Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

وقائع ما لم تذكره التحقيقات في جريمة اغتيال جون كينيدي

هل كانت تصفية الرئيس الأميركي انقلاباً نفذه المجمع الصناعي العسكري؟ وماذا قالت أرملته جاكلين للزعيم السوفياتي خروتشوف؟

الرئيس كينيدي وزوجته في سيارتهما بمدينة دالاس قبل لحظات من اغتياله (أ.ب)

"لماذا...؟" قال جاك روبي، الرجل اللغز، قاتل أوزوالد، لإيرل وارين، كبير قضاة الولايات المتحدة، "... مما يثير الأسف أنكم لم تستقبلوني في مقر لجنتكم قبل ستة أشهر مضت... لقد انقضت أسابيع، بل شهور كثيرة، قبل أن تفيدوا مما يسعني أن أقوله.. إن المعلومات التي لديَّ أخطر بمراحل من أن أستطيع التحدث عنها...". وأردف روبي قائلاً "لن تظفروا مني بأية معلومات ذات بال إذا لم تنقلوني إلى واشنطن... ويجب عليكم أن تنقلوني بسرعة لأن ذلك يهمكم أنتم أيضاً أيها الرئيس وارين... إن حياتي معرضة لخطر داهم هنا في دالاس... ولست أعني بذلك أنني أخشى أن يحكم عليَّ بالإعدام...".

بيد أن السرطان الذي ظهر فجأة، أودى بحياة روبي من دون أن يحاول إيرل وارين الظفر بما كان لديه من معلومات خطيرة.

كان جاك روبي هو قاتل لي أوزوالد، الرجل الذي اتهم بأنه قتل الرئيس الأميركي الخامس والثلاثين، جون فيتزجيرالد كينيدي، وقد كانت وفاته بداية مسيرة لضياع الحقيقة في مقتل كينيدي، أو على الأصح إخفائها حتى لا تعرف.

ثمانية وخمسون عاماً تمر هذه الأيام على اغتيال كينيدي، ولا يزال الأمر لغزاً ملفوفاً في أحجية ضمن سر كبير في قاع بئر عميقة، لا يعرف أحد من يملك خيوطه، لا سيما أن هناك من يتراجع في اللحظات الأخيرة عند الاقتراب من الإفراج عن الوثائق الأميركية المتعلقة بهذه الحادثة التي لا تزال تؤرق ضمير الأميركيين.

لماذا العودة من جديد هذه الأيام وفتح هذا الملف مرة أخرى، وهل من علاقة بين ما جرى لكينيدي والمجمع الصناعي العسكري الأميركي بنوع خاص، الأمر الذي يعيد تقليب أوراق طرح قضية الانقلاب العسكري الصامت الأميركي الذي جرى في ستينيات القرن الماضي؟

ترمب والإفراج عن وثائق الحادثة

في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2017، نشرت الإدارة الأميركية 2800 ملف سري بشأن حادثة اغتيال الرئيس الخامس والثلاثين، جون كينيدي، ويومها قال الرئيس ترمب إنه من حق الشعب الأميركي أن يكون على دراية تامة بكل ما يتعلق بهذا الحدث، الذي ظل مادة للعديد من التفسيرات التآمرية عبر التاريخ.

غير أن المثير وبعد ستة عقود من جريمة العصر، تم حجب بعض الوثائق بناء على طلب جهات حكومية لم يتم الإفصاح عن هويتها قبل أربع سنوات.

هل من فكرة ولو أولية عما ورد في الوثائق التي نشرت في عهد ترمب؟

على سبيل المثال لا الحصر، تكشف إحدى المذكرات عن أن مكتب التحقيقات الاتحادية حذر الشرطة في دالاس من أن المتهم بقتل كينيدي، لي هارفي أوزوالد، مهدد بالقتل.

كان رئيس المكتب في ذلك الوقت الرجل الأسطوري، جون إدغار هوفر، الذي قال "لقد أبلغنا في الحال رئيس الشرطة، وأكد لنا أن الشرطة ستؤمن الحماية الكافية لأزوالد، لكن ذلك لم يحدث".

وتروي مذكرة أخرى أن صحيفة "كمبريدج نيوز" المحلية في بريطانيا، تلقت اتصالاً هاتفياً من شخص لم يحدد هويته، تحدث عن "خبر مهم" في الولايات المتحدة، وذلك قبل ساعات من الاغتيال.

وفي وثائق أخرى نرى أن هناك من يحاول ربط اغتيال كينيدي بالاتحاد السوفياتي، إذ نجد مذكرة لوكالة المخابرات المركزية الأميركية، ترجح أن أوزوالد تحدث مع الاستخبارات الروسية (كيه جي بي) بسفارة روسيا في مكسيكو سيتي... وقد كان الضابط الذي تحدث معه أوزوالد يعمل بالقسم المسؤول عن التخريب والاغتيالات.

 بايدن يرجئ كشف ملفات الاغتيال

هل تخضع مسألة الكشف عن تلك الوثائق لمزاجية الرئيس الأميركي، أي رئيس؟

الأمر ليس كذلك على الإطلاق، إذ يقضي قانون أقره الكونغرس عام 1992 بالكشف عن جميع الملفات المتعلقة باغتيال كينيدي والواقعة في نحو خمسة ملايين صفحة، خلال 25 عاماً، أي في العام 2017.

على أن علامة الاستفهام المثيرة للجدل: هل استطاع ترمب أن ينشر كل الوثائق أم أن هناك من كبل يديه وحجب بعضها عن عموم الأميركيين؟

الشاهد أن نحو 90 في المئة من تلك الوثائق تم نشره، لكن عشرة في المئة التي تحمل غالباً معالم وملامح حقيقة ما جرى لم تنشر، فيما أفادت تقارير بأن وكالة الاستخبارات المركزية ومكتب التحقيقات الفيدالي ووزارة الخارجية ووكالات أخرى ضغطت في اللحظة الأخيرة على ترمب لإبقاء وثائق معينة قيد السرية.

ووفقاً لمسؤولين في البيت الأبيض، وافق ترمب على مضض على طلبات الوكالة بالإبقاء على بعض الملفات قيد السرية، وقال "ليس لديَّ أي خيار سوى أن أقبل بمدة مراجعة جديدة لبعض الوثائق، فذلك أسلم من أن أعرض أمننا القومي لمخاطر لا يمكن التراجع عنها".

هل يعني ذلك أن ما جرى نهار الثاني والعشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) 1963، أي اغتيال كينيدي برصاص بندقية أثناء مرور موكبه في مدينة دالاس، وكان يركب سيارة مكشوفة برفقة زوجته جاكلين وحاكم ولاية تكساس جون كونالي، سيظل سراً دفيناً إلى الأبد؟

الثابت أنه في أواخر شهر أكتوبر الماضي، خرج الرئيس بايدن على الأميركيين بنبأ إرجاء نشر وثائق سرية جديدة تتعلق باغتيال الرئيس الأميركي الأسبق جون كينيدي.

كتب بايدن في بيان يقول "إن الملفات المتبقية ستبقى محجوبة بالكامل"، حتى 15 ديسمبر (كانون الأول) من العام المقبل، أي إنها لن ترى النور قبل مرور 60 عاماً على الحادثة.

بيان البيت الأبيض وفي تبريره لهذا التأجيل، ألقى باللوم على فيروس كورونا الذي استدعى المزيد من الوقت بالنسبة إلى القائمين على الأرشيف الوطني، لغربلة وتنقية ما في تلك الوثائق.

بايدن من جهته فتح الباب لنقاش مطول وخطير، حين قال إن التأخير "ضروري للحماية من الضرر الذي قد يترتب على الدفاع العسكري أو العمليات الاستخبارية أو إنفاذ القانون أو تسيير العلاقات الخارجية" وإنه "يفوق المصلحة العامة في الكشف الفوري" عن الوثائق.

ما الذي يخشاه الرئيس الأميركي بايدن ومعه هذا الجيش العرمرم من المؤسسات الاستخبارية والسياسية، من نشر تلك الوثائق؟

هناك في واقع الأمر تناقض جوهري بين ما توصل له التحقيق الذي استمر عشرة أشهر وقاده رئيس المحكمة العليا في الولايات المتحدة الأميركية آنذاك، إيرل وارين، وتلك المخاوف التي تحيط بالوثائق.

وارين صاحب اللجنة الشهيرة في تاريخ القضاء الأميركي، وربما تكون أهم لجنة بالفعل في القرن العشرين أميركياً، كانت قد خلصت إلى أن لي هارفي أوزوالد، وهو جندي سابق في البحرية الأميركية كان يعيش في الاتحاد السوفياتي، تصرف بشكل منفرد عندما أطلق النار على موكب كينيدي.

لكن التحقيق واجه انتقادات لأنه غير مكتمل. وقد توصلت لجنة تابعة للكونغرس في وقت لاحق إلى أن كينيدي "ربما اغتيل نتيجة مؤامرة".

هل هناك إذن من يحاول إعاقة القانون الأميركي الذي يفرض كشف كل السجلات الحكومية المتعلقة بعملية الاغتيال، لتمكين الجمهور من الحصول على المعلومات كاملة؟

الحكومة الخفية وإخفاء الأدلة المصورة

 على بعد عام تقريباً من الحادثة الأليمة كتبت صحيفة "نيويورك هيرالد تربيون" في عددها الصادر في 18 ديسمبر العام 1964 تقول "إن كل الوثائق الخاصة باغتيال كينيدي ستحفظ في خزانة داخلية مزودة بأجهزة إنذار إلكترونية حساسة لحمايتها من الحريق والسرقة، ولن يعرف سر فتح الخزانة سوى شخصين أو ثلاثة أشخاص".

لكن ماذا عن محتويات تلك الوثائق؟

يبدو أن هناك من أراد فضح أبعاد المؤامرة فسرب للصحافة الأميركية وقتها معلومات عن صور فوتوغرافية، وأفلام سينمائية قصيرة صورها بعض الأشخاص، يمكن أن تؤكد براءة أوزوالد بالمرة، أو أنه ارتكب الجريمة بمشاركة آخرين في الداخل الأميركي.

من بين تلك الوثائق ما التقطه الأميركي روبرت هيوز، من صور بآلته السينمائية، ساعة ارتكاب الجريمة تظهر شبحين يطلان من نافذة تقع عند الركن الجنوبي الشرقي بالطابق السادس لمبنى مخزن الكتب الذي قيل إن أوزوالد أطلق الرصاص منه على كينيدي فأرداه قتيلاً.

السؤال المهم والخطير: لماذا لم تأخذ لجنة وارين هذه الصور في الاعتبار ولم تشر إليها إلا في الملحق الخاص بالتحقيق الذي أطلق عليه "الاحتمالات والشائعات"؟

المؤكد أن اللجنة لو كانت قد اعترفت بصحة كلام هيوز صاحب الصور، لكان معنى ذلك انهيار ما ساقته من قرائن وحجج على أن شخصاً واحداً أطلق الرصاص من تلك النافذة.

ولو أنها قالت إن شبحاً واحداً فقط ظهر في تلك الصورة، وأنه شبح أوزوالد بالذات، لاشتدت المطالبة بنشر الصورة، ولعجزت اللجنة عن رفض الطلب.

ومن ثم رأت اللجنة أن الوسيلة الوحيدة لتجنب مواجهة هذه المعضلة هي أن تؤكد أن الفيلم لا يتضمن أية صورة تمثل شخصاً مطلاً من النافذة.

وكان من الطبيعي، بعد ذلك، أن تذكر اللجنة أن خبراء مكتب التحقيق الفيدرالي وخبراء البحرية فحصوا الفيلم، وأن المكتب وضع عنه تقريراً مفصلاً أكد فيه أنه لا يتضمن أية صور تمثل شبحاً مطلاً من النافذة.

هنا يثور تساؤل أشد وقعاً: كيف إذن استطاع أوزوالد أن يطلق الرصاص من تلك النافذة على موكب كينيدي، ما دام لم يكن واقفاً خلفها؟

لم تحاول اللجنة الإجابة عن هذا السؤال.

هل كان جاك روبي، قاتل أوزوالد حاضراً في موقع الجريمة وقت اغتيال كينيدي؟

الجواب عند فيليب ويليس، وهو "ميجور متقاعد في سلاح الطيران الأميركي"، الذي التقط اثنتي عشرة صورة من أماكن مختلفة في ميدان ديلي، قبيل اغتيال كينيدي.

تحدث ويليس في 17 نوفمبر العام 1964 إلى محقق يعمل لحساب لجنة تحقيق خاصة أطلقت على نفسها "لجنة المواطنين للتحقيق"، وذكر أنه في الصورة الثامنة ظهر جاك روبي واقفاً في موقع الجريمة بعد انطلاق الرصاصات ببضع دقائق. وقال حرفياً "إن الشخص الظاهر في الصورة يشبه روبي إلى حد كبير، وعندما وقع بصري عليه في قاعة المحكمة قلت لنفسي: يا إلهي... إنه هو".

الكارثة الحقيقية هي أن لجنة وارين نشرت الصور الاثنتي عشرة التي قدمها ويليس، لكن المفاجأة حدثت في تغيير الصورة الثامنة بحيث لا يظهر جاك روبي فيها.

يطول المجال حول الأدلة والقرائن التي تؤكد حتمية وجود أطراف أخرى في عملية اغتيال كينيدي، ومن هنا يمكن التساؤل: من يخشى الكشف عن أبعاد ما جرى، وفي الوقت نفسه من له من القدرة والمنعة، ومن النفوذ والسطوة في الداخل الأميركي لأن يضع العصا في دواليب الإفراج عن كل وثائق اغتيال كينيدي؟

المجمع الصناعي العسكري وتحذيرات أيزنهاور

في السابع عشر من يناير (كانون الثاني) من عام 1961 ألقى الرئيس الأميركي المنتهية ولايته الثانية، دوايت أيزنهاور، ما عرف بخطاب الوداع المتلفز من مكتبه الرسمي في البيت الأبيض، وبطريقة لا تنسى.

في ذلك الخطاب حذر الرئيس الجنرال الذي قاد بلاده إلى النصر في الحرب العالمية الثانية، من أن تتحول "الصناعة العسكرية المعقدة"، في بلده إلى قوة عنيفة.

لم يكن الأمر وقتها كما هو الآن، ومع ذلك أثار أيزنهاور المخاوف من تلك المؤسسة التي تقوم على صناعة عسكرية هائلة، وباتت تمتلك اقتصاداً قائماً بذاته، ونفوذاً يتعدى الخطوط التي تسمح بها التجربة الديمقراطية الأميركية.

كانت تحذيرات الجد "أيك" من أن ذلك المجمع أضحى كالأخطبوط الذي له أذرع في كل مدينة وكل مبنى تشريعي وكل مكتب عائد إلى الحكومة، الأمر الذي وصفه أيزنهاور بأنه قد يؤدي إلى كارثة تنبع من بروز قوة في غير محلها.

في العشرين في يناير 1961 سلم أيزنهاور أعباء الحكم لخلفه السيناتور الديمقراطي الشاب والرئيس المنتخب جون ف. كينيدي، الذي تفوق على منافسه الجمهوري ريتشارد نيكسون بفارق ضئيل في انتخابات نوفمبر 1960.

كتب أيزنهاور لدى تقاعده يقول "لقد تُقت إلى تقديم سلام دائم للعالم"، واستكمل حزيناً "إلا أنني أسهمت في الوصول إلى حائط مسدود فقط".

هل كانت العبارة الأخيرة لأيزنهاور الشفرة السرية التي أراد من ورائها الإشارة إلى أن عالم السياسة في الداخل قد بات مختطفاً من قبل العسكريين ومجمعهم، والاستخباراتيين ومن لفَّ لفهم، وأصحاب المصالح المرتبطة بما يعرف بالمثلث الطاغي بأضلاعه المكونة من المدنيين الذين يملكون ويديرون المصانع الحربية التي تنتج السلاح، وجنرالات البنتاغون الذين يقودون المعارك العسكرية خارج حدود الولايات المتحدة، والضلع الأخير يتمثل في أعضاء الكونغرس بغرفتيه العليا مجلس الشيوخ، والدنيا مجلس النواب، أولئك الذين يقدمون مشروعات القوانين، ويدعمون توجهات الحرب أو يعززون أحوال السلم؟

سلام كينيدي الدولي... كارثة للعسكرة الأميركية

يصف الكاتب البريطاني الشهير، السير نايجل هاملتون، في كتابه الموسوعي "القياصرة الأميركيون"، خطاب كينيدي يوم التنصيب، الذي كتبه له مساعده تيد سورينسن، بأنه كان الأفضل من نوعه في تاريخ البلاد برمتها، ففيه أعلن كينيدي بصوته الواثق والرجولي ما يمكننا أن نطلق عليه "خطاباً تصالحياً وتسامحياً"، يليق بأمة عظيمة وكبرى ذات رسالة إنسانية تتسق ورؤية الرئيس ودرو ويلسون، ومبادئه.

يومها قال كينيدي "فليسمع الأصدقاء والأعداء على السواء الكلام الذي أقوله من علياء هذا المنبر وفي هذا الوقت، إن الشعلة انتقلت إلى جيل أميركي جديد، وُلِدَ في هذا العصر واستقى دروساً صعبة من خلال الحرب وتعلَّمَ الانضباط من السلام المُرّ الذي أحله بصعوبة".

لقد وصف كينيدي ذاك الجيل بأنه "جيل فخور بميراثنا العتيق وغير مستعد للشهادة على سقوط حقوق الإنسان تدريجياً أو السماح به. وهي التي لطالما التزمها البلد والتي نلتزمها اليوم على النطاقين المحلي والعالمي".

كان خطاب كينيدي "مانيفستو" لرئاسة في عمق الحرب الباردة، ومع ذلك لم يعمد إلى اللغة الخشبية، لغة التهديد والوعيد، والإنذار والتحذير، بل استخدم لساناً حكيماً حين قال "لتعرف كل أمة، أكانت تتمنى لنا الخير أم الشر، أننا مستعدون لدفع أي ثمن وتحمُّل أي عبء ومواجهة أي مصاعب ودعم أي صديق والتصدي لأي عدو بغية ضمان استمرارية الحرية ونجاحها".

في ذلك النهار، كانت المرة الأولى التي ينقل فيها خطاب تنصيب الرئيس الأميركي على التلفزة العالمية، ليراه العالم برُمَّته، وقد التفتت إليه الأنظار من قارات الأرض الست، إذ وجدوا فيه قائداً جديداً على رأس الإمبراطورية الأميركية.

بعد بضعة أسابيع من خطاب التنصيب، وفي آذار (مارس) 1961 حقَّق كينيدي أول إنجاز لإدارته الجديدة، وهو تأسيس "فرق السلام"، البرنامج التطوعي لإرسال الشباب الأميركي إلى الخارج لمساعدة بلدان العالم الثالث خصوصاً، وبذلك استفاد الرئيس الجديد من الحس المثالي الذي كان يتمتع به الجيل الأميركي الشاب في ذلك الوقت.

جسدت فرق السلام أفضل عنصر وأكثره إلهاماً في شخصية الرئيس الجديد في واشنطن، بحيث غَدَا البيت الأبيض بسرعة من خلال أعضائه الجدد "الأفضل والألمع"، على غرار وزير الدفاع روبرت ماكنمارا الرئيس السابق لشركة سيارات فورد، ومستشار الأمن القومي ماك جورج بوندي، العميد السابق والأصغر في التاريخ لجامعة هارفارد.

كان خطاب كينيدي مرحباً به وسط شباب الأمة الأميركية، لكن جماعة المثلث السابق الإشارة إليه، نزل عليها الحديث نزولاً كارثياً، فقد كان يعني ومن غير تهوين أو تهويل، وقف ماكينات الحرب، وتهيئة الأجواء لإنهاء الحرب الباردة مع الاتحاد السوفياتي، عطفاً على إيقاف حروب أميركا الخارجية ومغامراتها العسكرية.

ولعل أزمة صواريخ كوبا التي حدثت في عهد كينيدي لو كانت قد جرت بها المقادير في زمن رئيس آخر من عينة رونالد ريغان، أو جورج بوش الابن، وصولاً إلى دونالد ترمب، لكانت قد تحولت إلى حرب عالمية نووية.

غير أن كينيدي وبمساعدة من شقيقه الأصغر روبرت المدعي العام في رئاسته تمكن من اجتياز الاختبار لصالح السلم العالمي، وعليه يفهم المرء أي طريق مسدود وصله كينيدي سريعاً جداً... إنه الطريق نفسه الذي حذر منه أيزنهاور في رسالته الوداعية للأمة الأميركية... هل من أحد يعلم ما جرى من شأن اغتيال كينيدي على وجه الدقة؟

أسرة كينيدي هل كانت تعرف سراً؟

في العام الأول لحدوث كارثة اغتيال كينيدي، سرت في الداخل الأميركي تساؤلات عن وجود سر يتصل بالجريمة تؤثر أسرة كينيدي أن تتكتم عليه ليظل دفيناً، حتى يحين الوقت المناسب لإماطة اللثام عنه؟

كان التساؤل هل يعرف روبرت كينيدي حقائق خطيرة عن ظروف جريمة مقتل أخيه، وهل كان يفضل ألا يذيعها إلا يوم يقرر ترشيح نفسه في مؤتمر الحزب الديمقراطي لرئاسة الولايات المتحدة منافساً للرئيس جونسون الذي كان متلهفاً على إرث كينيدي الرئاسي بحسب الدستور، إذا قرر ترشيح نفسه؟

ثم لماذا لاذت جاكلين كينيدي بالصمت حتى وفاتها؟ بل أكثر من ذلك أنها كانت تطارد كل كاتب أو صحافي حاول تقديم رؤية موضوعية عن اغتيال زوجها، لا سيما الكاتب الأميركي وليام مانشستر، الذي قدم أهم مؤلَّف حتى الساعة حول الاغتيال والمعنون "موت رئيس".

شيء ما جرت به التدابير الأميركية الخفية، فقد تم اغتيال روبرت الأخ الواعد لكينيدي، الذي كان قاب قوسين أو أدنى من تحطيم جونسون، ولا تزال عملية اغتيال روبرت غامضة، حتى إن الشاب العربي الأصل، بشارة سرحان، الذي أدين بالقتل، تجمع آراء كثيرة على أن تلاعباً عقلياً حدث له، وتم دفعه إلى ارتكاب الحادثة المشؤومة وهو مغيب الوعي وإن كان مفتوح العينين، ما يعني وقوعه تحت تأثير تجارب استخبارية أميركية وهذا حديث آخر.

لم يتبق سوى الأخ الأصغر إدوارد كينيدي، الذي تم القضاء مبكراً على مستقبله السياسي، ولم يجد بداً من الصمت في نهاية الأمر.

هل أبلغ السوفيات أنفسهم أسرة كينيدي بأسرار ما جرى حقاً؟

ما يدفعنا إلى هذا الحديث الذي يمكن أن يعد نوعاً من الهلوسات، أنه في الأول من ديسمبر من عام 1963، أي بعد وفاة زوجها بأيام قليلة، كتبت جاكلين خطاباً إلى نيكيتا خروشوف، سكرتير الحزب الشيوعي، لم يسبق نشره من قبل جاء فيه:

"البيت الأبيض – واشنطن

عزيزي سيادة الرئيس

أود أن أعرب لك عن شكري لإيفاد مستر ميكويان نائباً عنك في جنازة زوجي.

لقد كان بادي الحزن حين سار في الجنازة... وقد تأثرت بذلك كل التأثر".

ثم تقول جاكلين في خطابها لخروشوف:

"إني إنما أبعث هذه الكلمات لأني أعرف مقدار ما كان زوجي يوليه من اهتمام شديد بالسلام، وكيف أن العلاقة بينك وبينه كانت مركزة في ذهنه بهذا الاهتمام... فقد كان يقتبس في بعض خطبه كلماتك التي تقول فيها: (وفي الحرب القادمة فإن من سينجون منها سيحسدون من ماتوا فيها)".

هل تعني تلك الكلمات أن جاكلين كينيدي لم يكن لديها أي شك لجهة قيام السوفيات باغتيال زوجها؟

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

السوفيات: اليمين الأميركي اغتال كينيدي

كان مثيرًا إلى حد الدهشة أن تكشف بعض الوثائق التي أفرج عنها من الأرشيف الوطني قبل أربع سنوات، عن أن السلطات السوفياتية سلمت البيت الأبيض بعض الوثائق حول لي هارفي أوزوالد، وذلك بعد إعلان السلطات الأميركية اتهامه باغتيال الرئيس كينيدي.

المعلومات تضمنها تقرير أرسله مدير مكتب المباحث الاتحادية، إدغار هوفر، في 2 ديسمبر 1966، إلى مارفن واتسون، المساعد الخاص للرئيس الأميركي ليندون جونسون، الذي كان في الواقع رئيس جهاز الموظفين في البيت الأبيض.

يقول هوفر الذي أسَّس مكتب التحقيقات الفيدرالي في عام 1935 وبقي مديره حتى وفاته في 1972 "تفيد مصادرنا بأن شخصيات مسؤولة في الحزب الشيوعي السوفياتي ترى أن (اليمين المتطرف) في الولايات المتحدة قد نظم مؤامرته تنظيماً جيداً لارتكاب (انقلاب). ويبدو أنهم مقتنعون بأن جريمة القتل ليست عمل شخص واحد فقط، بل نتيجة لحملة مخططة بعناية، لعب الدور فيها عدة أشخاص. وترى الشخصيات القيادية السوفياتية أن هذه العناصر معنية في استخدام جريمة القتل للعب على أوتار المزاج المعادي للشيوعية في الولايات المتحدة بهدف إجهاض المباحثات مع الاتحاد السوفياتي ومهاجمة كوبا ونشر الحرب بشكل أوسع فيما بعد".

هل هذه هي حقيقة مشهد اغتيال كينيدي؟ أكان الأمر برمته انقلاباً عسكرياً على أعلى مستوى؟ وهل هذا ما يخشى من كشفه وإعلان دقائقه على الشعب الأميركي، والخوف مما يمكن أن يولده من ردات فعل داخلية، وتبعات واستحقاقات تتصل بالسياسة الخارجية الأميركية؟

ما تقدم غيض من فيض، وتبقى الخلاصة "إن ما يقال اليوم همساً في المخادع، سينادى به غداً من فوق السطوح".