Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

فتحي التريكي في سيرته الذاتية: من أبي القاسم الشابي إلى ميشال فوكو

يعرض مرحلة الثورة وسقوط نظام بن علي وما بعدها وما رافق ذلك من خوف من صعود الإسلاميين

عاد فتحي التريكي إلى تونس لمواصلة نضاله المعرفي والسياسي في الجامعة التونسية (أ ف ب)

كيف يكتب فيلسوف سيرته الذاتية؟

أن يكتب فيلسوف سيرته الذاتية، فهو كمن يمشي على البيض، لأن الفلسفة ملعونة في هذا العالم العربي وشمال أفريقيا، مادة غير مرغوب بها من قبل الأنظمة الديكتاتورية من جهة، ومن قبل الفكر الديني الأرثذوكسي المتعصب.  

حين يكتب فيلسوف سيرته الذاتية، فإنه يكتب سيرة الفكرة في ولادتها وطفولتها ومراهقتها وشبابها وكهولتها وشيخوختها، يكتبها في علاقتها الجدلية مع حياته الفردية والجماعية، مع الحميمي والسياسي، وتلك معادلة ليست يسيرة التحقيق.

هذه المغامرة يخوضها الفيلسوف التونسي فتحي التريكي في كتابه الأخير "الذاكرة والمصير: محطات في سيرتي الذاتية" الصادر عن الدار المتوسطية للنشر.

بسعادة فكرية كبيرة، يُقرأ هذا الكتاب، لأنه يحقق المتعة النصية من خلال أسلوبه الشيق الذي يحلّق في محطات كثيرة إلى مرتبة "الكتابة الأدبية"، لغة وتصويراً وتخيلاً، ولكنه وفي الوقت ذاته يقلّب مواجع تونس وأحلامها متقاطعة ومتناغمة مع أحلام ومصاعب فتحي التريكي نفسه، يبدأ هذه الرحلة من تاريخ استقلال تونس في 20 مارس (آذار) 1956 وبالضبط منذ الإعلان عن مجلة الأحوال الشخصية في 17 أغسطس (آب) 1956 وهو الحدث السياسي الانقلابي الأول في تونس المستقلة والذي جاء به الرئيس بورقيبة، دفاعاً عن حق المرأة التونسية في مساواتها مع الرجل ورفع الظلم الاجتماعي والجنساني عنها إلى قيام الثورة وسقوط نظام بن علي.

يفتح فتحي التريكي سيرته بالحديث عن البيت العائلي الكبير الموجود على أطراف مدينة صفاقس، بيت ستلتقي فيه لاحقاً أسماء وازنة في الأدب والفكر والسياسة من أمثال محمود المسعدي ودرة بوزيد وحنا مينة وفرانسوا شاتلي وغيرهم... وكسائر مسارات الإنتلجانسيا العربية والمغاربية سيدخل الكتّاب وسيكون القرآن هو النص الأول في علاقته بالقراءة والكتابة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وهو يروي لنا سيرة طفولته في هذا البيت العائلي، تصدمنا بشكل جارح صورة العم فرج، الرجل المخصي الذي يرتدي ألبسة غريبة لا هي تلك الخاصة بالرجال ولا تلك الخاصة بالنساء، لقد تم خصي هذا الرجل لأنه كان ينتمي إلى عائلة عبيد البايات، وكان طباخ زوجة وبنات الباي.

في هذا البيت، سيقضي فتحي التريكي طفولته ومراهقته، بين أسرة منسجمة محافظة لكنها ليست متعصبة، إذ يسمح الأب فيها لبناته الثلاث بالالتحاق بالمدرسة ولاحقاً الجامعة. ينهض وعي الفتى على أسئلة سياسية مركزها الحبيب بورقيبة بأفكاره الجريئة، وسيدخل المدرسة بأطوارها المنتظمة وسيتعلم باللغتين العربية والفرنسية، وسيكتشف مبكراً موهبته الأدبية، وسيكتب الشعر ويرسل قصائده إلى البرنامج الأدبي الإذاعي وسيعرف نجاحاً يجعل منه شاعر الثانوية، بل يُدعى إلى المشاركة في ملتقى خاص بالشعراء لإلقاء محاضرة عن أبي القاسم الشابي الذي يمثل طريقة الأول للكتابة والقراءة.

وتذكر السيرة الذاتية المرجعيات الأساسية التي شكلت المنطلق الأول لتكوين فتحي التريكي من "السندباد البحري"، مروراً بـ "حي بن يقظان"، وصولاً إلى كتابات كل من جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وطه حسين والعقاد من المكتبة العربية ومن المكتبة العالمية سيبدأ رحلة القراءة بألفونس دودي وفيكتور هوغو وألكسندر دوما وجان جاك روسو والبيان الشيوعي لماركس وإنغلز وفرويد... لكن فوق كل هذه القراءات، سيظل الشابي هو المسيطر على اهتمام فتحي التريكي الشاب، ليلتحق به لاحقاً بدر شاكر السياب.

وبالموازاة مع القراءة الأولى الأدبية والفكرية باللغتين العربية والفرنسية التي شكلت لقفة الوعي الأول لدى فتحي التريكي، ستكون الثورة الجزائرية بأخبارها الواردة من إذاعة تونس التي كانت تخصص برنامجاً لذلك، وبالصوت الاستثنائي للمذيع عيسى مسعودي، سيكون لها تأثير كبير في التربية السياسية لمشروع المثقف المستقبلي.

ولدى الالتحاق بالجامعة طالباً في قسم الفلسفة، ستعرف حياة فتحي التريكي انقلاباً جذرياً، وبالأساس بعد أن يقيم في شقة يؤجرها مع طلاب آخرين بشارع الحبيب بورقيبة، ولأنهم لم يكونوا يملكون خمسين ديناراً مقابل الكراء، فقد طلبوا من الفيلسوف ميشال فوكو الذي كان يدرّس في الجامعة أن يقرضهم المبلغ، وهو بالفعل ما حصل.

وصل ميشال فوكو في 15 يونيو (حزيران) 1966 إلى تونس للتدريس بالجامعة، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، وظل بها ثلاث سنوات، وقد استقبله الرئيس الحبيب بورقيبة وتناقش معه وأوصاه أن يدرّس الطلبة التونسيين منهج ديكارت حتى يتعلموا قواعد التفكير الجديد.

لقد فُتح باب الفلسفة لفتحي التريكي من خلال ميشيل فوكو، بحضوره وذكائه واجتهاداته، وسيكون هذا اللقاء محدداً لمصيره، ومساندة لقضية المرأة التونسية، فقد ألقى فوكو محاضرات عامة في نادي الروائية التونسية جليلة حفصية التي كانت تكتب بالفرنسية.

وقد اندمج فوكو إلى حد كبير في الحياة الاجتماعية التونسية، كما يروي الكتاب، وكان على اتصال بنضالات الطلبة، بل إن بيته في سيدي بوسعيد سيصبح مقراً للقاءات المناضلين اليساريين.

 وفي بيته، كانت تنسخ على آلة الرونيو المناشير وكانت سيارته تستعمل في توزيع هذه المناشير في تونس والضواحي. وسيكون ميشيل فوكو هو من يشرح لفتحي التريكي الكتاب الأول من "الرأسمال" لكارل ماركس.

وبقدر ما أثّر فوكو في حياة النخبة التونسية وعلى رأسهم فتحي التريكي وآخرين، فإن تونس، بحياتها السياسية الحزبية والطلابية وتجربة المرأة، أثرت في مسار فوكو الفكري والمنهجي.

وقد ردّ على من هاجموه لأنه لم يكُن حاضراً في تظاهرات مايو (أيار) 1968 بباريس بأنه كان في تونس التي منحته تجربة أكثر غنى، من خلال الوقوف على عملية التحديث السياسي والاجتماعي في بلد مستقل حديثاً.

 

إن انغماس فوكو في الحياة التونسية سياسياً وثقافياً جعله يعطي مثالاً مختلفاً عن الصورة النمطية للفيلسوف وذلك بانشغاله باليومي، وليقول لنا إن الفلسفة ليست منقطعة ولا مقطوعة عن الحياة اليومية، وهو ما جعل فتحي التريكي يمارس التفكير الفلسفي في تقاطع وجدل مع الفعل السياسي اليومي. ومنطلقاً من ذلك، تعرض هذه السيرة الذاتية محطات السجن والتوقيف والملاحقات والإقامة الجبرية التي تعرّض لها فتحي التريكي في مساره كطالب ومن ثم كأستاذ جامعي، والصعوبات السياسية التي اعترضت حياته المهنية لاحقاً.

وستمثل مرحلة باريس حين انتقل إليها فتحي التريكي عام 1972 ليسجل في جامعة السوربون 1، حقبة غنية على مستوى التحصيل العلمي الأكاديمي، حيث سيناقش أطروحة الدكتوراه حول موضوع "فكرة الحرب في الفكر السياسي الحديث" بإشراف فرانسوا شاتلي، وقد سمحت له هذه  الإقامة بالدرس على أكبر صانعي الفكر في فرنسا من أمثال ألتوسير ودولوز وفرانسوا شاتلي ودي سنتي وجاك ديريدا...

ولكنها أيضاً ستكون فرصة لمواصلة النضال السياسي من خلال انخراطه في لجنة الدفاع عن معتقلي الرأي السياسي في تونس والمطالبة بإطلاق سراح مساجين الرأي، وفي هذه المرحلة الباريسية سيتعرف على الدكتورة رشيدة بوبكر التريكي التي ستصبح زوجته وهي المتخصصة في سبينوزا وتاريخ الفن.

في هذا الجو السياسي والحميمي أيضاً، سيعود فتحي التريكي إلى تونس لمواصلة نضاله المعرفي والسياسي في الجامعة التونسية، وتروي هذه السيرة الذاتية كيف تم تعريب الفلسفة الغربية وتخليص تعريبها من "عملية الأسلمة"، وكيف تشكلت جبهة للدفاع عن التنوير، قادتها مجموعة من المفكرين والفلاسفة الذين جددوا سؤال المعرفة الأكاديمي في تونس وشمال أفريقيا والعالم العربي من أمثال: هشام جعيط ومحمد محجوب وعبد المجيد الشرفي وعبد الوهاب بوحديبة وكمال قحة ورشيدة التريكي وعثمان بن طالب ومحمد الشرفي...

ويعرض فتحي التريكي من خلال هذه السيرة الذاتية "الذاكرة والمصير: محطات في سيرتي الذاتية"، مرحلة الثورة وسقوط نظام بن علي وما بعدها وما رافق ذلك من خوف من صعود الإسلاميين واستحواذهم على السلطة والمؤسسات، وفي هذا ندرك كيف يُنْزِل الفيلسوف الفلسفة إلى الشارع لترافق المتظاهرين ولتصنع السؤال الفلسفي الذي يحاور ويفكك حلم التغيير الذي رفعته الآلاف التي أسقطت الديكتاتور، وكيف يسهم الفيلسوف في صناعة يوميات الثورة من خلال المشاركة في التظاهرات وأيضاً من خلال عضويته في "الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي".

بهذه السيرة الذاتية، ندرك بأن زمن الفيلسوف الذي يعيش في البرج العالي قد ولّى، وهذا زمن جديد قد حل حيث لا وجود للفلسفة والفيلسوف إلا في معترك الحياة اليومية، فالمفاهيم تنحت من مساهمة الفيلسوف في التغيير ومن حركية التاريخ الذي يصنعه اليومي في تفاصيله الغنية.

المزيد من آراء