Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

محمد المخزنجي يجسد قسوة الغياب في "رق الحبيب"

قصص عن الطب والمرض والهجرة وأم كلثوم شخصية سردية

أم كلثوم بريشة الرسام المصري الأرمني شانت أفيديسيان (صفحة الرسام على فيسبوك)

يعود القاص المصري محمد المخزنجي بمجموعته القصصية "رَق الحبيب" (دار الشروق)، إلى الكتابة الإبداعية بعد مرور نحو عشر سنوات على صدور مجموعته "فندق الثعالب".   

المجموعة الجديدة تضم عشر قصص، وعنوانها يحيل إلى أغنية لأم كلثوم كتبها أحمد رامي ولحنها محمد القصبجي، علماً أن القصة التاسعة في ترتيب المجموعة تحمل العنوان نفسه. كما يتشكل الغلاف الأمامي من صورة للقصبجي وهو يعزف على العود. صورة لطالما رأيناها خلال حفلات أم كلثوم المتلفزة. وتهيمن على قصص المجموعة سمات عدة لطالما ميّزت إبداع المخزنجي ووضعته بين أبرز كتاب القصة القصيرة في مصر والعالم العربي. منها الولع بالعِلم، استناداً إلى ممارسة ارتبطت بعمله طبيباً نفسياً، قبل أن يتفرغ للكتابة الإبداعية مروراً بعمله محرراً علمياً لسنوات طويلة في مجلة "العربي" الكويتية. كما ترتبط تلك السمات بنشأته في مدينة المنصورة (شمال مصر) ودراسته الطب في جامعتها وانخراطه في معارضة الرئيس الراحل لأنور السادات. وترتبط كذلك بدراسته وعمله في أوكرانيا عندما كانت جزءاً من الإتحاد السوفياتي السابق، ومعايشته انفجار مفاعل "تشيرنوبل"، ما دفعه إلى أن يتحول ناشطاً في مجال منع الأسلحة النووية، وكذلك في مجالات الحفاظ على البيئة وصون الطبيعة بصفة عامة.   

حضور أم كلثوم

القصة الأولى عنوانها "مِن بعد ما طال السفر"، يحيل إلى أغنية أخرى لأم كلثوم. أغنية "فاكر لما كنت جنبي"؛ كلمات أحمد رامي وتلحين رياض السنباطي. تبدأ القصة بمطلع الأغنية نفسها: "فاكر لما كنت جنبي / والنسيم / لاعب غصون الشجر والغصن مال / ع الغصن قال / مَحْلى الوصال / للي انتظر". وتنتهي بمقطع "الموجة بتجري ورا الموجة عاوزة تطولها". المحكي عنه في السرد أذهله سماع صوت أم كلثوم وهو وسط ركام الثلوج ودروب الجليد حيث كان ضمن بعثة للدراسات العليا في الطب النفسي في بلد شمالي، غالباً هو الاتحاد السوفياتي السابق. درجة الحرارة 20 تحت الصفر. كان عمله هو علاج مرضى العقول؛ "هؤلاء الذين صاروا ظلالاً فقدت أصولها". سماعه صوت أم كلثوم كان بمثابة "الصدفة التي لها قانون غامض. صدفة كلثومية تُسعِر وحشة الفقد والنوى فتثير جنوناً للحظة وتهدهد بفرح التذكر ما فات فيلوح حضوراً يؤجج قسوة الغياب". فجأة تسكت أم كلثوم وينتبه الطبيب إلى سهام البرد المسموم ترشق جلده، ما يعكس وطأة الشعور بالاغتراب والحنين إلى الوطن. وإذا كان حضور أم كلثوم الملقبة بسيدة الغناء العربي قد اقتصر في تلك القصة على صوتها باعتباره معادلاً للوطن، في الغربة، فإنها تتجسد بذاتها في قصة "رق الحبيب".

في تلك القصة يقرر موسيقي هاو مقابلة أم كلثوم لعلَّها تضمه إلى فرقتها. كانت أم كلثوم تجري أول بروفة مع فرقتها عقب رحيل أبرز أعضائها؛ محمد القصبجي، عندما سمحت لمدرس التربية الموسيقية هذا بأن يعزف أمامها على الكمان لتقف على مدى موهبته. هو قرر أن يعزف مقطعاً من لحن "رق الحبيب" بالذات على الرغم من صعوبته. لكن ارتباكه أمام سطوة حضور كوكب الشرق وأعضاء فرقتها، جعل عزفه سيئاً ما أثار سخرية الموسيقيين المحترفين ومعهم أم كلثوم. تفاصيل القصة نعرفها بعد مرور عشرين عاماً على وقوعها، ويسردها طبيب شاب انجذب إلى الموسيقي الذي ذهب عقله بعد تلك المقابلة مباشرة، وصار مشهورا بين نزلاء مستشفى الأمراض العقلية بترديده الدائم لأغنية "رق الحبيب"، وشوقه لمقابلة جديدة مع أم كلثوم التي لم يعلم بأنها أصبحت في عِداد الراحلين. ويمكن اعتبار تلك القصة من زاوية نظر نفسية مرآة لِما عُرِف عن حُبٍ يائس جمع القصبجي من ناحية وأحمد رامي من ناحية أخرى بأم كلثوم

وطأة الوباء            

قصة "ضربة كوليرا" يرويها أيضاً سارد خارجي. بطلها طبيب حجْر صحي يصاب بالكوليرا ولا يستطيع تحديد مصدر العدوى. في ذروة معاناته يتذكر قصة للطيب صالح بعنوان "لكِ حتى الممات" عن طالب في معهد الدراسات الشرقية بجامعة لندن في نهاية خمسينيات القرن الماضي، يحب زميلته، ثم يعود إلى بلده وتسافر هي إلى كندا (أوتاوا) ويتبادلان الرسائل. كان يذيل كل رسالة بعبارة "لكِ حتى الممات". وبالفعل يموت وتنقطع رسائله ولكن تستمر حبيبته في كتابة الرسائل له دون أن تعرف أنه مات. يظن أنه تلقى العدوى من سفينة باكستانية صعد إليها للتأكد من خلوها مما يمنع رسوها في ميناء بورسعيد خلال استعدادات لزيارة سيقوم بها الرئيس السادات للميناء في إطار الاحتفال بإعادة فتح قناة السويس أمام الملاحة الدولية. كان يتردد في ذلك الوقت أن باكستان تعاني من انتشار وباء الكوليرا. نعلم أيضاً أنه تقرر في اليوم ذاته نقله إلى ميناء الإسكندرية، بما أنه سبق له أن مارس نشاطاً سياسياً معارضاً، ومن ثم لا ينبغي أن يكون موجوداً في ميناء بورسعيد أثناء زيارة رئيس الدولة. يشك في أنه ربما أصيب بالميكروب الفتّاك في أول يوم عمل له في الإسكندرية عندما صعد إلى بارجة أميركية قادمة من مومباسا الموبوءة أيضاً آنذاك بالكوليرا. في موضع آخر يتذكر قصيدة ناظم حكمت "أجمل أطفال العالم لم يولد بعد"، قبل أن يتحامل على نفسه متجهاً إلى مستشفى الحميات على أمل أن ينقذه الأطباء من موت وشيك. في الطريق إلى المستشفى يتذكر مشاهد الرقص المميت الأخيرة في فيلم "إنهم يقتلون الجياد، أليس كذلك؟". وبمجرد وصوله إلى المستشفى  راح يهوي غائباً عن الوعي؛ "كان يصعد من قاع الهوة دخان فضي، وأريج عطر. رائحة فُل لا شك فيها". وبين الوعي والغيبوبة خايَله وجه صبية كان قد رآها صدفة تطل من شرفة بيت في الشارع الذي يسكن فيه.

ويدور الحدث الرئيس في قصة "شهيق عميق، زفير مرتاح" في الزمن الراهن؛ زمن الجائحة. بطلها رجل سبعيني يستعد لاستقبال ابنه في المطار. هذا الأب كان يصطحب زوجته وابنهما الآخر. تفتَّق ذهنه عن حيلة ليعبر عن اشتياقه للابن العائد دون أن يخل بالإجراءات الاحترازية. حُضنٌ قوي مع كتم النفَس، تباعُد، زفيرٌ مرتاح.

محمية مستباحة

أما سارد قصة "نهود الرمل" فهو زوج، في الخامسة والستين من عمره، تخبره زوجته بأنها أصيبت بسرطان الثدي. طلبت منه أولاً أن يصطحبها في رحلة إلى واحة "قلابشو" الواقعة بين البحر والصحراء، في موقع غير بعيد من مدينة المنصورة، مذكرةً إياه بأنه كان حكى لها عن أنه رأى حين كان في السابعة عشرة من عمره كثباناً رملية في تلك الواحة تشبه أثداء النساء. قالت له إنها ترغب بشدة في رؤية تلك الكثبان. يذهبان إلى الواحة، فيلاحظ أن معالمها تغيّرت. يلاحظ أنها استبيحت بالرغم من أنها محمية طبيعية. لكن بقdت فيها "نهود ناعمة لفاتنات خفيّات يستلقين على ظهورهن في الرمل الذي يخفي كل ما فيهن من سحر، إلا سحر تلك النهود ".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

قصة "حلاق سيبيريا"، ساردها "ممدوح الناصر"؛ ألمع أساتذة علاج السرطان، في بلده، يفاجأ بأن المرض اللعين أصاب والده. يطلب منه والده وهو أيضا خبير في علاجات الأورام، بعد أن تفاقم مرضه أن يمنحه "الحق في الموت الطبيعي". وهو أمر يختلف عما يسمى "الموت الرحيم". يتذكر الأب وهو يحتضر واقعة اعتقاله عندما كان في العشرين من عمره بسبب معارضته حاكماً "أراد أن يفرض أبوة زائفة على شعبه". يتذكر أن تلك المحنة تزامنت مع بدء توغل المرض اللعين في جسده. أما الإبن فيتذكر أن والده كان يحلق له شعر رأسه بنفسه. كان أيضاً يحلق لنفسه رافضاً أن يسلم رأسه لحلاق محترف. ومن هنا أسمته زوجته "حلاق سيبيريا"، بعدما شاهدت فيلماً بالاسم نفسه لنيكيتا ميخالكوف.

وفي قصة "قمر ونجوم حارس الليل"، يهيمن أيضاً سارد خارجي، مع تنوع الضمائر، ما بين الغائب والمخاطَب والمتكلم. تحكي القصة عن أب تدرّب روحياً على تحويل "اكتئاب الإحباط" إلى "حقيقة صغيرة من حقائق العيش يمكن احتمالها". لم يعد ينظر إلى مسحة اكتئابه إلا كآلية دفاعية صحية في مواجهة واقع مزمن العلة لم يعد يراه مبشراً. هو مأزوم بهَمٍ عام: "منطقة عربية تُسَاق هائجة إلى حتفها باندفاع خطابي، وكل الإخوة الأعداء في وغاها يرفعون على رايات اقتتالهم اسم الله بهتاناً وزوراً". مهموم كذلك ببلده الذي "فجّر ثورة حضارية تمَّ اختطافها، فقد اتبعها بثورة ثانية صحّحت الاختطاف، لكنها سرعان ما راحت تنزلق نحو مستنقع الفرص الضائعة". يذكر نفسه مع ذلك بأن اليأس ترف لا يملكه، تماماً مثل بطل رواية الطيب صالح "موسم الهجرة إلى الشمال". كان يفكر في كل ذلك في صباح آخر أيام العام، متوقعاً أن تطلب منه زوجته أن يصطحبا أولادهما الثلاثة إلى مكان ما خارج البيت للاحتفال بليلة رأس السنة. اشترط للموافقة أن يعودوا قبل انتصاف الليل لكي لا يقلق نوم حارس البناية العجوز الضرير، والذي يعاني كذلك من من مرض السكري ومن اعتلال قلبه.  

المزيد من ثقافة