Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"حتى إذا تلاشت الرؤى من خلفه وغابت المدينة"... وداعا الكابلي!

ترك بصمة لا تزول في سجل الغناء السوداني الخالد ومضى

الموسيقار والفنان السوداني الراحل عبد الكريم الكابلي (من صفحة نجله سعد الكابلي على فيسبوك)

قدرة الفن على نفخ الحياة في اللغة بالإبداع الشعري والغنائي، هي التي جعلت الإيطاليين يعمّدون الشاعر الإيطالي العظيم في العصور الوسطى دانتي ألييغيري، صاحب "الكوميديا الإلهية" أباً للغة إيطاليا الحديثة، جاعلين من لغة مدينته فلورنسا أمّاً وأصلاً للغتهم اليوم، وذلك اعترافاً وتكريماً للمجازات الشعرية العظيمة التي صنعها خيال دانتي في تلك اللغة، فكتب لها الخلود.

وإذا كان الشعراء: أمراء الكلام، كما قال الأصمعي، فإن المغنين هم صانعو خيال المرهف في الألحان الموسيقية (ملهمة الروح) لشعر الشعراء، ومجازاتهم العظيمة.

يوم أمس، رحل في الولايات المتحدة الأميركية أحد آباء وصانعي الوجدان الحديث للأغنية السودانية، الموسيقار الكبير عبد الكريم الكابلي، ابن شرق السودان ومدينة بورتسودان التي وُلد فيها عام 1932.

رحل الكابلي بعدما عاش حياته جملة إيقاع شجي ولحن مديد عطّر وجدان السودانيين لأكثر من نصف قرن بأغنيات لن يهزمها الدهر أبداً وإبداع باقٍ على مر الأيام.

قدراته العظيمة على إخراج اللحون من أعماق وعيه الباطن بحساسية مترفة في إبداع الأنغام، جعلت منه مطرباً شاملاً وباحثاً في التراث وشاعراً كذلك، لكن مجده العظيم الذي أُعطي له كان في تلك الألحان التي عاش بها مطرباً عظيماً وخاض بها تجريباً معززاً بالنجاحات في أطوار حياته المديدة، رحمه الله، إذ نشأ الفنان عبد الكريم الكابلي في بيت علم وأدب، فقد كان والده عبد العزيز الكابلي يترجم بعض مسرحيات شكسبير في عشرينيات القرن الماضي، ليتم أداؤها عبر التمثيل المسرحي في مدارس مدينة بورتسودان التي كانت مدينة واعدة بالحداثة والمعرفة.

وفي سياق بعث عظيم للأغنية السودانية الحديثة ابتدأ منذ نهاية أربعينيات القرن الماضي في عام 1960، خرج الفنان عبد الكريم الكابلي بأغنيته الشهيرة "آسيا وأفريقيا" للشاعر اليساري تاج السر حسن، التي أُعجب بها الرئيس المصري آنذاك جمال عبد الناصر أثناء زيارته إلى الخرطوم، إذ جسّدت الأغنية عبر لحنها الجميل تعبيراً عن نضال شعوب آسيا وأفريقيا للخروج من ربقة الاستعمار آنذاك.

 وفي السياق ذاته العظيم لحقبة مجد الأغنية السودانية، آنذاك، جايل الكابلي عمالقة الأغنية الحديثة من أمثال الموسيقار محمد وردي ومحمد الأمين، إلا أنه شق طريقاً فريداً في الغناء، بدأ به ملحناً لعدد من الأغنيات، لكنه ما لبث بعدما غنى "آسيا وأفريقيا" أمام عبد الناصر في المسرح، أن أصبح مطرباً له بصمته وطابعه الخاص في كتاب الأغنية السودانية.

كان الكابلي يمثل في أدائه الفني والغنائي العظيم، مزيجاً من الوعي والإلهام، ومن التراث والحداثة، ومن الثقافة والفن، إذ راهن في تجربته الغنائية المديدة على الاضطلاع بإبداع غناء راقٍ انطبع بحس ثقافي مرهف، ومواكبة لتجريب جسور في كافة التحديات اللحنية والإيقاعية التي ظل يعالج بها الكابلي مزاجاً سودانياً خاصاً للغناء، ويعزف عزفاً منفرداً في تخت العروبة والأفريقانية، الذي تعيّن عليه أن يستلهم عبره هوية أغنية الوسط السوداني، أغنية الوطن والذاكرة، أغنية الفضاء العام والحس المشترك للسودانيين بين لسان عربي وإيقاع أفريقي، فأبدع ألحاناً شجية.

فمن ناحية كونه باحثاً في التراث، استخرج عبد الكريم الكابلي للذاكرة الشعبية السودانية أغنيات قديمة من تراث الوسط السوداني، خاطب بها وجداناً محلياً لكثيرين وأعاد تعريفاً وطنياً لتراث وسط السودان وعمّمه بالأداء اللحني الجميل ضمن مركزية تلك الأغنية. ومن ناحية ثانية، مارس الكابلي تحدياً "سَوْدَنَ" به كلاسيكيات التراث الشعري العربي في معماره الغنائي بفرادة عكست المزاج الخاص لعربية السودان في استنطاق الكلاسيكيات الشعرية العربية بإيقاعات أفريقية نافست المقامات: مثل أغنيات لكبار شعراء التراث العربي أمثال أبي فراس الحمداني في أغنيته: "أراك عصي الدمع" والمتنبي في أغنية "مالنا كلنا جَوٍ يا رسول"، كما تصدى الكابلي لتلحين الشعر العربي الفصيح في سياق كان يبرر به ترفاً ثقافياً جديداً في الأغنية السودانية، فغنى أغنية: "شذى زهر ولا زهر" للشاعر والأديب المصري الشهير عباس محمود العقاد، كما غنى لأمير الشعراء أحمد شوقي.

أما التجريب الأكثر حداثةً في المسار الغنائي الفصيح للكابلي، فكان عندما تصدى لتلحين أغنيات لشعراء الحداثة الشعرية في السودان ضمن نمط التفعيلة الشعري، كالقصيدة الشهيرة للشاعر السوداني محمد الفيتوري "معزوفة لدرويش متجول" (القصيدة التي حملت اسم ديوانه)، وقصيدة "ليلة المولد" للشاعر السوداني محمد المهدي المجذوب، التي خاض بها الكابلي عالماً صوفياً من الغناء (امتزج بتجربة ذاتية له في ممارسة التصوف طرفاً من حياته). وكم كان الكابلي عميقاً وموفقاً في اللحن المركب الذي وضعه لقصيدة "ليلة المولد" وأبياتها الفلسفية الخائضة في بحور التصوف الفلسفي (كان الشاعر محمد المهدي المجذوب من أتباع المفكر الصوفي محمود محمد طه)، لا سيما في المقطع الذي يقول فيه الشاعر المجذوب: "ونَضَا عنْ فِتْنَةِ الحُسْنِ الحِجَابَا ومضَى يُخْرِجَه زِيَّاً فَزِيَّا".

وعلى مدى 60 عاماً، صاغ الكابلي وجداناً فنياً بديعاً لمزاج عام مترف في الطبقة الوسطى السودانية وسكان المدن، لكن في الوقت ذاته، منح الآخرين قدرةً على الارتقاء مع فنه من مداخل غنائية لعيون التراث الشعبي في السودان، وخاض في فضاء عريض من الألحان العظيمة والأعمال الخالدة عبر أغنيات أصبحت اليوم من عيون الغناء السوداني الحديث، أغنيات كـ"طائر الهوى"، "ضنين الوعد"، "في عز الليل"، "جمال تاجوج" والأخيرة استلهمها من تراث البجا بشرق السودان.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

جسّد الكابلي في أغنياته خيالاً جسوراً ذا تطريب عالٍ وقوة إيقاعية مفتونة بألحان مترفة جيدة السبك عميقة المعاني ومجيدة في ثراء مفرداتها وصفائها الشعري، عبر صوته الذي ظل صافياً منغماً وفخيماً يندر أن يجود الزمان بمثله.

إلى جانب اثنين آخرين، هما الموسيقار محمد وردي، رحمه الله، والموسيقار محمد الأمين، حفظه الله، كان الفنان عبد الكريم الكابلي هرماً ثالثاً في كون الثلاثة هم أكثر الفنانين الذين صاغوا وجدان السودانيين عبر أغنيات ظلت باستمرار هوية لفرادة الغناء السوداني، وظلوا محافظين على مكانتهم في قمة هرم الأغنية السودانية الحديثة. والمفارقة الغريبة أن الفنانين الثلاثة منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي (تزامناً مع انقلاب نظام البشير الإخواني عام 1989)، لم تصدر لهم أغنيات جديدة قرابة 30 عاماً - إلا في ما ندر -  كما لو كان توقفهم ذاك مؤشراً إلى علاقة الفن بأزمة الحرية!

عاش الكابلي، رحمه الله، زمناً صاخباً وعمراً مديداً ناهز الـ90 سنة ليبدع لنا إلى جانب فنه الغنائي العظيم، مساهمات أخرى في كتابة شعر بعض أغنياته، والتلحين لبعض كبار الفنانين السودانيين من مجايليه، إلى جانب التأليف الأكاديمي في مجال الموسيقى، كما كان سفيراً للأغنية السودانية في الخارج عبر إجادته اللغة الإنجليزية (فالكابلي عمل طرفاً من حياته مترجماً في المملكة العربية السعودية) وشرحه لبعض خصائص الغناء السوداني خلال الحفلات التي يحييها في الخارج.

واليوم ما أصدق المقطع الشعري في عنوان المقال الذي هو عبارة شعرية من قصيدة / أغنية "طائر الهوى" للشاعر محمد سعد دياب (التي غنّاها الكابلي ولحنها الموسيقار بشير عباس) على غياب الكابلي، ومن ثم الإيذان بغياب حالة مدنية للسودان توشك أن تغيب وتتلاشى عن حياة السودانيين التي استمر تجريفها 30 عاماً.

رحم الله الفنان الكبير عبد الكريم الكابلي، فقد كان فناناً مثقفاً وباحثاً فنياً مجيداً وملحناً عبقرياً، ترك بصمةً لا تزول في سجل الغناء السوداني الخالد، ومضى!

المزيد من آراء