Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

معركة "البطة شيماء" والمطرب "سوستة" في الشارع المصري

المجتمع يدخل في اشتباك اجتماعي وفني والإعلام يزيد الأزمة اشتعالا

نقيب المهن الموسيقية المصرية هاني شاكر  (أ ف ب)

أبت معركة "المهرجانات" أن تفسح القمة لغيرها من موضوعات النقاش أو نقاط الجدل بين ملايين المصريين ومعهم العرب للأسبوع الثالث على التوالي. فما كادت أزمة "أمير الغناء العربي" مع كل من "كزبرة، وحنجرة، وحمو بيكا، وسمارة، وشواحة، والعصابة"، وغيرهم تهدأ قليلاً، حتى عاودت النيران الاشتعال بتحول "خمور وحشيش" عمر كمال إلى "تمور وحليب" في "موسم الرياض"، التي ما إن خف ضجيجها بعض الشيء، حتى قفز يوسف سوستة وبطته شيماء إلى الصدارة، وكأن قدر المصريين البقاء في سجال أغاني المهرجانات والشد والجذب بين فريقين تكبد معاناة المنع وتحمل آثار المنح. لكن من رحم المعاناة تولد المنح، وليس هناك منحة أكبر من اكتشاف مشكلات مجتمعية كبرى ظلت تتنكر في صورة أمور تافهة وظواهر سطحية.

الأمير والمعركة

سطحياً، بدت معركة تخوضها نقابة المهن الموسيقية بزعامة النقيب الملقب بـ"أمير الغناء العربي" الفنان هاني شاكر ضد أغاني المهرجانات ومغنيها وكأنها خناقة بين زمن الطرب الأصيل وعصر الفن الرديء. لكن قرار شاكر منع عدد من أولئك المغنين من الغناء وسحب تصاريحهم السنوية للغناء قبل نحو ثلاثة أسابيع لم يسفر عن جدل بين مؤيد ممتن ومعارض غاضب فقط، بل كشف الستار عما يموج به المجتمع المصري من صراع ثقافي واجتماعي وفني بين قيم ومبادئ وأفكار أبعد وأعمق بكثير من جدلية الطرب الأصيل والغناء الوضيع.

وما كادت الحرب تضع أوزارها، لا سيما عقب احتدامها بتدخل غريب من قبل رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس ودفاعه عن المهرجانات ومغنيها وتأكيده استضافتهم في مهرجانه السينمائي المقبل في الجونة رغم أنف شاكر، الذي قال إنه لا يحب غناءه، حتى عاودت الاشتعال بظهور مجموعة من مغني المهرجانات في حفلات موسم الرياض وقيام المغني عمر كمال بتغيير الكلمتين اللتين أثارتا هوجة من الجدل والصخب قبل أشهر في مصر في "أيقونة" "بنت الجيران". وهو ما أثار غضب النقابة مجدداً.

تناحر الأيديولوجيات

مخزون الاحتقان المتراكم ومعهما زخم تناحر الأيديولوجيات ومراجعات الهوية والثقافة والانتماء عاودت تفجرها لكن هذه المرة بفعل "البطة شيماء". شاب بشعر "عرف الديك" وبنطلون بيجاما وتي شيرت مهلهلة يغني بصوت نشاز "شيماء شوشو شوشو" في فيديو كليب في الشارع محاطاً بكلاب ضالة، ويبدو أنه يبحث عن "شيماء" ويقول فيها مواويل ويبحث عنها تحت السيارات ويستجديها العودة بعدما ضيع عمره من أجلها ويحاول نسيانها بشرب زجاجة مياه غازية وهو مستلقٍ على الرصيف ومحاط بالقمامة ومستمر في حثه لها بالعودة "إرجعيلي وما تخافيش". وينتهي الكليب نهاية سعيدة، فبينما يتغنى المطرب واسمه يوسف سوستة بمآثر حبيبته المفقودة، تظهر شيماء فجأة ويهرع المحبوب إلى محبوبته التي يتضح أنها بطة.

شيماء البطة و"المطرب" سوستة أعادا تأجيج نيران أغاني المهرجانات وأثرها في الذوق العام ووجوب منعها أو السماح بها وعوامل رواجها وأسباب شيوعها وسبل مواجهتها أو تقويمها أو تركها على حالها. سوستة وبطته شيماء حققا ما يزيد على مليوني مشاهدة على "يوتيوب" وهو ما قفز به ومحاولاته المحدودة للغناء في منطقة "عين شمس" (شرق القاهرة) حيث يقيم وبضعة أفراح شعبية يغني فيها إلى عوالم الشهرة اللامحدودة وإمكانيات الواقع الافتراضي غير المحسوبة.

وبحسبما قال، "فإنه استيقظ ذات صباح ليجد نفسه وقد أصبح ترند". البعض يقول إن الفكاهة والجاذبية يصنعان الترند. آخرون يؤكدون أن ضحالة المحتوى مع فرقعة العناوين تضمنانه. وفريق ثالث يشير إلى أن الترند بفرقعته وملايينه زائلان، أما المحتوى وما يقدمه من قيمة فهو الباقي. وبعيداً عن جدلية الترند وكيف أصبح سوستة وبطته ترنداً، فقد فجر مئات غيره تنوعت على إيقاعه.

مئات الفيديوهات الساخرة تفتئت على كليب "شيماء" والمطرب يتم تحميلها على منصات التواصل الاجتماعي على مدار الساعة، منها ما يحصد آلاف المشاهدات، ومنها ما يحظى بآلاف الـ"شير" والـ"لايك". آخرون فضلوا ضرب عصفورين بحجر واحد حيث عملوا فيديوهات تنطلق من سوستة والبطة وتصب في السخرية من "أمير الغناء العربي" وحربه من أجل حماية الذوق العام عبر مطاردة المهرجانات ومغنيها. وما زالت الترندات تتفجر وتحصد المشاهدات وتتسبب في الإبقاء على جدلية المهرجانات والأخلاق مشتعلة.

ترند سوستة

اشتعال ترند سوستة وبطته مد يد الترند إلى العشرات من المنصات الإعلامية الورقية والإلكترونية والتلفزيونية التي هرولت للحصول على سبق استضافة سوستة واستعراض قصة حياته ومسيرته التي أدت به إلى شيماء البطة. ومع كل دقة زر بحثاً عن ترند "يوسف سوستة" تحقق هذه المنصات مكاسب إضافية. لكن المكسب الأكبر كان من نصيب المذيع شريف عامر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

فقد ظهر يوسف سوستة مع عامر وتحدث عن "مسيرته" الفنية وقصة شيماء، وصرح بأن المسألة لم تبدأ ببطة، بل بدأت بمعزة، وأنه بعد تفكير عميق ودراسة متأنية تقرر استبدالها. وقال "إن الهدف هو رسم البسمة على شفاه المشاهدين". لكنه كان قد صرح في لقاءات إعلامية أخرى عبر الهاتف بأنه يغني النوعية التي يبحث عنها الناس مشيراً إلى أن "الناس تغيرت منذ زمن".

تغير الناس منذ زمن هو مربط الفرس المتعارك عليه كلما تفجرت أزمة بين حزب نقابة المهن الموسيقية والمدافعين عن زمن الطرب الصيل وحماية الذوق العام بمنع ما يعكر صفوه أو صفوهم، وحزب الزمن يتغير، والناس تتغير وحماية الذوق العام لا تتحقق بالمنع، بل بطرح كل النوعيات وإتاحة كل الأدوات وترك الاختيار للناس وليس فرض الحماية المجتمعية عليهم.

حماية المجتمع

وعن "حماية المجتمع" يقول الكاتب وأستاذ العلوم السياسية عمرو الشوبكي، إن "هناك تصوراً سائداً لدى حكومات مصر المتعاقبة يقوم على فكرة حماية المجتمع، سواء مما تعتبره نظريات سياسة هدامة أو متطرفة أو من الأفكار المتعارضة مع قيم المجتمع وثوابته الدينية". ورأى "أن قرار منع مطربى المهرجانات يعكس جزءاً من هذا التفكير، إذ يتصور البعض أن مهمة الحكومة حماية المجتمع من التلوث السمعي والبصري، وأن صدور قرار فوقي بالمنع يعني بالضرورة اختفاء ظاهرة المهرجانات، وانتهاء هذا النوع من الغناء الهابط، وستتم حماية المجتمع من شرور أغانيهم، وعودته عن بكرة أبيه إلى الاستماع للفن الراقي والأصيل".

البعض من المؤمنين بنظرية حماية المجتمع من نفسه ومن مكامن "الهبوط" فيه يشن حرباً ضروساً على المذيع شريف عامر لاستضافته سوستة، معتبرين ذلك إما بحثاً غير منطقي عن الترند أو سقوطاً مدوياً لإعلامي تفرد بصفة الرصانة في زمن صعب.

المثير أن البعض، لا سيما من الشخصيات المشهورة، ممن شنوا انتقاداً شديداً ضد عامر نالهم من حظ الترند جانباً. ممثلون ورياضيون وكتاب شنوا تغريدات حادة على عامر، منهم من طالبه بالاعتذار ومنهم من ناشده العودة إلى سابق رصانته وتعقله حتى لا يلحق بمن سبقوه إلى عالم التردي الإعلامي بحثاً عن الترند.

والأكثر إثارة أن عامر لم ينجح فقط في الحفاظ على ترند استضافة سوستة صاحب شيماء البطة، بل صنع المزيد من النجاح عبر توسعة مجال الترند وتسخينه والإبقاء عليه ملتهباً متقداً.

غرد عامر كثيراً، ورد على كثير من الانتقادات والتغريدات الغاضبة الموجهة له. لم يغضب أو يفقد أعصابه، لكنه رفع راية "لا تراجع ولا استسلام ولا اعتذار بل انتظروا المزيد". لم يعتذر بل اعترض بهدوء على من يطالبه بذلك أو حتى يناشده مراجعة المسار.

التغريدة التي لخصت موقفه قال فيها، إن "مصر فيها 100 مليون، فيها كل حاجة، نفهم ونشوف ونقرر ونعالج بدون ترفع أو تجاهل لأننا لا نملك منعاً أو حظراً في عصر له أدوات جديدة لا أوراق اعتماد فيها. شخصية تتحول لعنوان في خلال ساعة وتختفي أو تستمر. كل المختلف معي له الحق في ذلك. أنا أيضاً لي حق الاختلاف معه. تحياتي وتقديري للجميع".

سجال الطبقات

لكن الجميع ما زال غارقاً في السجال المشتعل، وهو السجال الذي لا يعكس خلافاً بين محبي نوع من أنواع الفن وكارهين له، بقدر ما يعكس كشفاً لأغوار المجتمع المصري، وإزاحة للستار عن طبقة عمرية وشبابية واجتماعية ولدت ونشأت وترعرعت في غفلة من بقية الطبقات وباتت تنافسها عددياً، ومن ثم في فرض ثقافتها وبسط سطوتها، إضافة إلى خلافات وخلافات فكرية وثقافية حول الرأي والذوق والتوجه والسلوك العام، وهل على الحكومة والمؤسسات الرسمية والأهلية أن تلعب دوراً في التقويم والتهذيب والحماية أم توفر جهودها وإمكاناتها لتيسير ومساعدة مقدمي أنواع مختلفة من الفنون وإتاحتها للجميع عبر أسعار تذاكر معقولة وأماكن عرض عديدة، ولندع الأفضل يحظى بالفوز.

ولحين إعلان الفائز، يشير الواقع إلى أن هذه النوعية من الأغاني منتشرة بين شتى الفئات والطبقات، لا سيما من صغار السن. الأحياء الشعبية والعشوائية تنجب مطربي أغاني المهرجانات ومؤلفيها وملحنيها وأبناء بقية الأحياء يرقصون ويقفزون عليها في أفراحهم وليالي ملاحهم. كما يقبل على البحث عنها ومشاهدتها والتدقيق في كلماتها معجبون ومهتمون ومحبون ومعارضون وباحثون عن أسباب تجعل من البطة شيماء أو "بنت الجيران" أو "سنة سودة عليكم" أو غيرها ترنداً تصنعه ملايين ورزقاً يكسب ملايين وأغنية تخضع لشد وجذب ملايين.