Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تراجيديا العبوديّة في نصّ "آزاد" للعُمانيّة آمنة الرّبيع

مسرحية تستعيد جزءاً من تاريخ النضال الإنساني ضد استعمارالغرباء

لوحة تمثل العبودية التاريخية (متحف العبودية)

سؤال الحريّة والعبوديّة، الأسياد والعبيد، ومَن بينهم، سؤال يحتوي على صور وأشكال من العبوديّة خارج التصور المألوفة: السيّدة الكبيرة وعلاقتها بمملوكيها، تسريحها عبيدَها ومنحهم صكّ الحريّة... هذه بعض أسئلة النصّ المسرحيّ "آزاد" (دار الفرقد 2021) للكاتبة والناقدة العمانية آمنة الربيع المعروفة بنصوصها ونشاطها المسرحيّ على المستوى العربي. آزاد الطفل الذي يضيع بين والده ياقوت ووالدته المملوكة عُسر، المتمرّدة الراغبة في التحرّر حتى على حساب فقدان زواجها وابنها، لكنّها تتلقّى صدمة فقدان ابنها "آزاد" في أتون الحرب في ظُفار.

"آزاد"، إذاً نصّ مسرحي جديد، نص درامي قوي محبوك ومعمّق بفكرة الحرية ومقاومة الظلم والاضطهاد، وفكرة الصراعات بين قوى الخير وقوى الشرّ. الخير المتمثّل في العبد ياقوت، والمملوكة عُسر التي ستصبح زوجته بعد أن يملك صكّ حريته، ويصبح ثريّاً، لكنّه ينشغل عنها بتجارته، وعلى الأهمّ انشغاله بتحرير المملوكات، من دون الانتباه لتحريرها، ما يدفعها للتمرّد رغبةً في التحرّر.

الزّمان والمكان والشخوص

يتشكّل النصّ من اثنَي عشرَ مشهداً - لوحة، يجري بعضُها في فضاء مفتوح زمنيّاً، وبعضها الآخر محصور مكانيّاً، ومتعدد اللغات (اللهجات - الألسِنة والنبْرات)، ما بين العربيّة الفصيحة والمحكيّة والجبليّة - الجبالية المستخدمة في ظُفار، ويتحرّك الشخوص ما بين زمن العبوديّة وزمن الحرب، متداخلة مع حالة ولحظات، واضحة وغامضة وملتبسة من الفَوضى والضّياع، تُنهي بها الكاتبة لوحاتها، ليبرز السّؤال عمّن يقف وراء مقتل آزاد أو اختفائه؟

تُفتتحُ الستارةُ على المشهد الأول حيث ياقوت في زنزانة يؤدّي الصّلاة، مترافقاً مع أصوات لخطوات اثنين من العسكر، مع أصوات سلاسل، فيظهر العسكريّان ثاني ومَكيل، ثاني الذي يريد اصطحاب ياقوت للمثول أمام الرائد (البريطاني) أرميتاغ - مدير المركز الأمنيّ، ومَكيل صديق ياقوت الذي يعترض على الأمر، بحجّة أنّ ياقوت يؤدي الصلاة. ويبالغ ياقوت في إطالة أمد الصلاة، فهو يقدّر ما سيحدث له بعد لقاء الرائد أرميتاغ من عقوبة بالجَلد، وهو ما يحدث فعلاً إذ يتعرّض للجَلد بيَدَي صديقه مَكيل. يدخل ياقوت - عبر تقنية الاسترجاع - في استعادة لحظات مضتْ، وننتقل معه ومع الآخرين إلى حلبة مصارعة حيث يصارع عسكريّاً أعلى رتبة منه، ويهزمه، الأمر الذي يجعله يستحقّ العقوبة، فيتلقّاها وهو يُنشد شعر عنترة العبسيّ: "إذا كان دمعي شاهدي كيف أجحدُ/ ونارُ اشتياقي في الحشا تتوقّدُ".

ثم نعود إلى الزنزانة حيث مَكيل يداوي جراح ياقوت الذي يقول "أنا جنّي"، ويريد من مكيل تهريبه مع شاحنة الطين والطابوق إلى الجبل، أو أن يقابل الرائد، ولكن بلا فائدة.

وما بين "تداعيات" ياقوت والعودة إلى الوراء، والمؤثرات الصوتية لفرقة شعبية، يتكشّف ياقوت عن يتيم الأبوَين، تربى عند أسياده فقيراً متنقّلاً... قبل أن تحرّره السيدة الكبيرة، كبيرة البيت، وترسله للعمل في البحر، فيشتري لحبيبته "عسل" الهدايا، ملابس للشتاء، وذهب يرسلها مرفقة برسالة عشق، ويبحث عن عمل بصعوبة، ويعمل في البحر حارساً، ويقاتل الأسدَ ويقتله، وتتحسّن أحواله في التجارة، لكن الحبيبة تزوجت من غيره لأن فرحان، الذي يُكنّ له العِداء، يغيّر رسالته لحبيبته ويجعل الخطاط يعكس المضمون ويخبرها أنه تراجع عن زواجه منها. فيضطرّ للزواج من فتاةٍ لا يدوم زواجه معها، ما يجعله يقبل الزواج من إحدى مملوكات سيّدته السابقة (المملوكة عُسْر).

تراجيديا وتشويق

وبقدْرٍ من التشويق، والحركات والمشاهد الدراميّة، تتواصل حكايات العبيد وصراعهم مع الأسياد، جنباً إلى جنب الصراع ضد المُستعمِر الإنجليزيّ الذي لا تزال يدُه هي العُليا. في مجتمع محكوم بظروف صعبة على غير صعيد، في عاداته وتقاليده ومعيشته، ظروف يتلقّاها القارئ (المُشاهد المُفترَض) بتفاصيل تتقن الكاتبة تحويلها إلى لوحات تعانق التراجيديا الإنسانيّة، إذ تسلّط الأضواء على معاناة العبيد وعذاباتهم، ذكوراً وإناثاً.

لكنّ النصّ يركّز الأضواء على عذابات الأنثى في ظل صور من العبودية؛ مثل "التسرّي" بالمملوكات، كما نفهم من تداعيات المملوكة عُسر وهي مقبلة على الزّواج، ثمّ زوجة كارهة لإنجاب أنثى ستكون من "السرائر"، في مشهد عميق يعبّر عن معاناتها وهي تتحدث عن والدتها الفتاة القادمة مع سفينة عبيد من الهند إلى شواطئ مرباط العمانية، وأصبحت سريرة من سرائر آل المطهوف تسرّى بها السيد الكبير فأنجبت بنتاً أولى ماتت، ثم تقول "أنجبتني ومرِضَت حتى الموت" وترقص عُسر رقصة الدان (الموت) نادبة وترثي حظَّها منشِدةً "يا أمي متِّ قبل ما ترضعيني..، إني غريبة ومملوكة والحظ ما ينباع ببلاش/ خايفة لأحبَل من الزوج ببنت/ يجي عليها يوم يسرّي بها ابنُ السيد/ أو يبيعونها كما بيع الكباش".

ومن بين عذابات "عُسر" افتقادها لأهلها المُتبقّين في الهند، وتشوّقها للقائهم، الأمر الذي يرفضه ياقوت بعد أن أصبحَ تاجراً ثريّاً، ويحتدّ بلهجته المحكيّة، فبعد مشهد لها "في السوق" مع عجوز (كأنّها ساحرة، أو تعمل في التهريب)، ووسط أصوات باعة السمك والنارجيل واللوز... تطلب من ياقوت بإلحاح أن تسافر إلى بومبي للبحث عن أهلها فيرفض مخاطباً إياها بالمَثَل الشعبيّ "يا عُسر، ابعدي بقرتك عن ثَوري أحسن..."، ثم بمحاولة للتفاهم يخاطبها "هذا أنا أرضَعتني كل حريم الجبل، لا أمّ ولا أبّ ولا أخت، لكن كل البلد أهلي، وأنا أهلك ووطنك"، لكنّ عسر تقرر التمرد والسفر لأنّ "ياقوت مشغول بتجارته وبتمرّد الجبل وتحرير المملوكات بمالِه..."، ويُختتم المشهد مع إظلام كامل.

ما بعد التحرر

ولكن، ما الذي يحدث حين يتحرّر الرجل من العبودية؟ وخصوصاً حين يغدو، فجأة، تاجراً وثريّاً؟ هذا ما نراه في مشهد "الصكّ"، حيث ثمّة رجال يتناقشون حول أسلوب التعامل مع ياقوت الذي صار "معه فلوس"، ويدخل عليهم ياقوت في هيأة التاجر، فيسخر منه أحدهم "والله وشبعت يا ياقوت ولبست الخنجر والبشت" (كبر رأسُك وتطاولتَ)، دليل العزّ، لكنّه يواجه السخرية بالجِدّيّة، فيدفع، بكبرياء وأنَفة، ثمن الصكوك التي يريدها منهم، ويرقص بالخنجر رقصة المنتصر باستخدام فن "البرعة"، وهو واحد من الفنون الشعبيّة التي تستخدمها الكاتبة لتعميق الشعور الشعبيّ في النصّ- العرض الذي تقترح له الكثير من التفاصيل والإيقاعات، مثل طبول رقصة فن "الشرح" للفرقة الشعبيّة (وهو فن تقليدي في ظفار للرجال فقط).

وهُنا يجدر طرح سؤال أساسيّ من أسئلة كثيرة يطرحها النصّ- العرض: هل كلّ من يتحرّر من عبوديّته يصبح سيّداً... ينسى رفاقَه العبيد والمملوكين، حتّى زوجته المملوكة (عُسر)؟ وأي رابطٍ يجمع بين الحديث عن الثورة والتمرّد وبين أحاديث تمرّد العبيد، في لقطة حوارية أو في تداعيات للممثّلين؟ ففي أثناء الحوار بين عسر وياقوت عن الثوار والهاربين في الجبل، وعن كساد التجارة، تشكو له عسر من نظرته إليها وثانويتها عنده واستمرار حبه لحبيبته الأولى "عسل"، ثم حديث عن تهريب العبيد و"الناس ضاقت من العبودية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولعلّ ممّا يشدّ قارئ هذا النصّ، من بين شخصيّاته الرئيسة، شخصيّة سيّدة البيت الكبير المتعاطفة مع عبيدها، واختلافها مع شقيقها في هذا الجانب الإنسانيّ، ففي مشهد شديد الأهميّة تُعنى الكاتبة بإبراز الجانب الإنسانيّ "لبعض" الأسياد، حيث "سيّدة البيت" تريد وتقرّر حالة من الزهد، فتجمع أنواعاً من الجواهر والقماش وتعطيها لعسر، ثم تبكي، ربّما لأنّها لا تملك أمر تحرير مملوكتها، لكنّ شقيقها يُخالف وصيّتها. فهي كانت "رأت"، ربّما في ما يرى النائم- الحالم، رؤية تُروى بكلامها ومن ذهن ياقوت "البيت ينهار، الأخ بشته في الريح، عمامته يتقاذفها السوقة والدهماء كالكرة.."، فتكون الحرب ضد العبودية.

المشهد الثاني عشر- الأخير بعنوان "سند تملُّك"، يظهر آزاد في عُمر الشباب، في عباءة أمّه، العباءة شاشة بيضاء عليها كلام "سند تملُّك"، نقرأ "اسم البائع وتابعيّته، المشتري وتابعيّته، نوع المُلك المُباع: مملوكة، قيمة الملك المعقود عليها البيع: خمسمئة ريال، الإقرار: حضر لدينا... وأخوها... وباعا من ذُكِروا أعلاه خادمتهم المملوكة لهم لـ... بخمسمئة قرش نقد البلد مسلَّمةً بيد البائعين المذكورين، بيع البَتر والقطع، لا وعد فيه ولا شرط. كتبه... وشهد على ذلك..."، ثمّ يظهر آزاد وهو يتكلم "أنا آزاد بن ياقوت وأمّي المملوكة عُسر، وهذه قضيّتي..."، ثمّ كلمة "النهاية". فالنصّ كلّه استرجاع من "ذاكرة" آزاد، ما يعني أنّه من تأليفه!

المزيد من ثقافة