Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل يواجه الباحثون عن عمل تمييزاً عنصرياً في بريطانيا؟

المتقدمون من الأقليات العرقية لنيل وظيفة يضطرون إلى إرسال طلبات أكثر بنسبة 60 في المئة من نظرائهم البيض، كي يحصلوا على رد إيجابي من أرباب العمل

هل يواجه الشباب اللندني العاطل عن العمل عنصرية؟ (دانيال همبوري / ستيلا بيكتشرز)

عندما تقدم غوبال سينغ للحصول على فرصة عمل موظف استقبال في أحد الفنادق الشهر الماضي، طرح عليه الشخص الذي أجرى معه المقابلة سؤالاً جعله في حال ارتباك وقلق. وكان السؤال: "كيف أعرف إذا منحتك هذه الوظيفة، أنك لن تعود إلى بلادك خلال 6 أشهر؟".

ما حصل بالنسبة إلى غوبال الذي غادر الهند إلى المملكة المتحدة في طفولته، كان نموذجاً صارخاً عن التمييز العنصري. فالوظيفة هذه هي الحادية والستون التي يتقدم لها، منذ تسريحه من عمله موظف استقبال ليلي في بداية فترة تفشي الجائحة، وقد جعلته يتساءل عن الدور الذي لعبه التمييز العنصري في عدم تمكنه من الحصول على وظيفة.

قصة غوبال ظهرت إلى العلن لأنها تشكل مثالاً عن التمييز العنصري الصارخ، في حين أنه نادراً ما يمكن تحديد هذا النوع من التمييز على أنه سبب في عدم التمكن من الحصول على عمل. فجميع الشباب العاطلين من العمل من أصول سوداء وآسيوية الذين تحدثنا إليهم في إطار تحقيقنا المشترك عن البطالة الذي أجرته "اندبندنت" مع صحيفة "إيفننغ ستاندارد"، لم يكونوا على بينة أو متأكدين أبداً من سبب عدم تمكنهم من نيل وظيفة.

وكانت دراسة أجراها "مركز التحقيقات الاجتماعية" Centre for Social Investigation  في "كلية نافيلد" التابعة لـ "جامعة أكسفورد" في عام 2019، قد أظهرت أن المتقدمين لنيل وظيفة من الأقليات العرقية، يتعين عليهم إرسال طلبات أكثر بنسبة 60 في المئة من نظرائهم البيض، للحصول على رد إيجابي من أرباب العمل. وبينت دراسات أخرى تناولت السيَر الذاتية للأفراد، أن "العقوبة العرقية" قد تكون أشد قساوة ونسبتها أعلى.

لكن سواء كانت العنصرية معلنةً أو مخفية أو تلبس لبوس التحيز اللاواعي، فالحقيقة هي أن أكثر من 37 في المئة من السكان السود النشطين اقتصادياً في لندن، الذين تتفاوت أعمارهم ما بين 16 و24 عاماً، هم عاطلون من العمل، مقارنةً مع متوسط معدل 11.7 في المئة من الشباب في مختلف أنحاء البلاد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

اليوم نتحدث مع شابة وشاب من سكان لندن من السود، الذين يشكلون جزءاً من هذا الإحصاء المزعج للعاطلين عن العمل، الذين لديهم قصص قوية [بارزة] يروونها - ومع ذلك لا يمكننا التأكد من الدور الذي أسهمت فيه خلفيتهم العرقية، إن وجد، في إخفاقهم في الحصول على وظائف.

قصة تاميكا

كان على الشابة تاميكا أن تتغلب في الأعوام التسعة عشر الأولى من حياتها، على مصاعب واجهتها أكثر مما يواجهه كثير من الناس في حياتهم. فقد نشأت في منزل "والدة عزباء" (ترعاه والدتها لوحدها) في شمال لندن، وهي الابنة البكر على ثلاثة أطفال، وكانت غالباً ما تستيقظ في الصباح وتجد ملاحظة كتبتها لها أمها تقول فيها: "سأتغيب لبضعة أيام" – وأوكلت إليها منذ سن الثالثة عشرة إيقاظ إخوتها وإعداد وجبات الفطور لهم واصطحابهم إلى المدرسة. وقد شهدت استعداداتها لنيل "شهادة الثانوية العامة" GCSE اضطراباً شديداً بسبب اضطرارها إلى ترك المدرسة في وقت مبكر لاصطحاب إخوتها من المدرسة الابتدائية، لأن والدتها "غادرت مرة أخرى". وبحلول سن السادسة عشرة، أصبحت حياة الابنة مع والدتها المختلة [العاجزة عن القيام بواجباتها] - وأحياناً العنيفة جسدياً - لا تطاق، إلى درجة أُدخلت الوالدة إلى إحدى دور رعاية.

قد تقول تاميكا إن "تجربة الحياة" هذه برمتها جعلتها قوية وامرأةً شابة قادرة على الصمود ومستعدة لمواجهة العالم. وعندما تقابلها، تشعر بالذهول فوراً من مدى إشراقها وحيويتها وإيجابيتها - على الرغم من تقديمها أكثر من 50 طلباً لنيل وظيفة من دون نتيجة، في العامين الماضيين.

لكن في المرحلة الأخيرة، خضعت تاميكا لمقابلة عمل في مطعم إيطالي جعلتها تخرج عن طورها. وتقول في وصف ما حصل معها: "وصلتُ إلى المقابلة وكلي حرص على ترك انطباع جيد، لكن سرعان ما أصبح واضحاً أن الرجل كان مهتماً بالتقرب مني أكثر من تعييني. بدأ يسألني أسئلةً غريبة عما إذا كنت عازبة ومتاحة، وطلب تفاصيل عن علاقتي الأخيرة. أدركتُ للتو أنه بدلاً من إجراء مقابلة عمل معي، كان يريد التقرب مني. فما كان مني إلا أن اختلقت أعذاراً وغادرت المكان".

وبمعزل عن تلك المقابلة، فإن من الصعب معرفة ما إذا كانت الخلفية الإثنية لتاميكا - المولودة في لندن من أصل كاريبي - أو جنسها، هو العامل المسبب لعدم تمكنها من العثور على عمل، "لأنك في معظم الحالات تتقدم بطلب توظيف لكنك لا تسمع رداً على الإطلاق".

وتضيف: "أعيش في غرفة صغيرة في سكن مشترك، حيث لا توجد مساحة لمكتب، لذا أواصل تقديم طلبات التوظيف من سريري. وقد انتهت جميع الفرص التي تقدمت إليها، إما بأن أتلقى رسالة آلية تقول ’نأسف، لم يتم اختيارك‘، أو لا أتلقى أي رد على الإطلاق، من هنا ليست لدي أي فكرة عن سبب عدم نجاحي، وما إذا كنت قد خسرت السباق لمصلحة مرشحين هم أكثر خبرة مني حقاً أم لا".

وتتابع تاميكا حديثها بلطف، وهي ترتدي بأناقة بنطال جينز ذي تصميم ممزق: "بعد نيلي ’شهادة الثانوية العامة‘، التي نجحت فيها بثلاث مواد فقط ورسبت بمادتي اللغة الإنجليزية والرياضيات، أتممت دراسة المستويين الثاني والثالث من اختصاص تصفيف الشعر في ’كلية أكسبريدج‘، لأصبح مصففة شعر. بعدها ضرب وباء ’كوفيد‘. وكنت قد تقدمت بطلبات لعدد من الوظائف بما فيها وظائف تصفيف الشعر، لكنني لم أحصل على أي فرصة عمل. لا أعرف لماذا. أما من بين أصدقائي العشرة الذين درسوا اختصاص تصفيف الشعر، فقد حصل ثلاثة منهم على وظائف. قمت أخيراً بالتوسع  [في البحث عن العمل] والتقدم بطلبات للحصول على أي وظيفة، بما في ذلك العمل في المستودعات والمطاعم، لكن لم يكن هناك أي تقدم يُذكر".

حظيت تاميكا بفرصة الحصول على مقابلتي عمل، إحداهما كانت كارثية في أحد مطاعم البيتزا، والأخرى كانت عبر الهاتف مع شركة "أمازون" للعمل في نوبات ليلية في مستودعات الشركة. وقالت: "لم أسمع أي رد من أي منهما".

ولدى سؤالها عن وضعها، تجيب "إن ما جرى يؤثر على كثير من الأمور، وليس فقط على احترام الشخص لذاته. فعدم توافر المال يجعل من الصعب الخروج غالباً مع الأصدقاء، لذلك تشعر بمزيد من العزلة، وهذا يجعل الشخص مكتئباً بعض الشيء. أحاول أن أبقى متفائلةً وأقول لنفسي إنه لا توجد حياة مثالية، وإن مستقبلي سيكون جيداً [مشرقاً]. إنني مستعدة لمزاولة جميع الوظائف المزعجة التي لا يريد أحد القيام بها، بمجرد تلقي أول اتصال، حتى أكون شخصيتي وأكسب مالاً وأشعر بالرضا. عندما غادرت الكلية، لم أفكر أبداً في أنه سيكون من الصعب علي للغاية الحصول على وظيفة. أنا فقط بحاجة إلى شخص يؤمن بقدراتي، ويشق لي طريقاً لأبدأ خطوتي الأولى في مسيرتي المهنية".

قصة تايرن

كان تايرن بارعاً في دراسته للثانوية العامة، بحيث حقق درجة B في 6 مواد، ودرجة C في 3 مواد.  وارتاد الجامعة لدرس العلوم الرياضية، لكنه تخلى عن الاختصاص لأنه "لم يجده مناسباً له" على حد وصفه. هذا الشاب البريطاني أسود البشرة، يبلغ من العمر 22 سنة، نشأ على يدي أم عازبة معوقة ذات دخل منخفض في غرب لندن، وفضل البدء بالعمل لكسب المال بدلاً من الاستسلام لوطأة القروض المتراكمة. واختار بالتالي أن يقبل بالعمل نادلاً في مقهى لقاء 9.50 جنيهات استرلينية (12.64 دولاراً أميركيا) عن كل ساعة عمل، فيما واصل شغفه بالموسيقى وسعيه إلى أن يصبح فنان "راب". لكن بعد عام من تفشي فيروس "كوفيد" وتلقيه مساعدة حكومية بسبب توقفه عن العمل، تم تسريحه من وظيفته، وهو الآن بلا عمل منذ 19 شهراً.

ويقول: "كنت أخال أن الذكاء الذي كنت أتمتع به في المدرسة، سيفتح العالم أمامي ويسهل علي تسلق السلم الوظيفي بسرعة، لكن الأمر لم يكن بهذه السهولة. فقد تقدمت بأكثر من 30 طلب وظيفة منذ تخفيف إجراءات الإغلاق، ولم أتمكن من الحصول إلا على 5 مقابلات معظمها كان عبر تطبيق "زوم"، ولم أحظَ بأي وظيفة". وأضاف: "بعد كل مقابلة، كان يخالجني دائماً شعور بأنني ربما كنت أنا السبب في إفساد الأمر وبأنني أحمق".

وعندما سئل تايرن عما إذا كانت مسألة العرق هي من أحد الأسباب المؤثرة، هز كتفيه بلامبالاة قائلاً: "من الصعب التكهن بذلك لأن المقابلة ليست وجهاً لوجه، لكن غالباً ما يساورك شعور بأن هناك نوعاً من العوائق الخفية. لا أعرف ما إذا كان ذلك بسبب المقابلة من بعد عبر تطبيق ’زوم‘، لكني أرى أن مشكلتي تكمن في افتقاري للمهارات اللازمة في إجراء مقابلات شخصية، وعدم استعدادي لها بشكل جيد. فأنا أميل إلى إلقاء اللوم على نفسي".

وأشار إلى أنه كان للبطالة والعزل في المنزل لفترة طويلة خلال فترة تفشي الوباء، تأثير على "شخصيته". وقال: "كنت في السابق أكثر انفتاحاً وثقةً وتفاؤلاً، لكن الفشل المستمر جعلني أكثر انطواء. شعرت بأنني لا أملك ما أقوله للأصدقاء، وفضلت البقاء على مسافة منهم".

أدى هذا الوضع إلى غياب الروتين والنظام اليومي عن حياته، إضافةً إلى فقدانه الانضباط الذاتي. ويصف ذلك بالقول: "بدأت أسهر لوقت متأخر جداً لمشاهدة الأفلام ولعب مباريات ’فيفا‘ على ’بلايستيشن‘، وأحياناً كنت أطيل السهر حتى الرابعة صباحاً. وكنت أستيقظ في وقت الغداء في حال سيئة، وأواصل حياتي من دون أي حافز. كنت أقارن نفسي بأختي التي درست الطب، وبأصدقائي الذين ارتادوا الجامعة، وأشعر بأنني على هامش الحياة".

لكن للإبقاء على معنوياته مرتفعة، والخروج من هذه الحلقة السلبية، بدأ تايرن يخرج في نزهات صباحية باكرة، والتطوع كعامل شاب. ويقول في هذا الإطار: "كانت الطبيعة بمثابة معين لي. بدأت أستيقظ باكراً، وأخرج للمشي وممارسة التمارين الرياضية في الحديقة العامة. شعرت بأنني عدت إلى المسار الصحيح".

المهنة التي يحلم بها تايرن تتمثل في العمل في مجال الموسيقى "أو في دعم فنانين آخرين على تطوير أنفسهم"، لكنه اكتشف أنه يحب العمل مع الشباب ويبحث اليوم عن وظيفة في هذا المجال. ويقول: "قد ينسى الفرد ما يعنيه الشعور بأن يقوم بدور بناء، ولم أعتقد قط أن الأمر قد يكون بهذا القدر من الصعوبة".

تم تغيير الأسماء

© The Independent