواضحة من أعضاء مجلس مُحافظة كركوك (25 مقعداً من أصل 38 مقعداً في مجلس المُحافظة)، والاتفاق في ما بينهُما شرط ضروري لإعادة الحضور الكُردي، السياسي والأمني والبيروقراطي، إلى محافظة كركوك، التي تُعتبر بمعنى ما "بيضة القبان" في التوازن السياسي بين هذين الحزبين في المعادلة الداخلية ضمن الإقليم. قُبيل تشكيل الحكومة العراقية المركزية الجديدة، ومعها باقي المناصب والمؤسسات في السُلطة المركزية، عرض الحزب الديمقراطي على نظيره الاتحاد الوطني "صفقة" تنص على موافقة الديمقراطي على انتخاب محافظ من الاتحاد الوطني لمحافظة كركوك، مُقابل قبوله بانتخاب شخصية من الديمقراطي الكُردستاني لرئاسة الجمهورية. هذا الأمر لم يحصل، وحدثت شبه مزاحمة كُردية - كُردية على منصب رئاسة الجمهورية العراقية، أدت الى انتخاب القيادي في الاتحاد الوطني الكُردستاني برهم صالح لرئاسة الجمهورية، ما زاد من حدة الخلاف وسوء التفاهم بين الطرفين.

 انعكاسات مُستقبلية

يُتوقع أن يعقد المجلس القيادي للاتحاد الوطني الكردستاني يوم غد (29 مايو الجاري) اجتماعاً لـ"بحث العملية السياسية وموقف الاتحاد الوطني المستقبلي منها"، بحسب ما قال الناطق الرسمي باسم الاتحاد الوطني. لكن رسالة التهنئة عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي بعثها نائب رئيس الوزراء الحالي والقيادي البارز في الاتحاد الوطني الكُردستاني قوباد طالباني إلى رئيس الإقليم المُنتخب نيجيرفان بارزاني بعد ساعة من انتخابه، تدل على أن الأزمة الجديدة ذاهبة إلى التهدئة. فهذه الرسالة أكدت أن الاتحاد الوطني يعترف بشرعية انتخاب بارزاني لمنصب رئاسة الإقليم، مع الحفاظ على موقف سياسي خاص من مسألة التوافق. ستكون مسألة تشكيل الحكومة الإقليمية الجديدة خلال الشهر القادم مؤشراً واضحاً على مدى العلاقة الجديدة وشكلها بين الحزبين، خصوصاً أن ثمة اتفاق سياسي تفصيلي بين الحزبين حول آلية التشكيل والمناصب والمرشحين واستراتيجية عمل هذه الحكومة المتوقعة.

المزيد من العالم العربي