Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

العراق يقاوم عقود الحصار الثقافي بالانفتاح والنهوض

تشهد الآونة الأخيرة نشاطاً ملحوظاً بالسينما والفنون والمسرح في العاصمة ومحافظات أخرى

العراق يسعى لاستعادة الفنون بعد عقود من المعاناة  (مهرجان بابل الدولي)

شهد العراق في الآونة الأخيرة انفتاحاً ثقافياً ملحوظاً واهتماما كبيراً بالفعاليات الثقافية ما بين عروض مسرحية ومهرجانات تُعنى بالفيلم السينمائي والفنون التشكيلية والحفلات الموسيقية بعد قطيعة وانكفاء امتدا لعقود كثيرة خلت، وتباينت أسباب هذا الانقطاع ما بين الحصار الذي فُرض على العراق في تسعينيات القرن الماضي واستمر حتى بعد سقوط النظام وتسلّط الإرهاب الذي أصاب البلاد في الصميم، فدمّر البنى التحتية للثقافة والحضارة والعمران. وحين مُني العراق بنكبة، سُرقت المتاحف بكل ما تحتويه من كنوز وتراث زاخر، الأمر الذي أدى إلى تردّي الأوضاع الأمنية والسياسية ومن ثم توقّف الحياة الثقافية بشكل كامل.

فعاليات ثقافية كثيرة شهدتها العاصمة بغداد وعدد من المحافظات على الصعيدين العربي والدولي كانعقاد مهرجان المسرح الذي أُجّل لثمانية أعوام، وشاركت فيه نخبة كبيرة من فنانين عرب وأجانب، سبقه مهرجان السينما وفعاليات أخرى موسيقية.

بدأ هذا التقارب حين بادر العراق بأداء دوره الفاعل على الساحة السياسية انطلاقاً من مؤتمر قمة الدول العربية، تلته قمة "دول الجوار العراقي". وشكّل حضور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دعوة إلى تجديد انعقاد المؤتمر للأعوام المقبلة، ما أدى إلى الاهتمام مجدداً بالجانب الثقافي، وكان لجهود وزارة الثقافة في عودة آلاف القطع الأثرية أثر بارز في الرجوع للاعتناء بالتراث العراقي.

وكان للأكاديمي والموسيقي باسم مطلب، رأي آخر إذ قال، "يتفق معي كثيرون في بلاد المهجر أنهم شهدوا بُعد العراق عن الركب الثقافي العالمي، بخاصة في مرحلة دخوله قائمة المحظورات التي كبّلت أفكار وتطلعات المثقف العراقي الوطني، وقيّدت حرية التعبير لديه، وتسلّطت على مقدّراته، وشرّعت القوانين التي تخدم المستفيد من هذا الوضع القاتم. وما يحدث الآن هو محاولة لممارسة الانفتاح الشمولي وتجربة ليُشهر العراق نقلته الفارقة للنهوض بواقع البلد الثقافي من جديد".

مهرجان بابل الدولي لم تشمله رعاية الدولة

مهرجان بابل للثقافات والفنون العالمية باركته "يونيسكو" في نسخته السابعة لكونه ثقافياً وفنياً وأدبياً يستقطب الفرق والفنانين، ومهرجان، شملته رعاية جهات عدة، ولكن لم تشمله رعاية الحكومة.

 يكشف عدنان الحسيني، مدير إعلام مهرجان بابل، بعد انضمامها إلى لائحة التراث العالمي أن "منظمة يونيسكو اشترطت إقامة مهرجانات ثقافية فنية وتراثية وآثارية في المدينة للتعريف بها. وتُعدّ إقامة فعالية ثقافية فنية في ظروف كالتي نعيشها، متشعبة اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، أشبه ما تكون بالمغامرة".

يتابع، "تعرّض مدير المهرجان، محافظ مدينة بابل إلى  ضغوط كثيرة كي يلغي المهرجان، في وقت كنّا باشرنا بالفعل بالتنفيذ. وبسبب الضغوط، لم يحضر عدد من المدعوين رفيعي المستوى". ويضيف الحسيني، "وحاول البعض إلغاء الفقرات الغنائية في المهرجان، ما خلق رأياً عاماً مؤيداً لإقامته".

ويعتبر الفنان التشكيلي فلاح الشكرجي، "من اللائق لبلد بتاريخ العراق أن يكرّس ظاهرة التلاقي الثقافي مع الأمم والشعوب عبر المهرجانات الدولية والفعاليات التي تجمع نجوم الإبداع والثقافة، لمحو صورة الخراب التي كرّستها جهات إعلامية ترفض الاعتراف بالجانب المشرق من واقع العراق اليوم، بحيث تسهم الملتقيات الثقافية والأنشطة التي تضم المبدعين وابتكاراتهم من دول مختلفة في التعبير عن المستوى الحضاري للبلد المضيف لمثل تلك الفعاليات وكذلك التعبير عن الاستقرار الأمني والسياسي".

"خطوة في الاتجاه الصحيح وبحاجة إلى التطوير"، هكذا وصف حيدر عبد الكريم، مدير مهرجان بابل الفعاليات الثقافية الحالية مقارنةً بالوجه الثقافي للعراق قبل عامين من الآن، على الصعيدين المجتمعي والفني وحتى الدبلوماسي، فالمجتمع العراقي اليوم بحاجة إلى رئة ثقافية ترفيهية ليتنفس بعيداً من دخان الأزمات والصراعات الداخلية".

يضيف، "أما بالنسة إلى الفنانين العراقيين، خصوصاً الشباب منهم، فبحاجة إلى التلاقي مع فنانين ينتمون لثقافات أخرى، بهدف توسيع أفق مواهبهم وقدراتهم وإيصال فنهم خارج حدود الواقع المفروض عليهم".

العراقيون محبون للموسيقى

يوضح الفنان الموسيقي والأكاديمي أحمد سليم غني، أن "العراقيين من بين أكثر الشعوب المحبة للسلام والموسيقى، وعلى الرغم من صعوبة الظروف وشدة الأزمات التي مرّوا بها، فإني لا أطلق عليها فترة ركود فنية، بل ربما تكون فترة تعتيم إعلامي على النشاطات السابقة، في أوقات لم تكُن تسمح بظهور نشاطات موسيقية، لأننا لم نتوقف عن تقديم المهرجانات والحفلات الموسيقية والغنائية. والغالبية العظمى من الجمهور العراقي تحمل ذائقة سمعية عالية وتهتم بالفنون الموسيقية بشكل لافت للنظر والدليل هو جمهور الفرقة السيمفونية المتزايد وجمهور مهرجان بابل وجمهور الكونسرتات المثقف".

النشاط المسرحي العراقي... حراك فاعل

أما المسرح العراقي، فيتميّز بالحراك الفني الفاعل في مواجهة المتغيرات الفكرية والسياسية والاجتماعية، إذ حقق حضوراً مهماً في مرحلة ما بعد 2003، من خلال المشاركات المحلية والعربية، ضمن مهرجانات نوعية أفرزت طاقات شبابية واعدة، فضلاً عن تعزيز وجود الأسماء المسرحية الفاعلة في عروض مسرحية تناولت الواقع العراقي تلميحاً وتصريحاً.

ويذكر لنا الفنان المسرحي والأكاديمي جبار خماط أن "بعضاً من المهرجانات تناول الطفولة ومهرجانات للفئات العمرية الأخرى، منها مهرجانات الفرق الخاصة في المحافظات العراقية، و’المهرجان الوطني للمسرح‘، بإشراف نقابة الفنانين العراقيين وبرعاية ’الهيئة العربية للمسرح‘، إضافة إلى انطلاق ’مهرجان بغداد الدولي للمسرح‘ في دورته الثانية برعاية وزارة الثقافة و’دائرة السينما والمسرح‘، ولا نغفل عن دور المؤسسات التعليمية الفنية في كليات الفنون الجميلة ومعاهدها، التي قدّمت مهرجانات مسرحية سنوية لإنتاجات الطلبة. ويبشّر هذا الحراك المسرحي بوعي المواطن العراقي للانتماء إلى المدنية والحضارة الإنسانية التي يصنعها الفن المسرحي الجميل، إضافة إلى بقية الفنون الإبداعية".

 الفنان التشكيلي مسؤول عن نشاطه

الفن التشكيلي العراقي بعد عام 2003 تأسس تحت منظومة ضغوط تراوحت بين المكانة العالمية للتشكيل العراقي، وبين ما آلت إليه حالة التشكيل في الوطن. فمن حيث الكمّ، لا نجد عاصمة ثقافية كبرى تخلو من اسم لفنان تشكيلي عراقي، أو تجربة عراقية تشغل الحركة الفنية المعاصرة التي لم يكُن الوطن قادراً على احتضانها. يقول البروفيسور سلام جبار، فنان تشكيلي، إن "الأسباب تتعلق بطبيعة البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تراكمت وشكّلت بيئة طاردة للإبداع ومنه التشكيل، بالنظر في الشروط التي يتطلبها إنتاج الفن التشكيلي وهو أمر عانى منه الفنان التشكيلي العراقي قبل التغيير وبعده والاحتلال".

يضيف، "تظهر محاولة دؤوبة من السلطة لتهميش وإقصاء الفن التشكيلي حتى إننا لا نجد مسؤولاً من بين الحضور في المعارض التشكيلية. وقد بات مطلوباً من الفنان أن يكون مسؤولاً عن نشاطه وتنميته بشكل شخصي وألّا ينتظر من الجهات الراعية أي معونة تذكر، لذا سادت ظاهرة المنجز التشكيلي المتدني، فضلاً عن النيل المستمر من القاعات الفنية التشكيلية وتحويل تخصصاتها بعدما كانت تتمثل في 69 قاعة بالعراق، تراجعت إلى سبع قاعات فقط. كما تحوّل مركز الفنون الأهم في البلاد إلى مؤسسة إدارية تابعة لوزارة الثقافة، إضافة إلى الموقف المجافي والمهمل من الدولة بالاعتماد على القدرات الفردية للفنان وبغياب تام للرعاية، مما يتطلب رفع الصوت والالتفات إلى هذا النسق العراقي المميز".

الدستور يخلو من كلمة ثقافة

يوضح كاتب السيناريو "المغترب" صباح عطوان أنه "تصعب إقامة مهرجان في الخارج لأننا نفتقر إلى امتلاك سوق عربية لأعمالنا، وننتج في العراق أعمالاً مؤدلجة هشة ضعيفة فكرياً، تتّصف بالسياسة أو المذهب بشكل أو بآخر، ولا تقترب من هموم المواطن". يتابع، "على العراقي أن يمارس حياته خارج إطار الدولة كي ينجح، وأن يلغي المذهب في السياسة العامة الداخلية والخارجية، ويبني علاقات متينة مع المجتمع العربي، ويسوّق أعمالاً قريبة من تطلعاتهم وعملهم وحياتهم وهواياتهم ومحاكاة واقعهم الاجتماعي، من دون أن يُسبغ عليها الواقع الديني، الذي أعتبره حالة خاصة ووجهة نظر خاصة".

ويضيف عطوان أن "النشاطات الآن فردية لا تعاضدها الدولة وهي جهود شخصية محضة، فالرحلات التي تعمل عليها الفرق المسرحية، وكذلك معارض الفنانين التشكيليين هي جهود شخصية فحسب، وليست نشاطات دولة، ونراهم يغردون خارج السرب، والمشكلة الحقيقية تكمن في عدم تبنّي الدولة للنشاط الثقافي، كما يخلو الدستور من كلمة ثقافة، والبرلمان لا يعترف بها. أما تمويل الإنتاج التلفزيوني، فيُعدّ بالنسبة إليهم نوعاً من الترف والبذخ غير المجدي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يتابع أن "الوضع الراهن في العراق تضلله عباءة الدين التي يخضع لها الجميع ووفق شروطها وثوابتها وتفكيرها وحدود الحرية التي تمنحها ووفق ما تعتقده شرعاً، الموسيقى والرقص حرام، والتمثيل حرام. أما الثقافة، فهي عبارة عن لهو والفلسفة نوع من الكفر والجحود التي لا ينص عليها الدين، زِد على ذلك الرقص الشعبي ورقص الباليه حرام أيضاً، كما انعكس ذلك على مهرجان بابل حينما ارتأت السلطة الإدارية في المحافظة والنتيجة، أخفق المهرجان بسبب قلة مساحة الحرية الممنوحة له".

معارض الكتاب دليل على الانفتاح

توضح إيناس القباني من وزارة الثقافة والسياحة والآثار أن "موضوع التأسيس لتنمية ثقافية عربية بدا واضحاً من معارض الكتاب المشتركة بين العراق والدول العربية المجاورة، وما معرض الرياض الدولي للكتاب إلا دليل واضح على ذلك الانفتاح". وتؤكد أن "النشاطات الثقافية والفنية هي مصدر دائم الجذب للمتلقي من الأوساط العراقية، سواء كانت بعمر الشباب أو النضوج الكامل للفئات العمرية الأخرى، ومن المؤشر أيضاً في سياق الاستجابات الثقافية للمجتمع العراقي الشغف بممارسة الطقوس الفنية في مناسبات لم تكُن متداولة سابقاً إلا أن توسع الاهتمام عبر شبكات التواصل الاجتماعي والانفتاح الفكري والثقافي مهّدا لتلقّي هذا النوع من الاحتفالات والنشاطات".

البقاء على قيد الحياة إنجاز

منذ سقوط حقبة الاستبداد، وحتى هذه اللحظة، شهد الإنتاج الثقافي والفني ركوداً بسبب الاختلالات الكبيرة التي أرهقت العراق بعد الخروج من ظلام الديكتاتورية إلى نور الحرية. ومثل بقية القطاعات، تأخر القطاع الثقافي كثيراً عن استعادة نغمة الحضور، نتيجة الانشغال عنه بالنجاة من أساليب الموت المتعددة التي كانت تختطف الأرواح، فصار البقاء على قيد الحياة إنجازاً.

يوضح مضاد الأسدي، عميد كلية الفنون الجميلة في جامعة بغداد، أنه "لم تخلُ مسيرة الثقافة من محطات كانت تُجمّل وجه العراق الذي خرّبه الإرهاب والسياسة، فصار التنافس الثقافي جزءًا فاعلاً من مهمة إنقاذ العراقيين الباحثين عن كل سبب يشعرهم بالحياة، وأنهم جزء من حركة العالم الثقافية".

صناعة السينما بيد الحكومة

الأكاديمي عبد الباسط الحفار كان له رأي في تراجع الفن السينمائي، إذ يقول "في بلد كالعراق تجلّت فيه مظاهر الثقافات الإنسانية القديمة كلها من فنون وعمران وتشريع للقوانين، يفتقر الآن وهو الغني بالمال والفكر والذائقة وللأسف إلى صناعة الفيلم السينمائي وإنتاجه، علماً أن بداياته الإنتاجية في أربعينيات القرن العشرين كانت جيدة في الصناعة السينمائية المشتركة بين العراق ومصر كأفلام ’ابن الشرق‘ و’القاهرة – بغداد‘ و’ليلى في العراق‘، وكذلك كُلّف المخرج الفرنسي أندريه شوتان إخراج ’عليا وعصام‘".

لم يستثمر المهتمون بالسينما العراقية هذا الانفتاح في الخبرات العربية والأجنبية، ولا وظّفوا فوائد الإنتاج المشترك في تنمية وتطوير مهارات الكوادر السينمائية، ومع ذلك أنتجت شركات خاصة عدة بعض الأفلام السينمائية بنكهة عراقية، لهجة وحكايات، وقد استحسنها الجمهور المحلي والنقاد آنذاك وتوقفت هذه الشركات عن الإنتاج بسبب خسائرها المادية. أما المؤسسات العامة المنتجة للأفلام السينمائية، فتتبع الحكومات المتعاقبة في أدلجة الفنون الجميلة، بخاصة السينما التي لا تحيا بالمال فقط".

عودة الروح إلى العراق

وعلى صعيد متصل، أوضح سعدون حسين الساعدي، المستشار في العلاقات الدولية في وزارة الخارجية العراقية، أنه "بعد استقرار الأوضاع الأمنية بصورة نسبية وعودة الروح إلى العراق كقوة إقليمية، شهدت بغداد نشاطاً دبلوماسياً من خلال الزيارات. والمؤتمرات التي استضافتها العاصمة وما صاحبها من انفتاح إقليمي ودولي أدّيا في النهاية إلى أن يتم إحياء المهرجانات الثقافية الدولية مثل بابل والمربد الشعري، فضلاً عن إقامة معرض العراق الدولي للكتاب وغيرها من الأمسيات الثقافية والفنية التي عاشتها مسارح بغداد، انعكس ذلك كله إيجاباً على البنى التحتية الثقافية، فقد رُمّم مسرح الرشيد وأعيد بناؤه، كذلك يشهد شارع المتنبي حملة إعمار كبيرة لأنه يمثل هوية العراق الثقافية لما يحتويه من مكتبات عريقة". وكما يبدو "أن العراق مقبل على ثورة ثقافية كبيرة تعيده إلى ماضيه المجيد كأحد المراكز الثقافية والأدبية العربية".  

المزيد من تقارير