Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

من يذكر أمير كوستوريتسا المتجوّل في القاهرة رئيسا لمحكّمي مهرجانها؟

المخرج البوسني/ اليوغوسلافي بدأ رحلة السبات بعدما حصد أرفع الجوائز

المخرج السينمائي البوسني أمير كوستوريتسا (أ.ف.ب)

أمير كوستوريتسا، المخرج السينمائي البوسني الذي ظل يصر حتى سنوات قليلة على القول إنه يوغوسلافي غير معترف بما حدث في البلقان طولاً وعرضاً، أمضى الأيام الأخيرة في القاهرة متجولاً في أحيائها وأزقتها. لكنه لم يكن في القاهرة سائحاً وإنما في مهمة محددة: فهو هنا رئيس للجنة تحكيم المسابقة الرسمية لمهرجانها السينمائي الدولي. وكان من الواضح أن تلك المهمة بعثت لديه سروراً غير محدود كشفت عنه ابتسامته المشعة ونظراته المندهشة إزاء كل ما يراه، ناهيك بتيقنه من أن الناس الذين ينظرون إليه مبتسمين مرحبين، كانوا بذلك يعبرون عن تقديرهم لفنه وحبهم لسينماه. وربما لم يكن هذا صحيحاً فما يلفت من يرونه في حديقة الفندق أو على الطرقات كان وسامته التي لا تضاهى والاستغراب البادي في نظراته، ولطفه المستجد الذي لم يكن معروفاً عنه قبل ربع قرن وأكثر حين كان النجم الساطع للمهرجانات العالمية التي منحته جوائز قلّ أن منحت لفرد من السينمائيين.

جزء من الماضي الجميل؟

والحقيقة أن هذا بات من الماضي، بحيث أن أهل المهرجان القاهري هم الوحيدون الذين تعرفوا على كوستوريتسا حقاً واستذكر البعض منهم تاريخه السينمائي الكبير وحتى من دون أن ينتبهوا أنه لا يزال متابعاً مساره كمخرج كما كان يفعل منذ عام 1985 حين أدهش العالم بفيلمه الكبير الثاني الذي سيصبح من أشهر أعماله "بابا في رحلة عمل" الفيلم الذي أعطاه أول سعفة ذهبية نالها من مهرجان "كان" الذي سيعطيه بعد سنوات سعفة ذهبية أخرى عن تحفته الأخرى "أندرغراوند" (1995) في وقت راحت المهرجانات الكبرى بما فيها "كان" مرة أخرى وإن بجوائز للإخراج وغيره، تتبارى ليس فقط في عرض أفلامه بل في منحه جوائزها الكبرى عن كل فيلم تعرضه له: دب فضي من "برلين" وأفضل مخرج من "كان" على خطى البندقية الذي كان قد منحه جائزة الفيلم الأول قبل الجميع منذ عام 1981 عن "هل تتذكر بيبي دول" واللائحة تطول.

موسيقى لجمهور لبناني

ولئن كانت زيارة القاهرة واحدة من أولى زيارات كوستوريتسا العملية إلى بلد عربي، فهو كان زار لبنان قبل دزينة من الأعوام ولكن، ليس بوصفه سينمائياً بل بوصفه قائد أوركسترا وعازفاً امتع جمهوره اللبناني بعزف توليفة من موسيقى أفلامه، فتمكن من التوكيد على تعدد مواهبه كما سيفعل لاحقاً من خلال تحقيقه فيلمه عن لاعب الكرة مارادونا ما كشف عن كونه "رياضياً مفوهاً" أيضاً. ولقد كانت الزيارة اللبنانية نوعاً من الكشف كذلك عن أهمية الدور الذي تلعبه الموسيقى في أفلامه الكبرى مثل "أندر غراوند" و"قط أسود قط أبيض" و"زمن الغجر"، ولكن أكثر من هذا كله في ذلك الفيلم الروائي الذي كان آخر ما حققه في مرحلة انتشار سمعته كسينمائي كبير (2009)، أي "عدني"، الذي حين عرض في مهرجان "كان" لم يثر إعجاباً كبيراً، لكنه في المقابل أدهش المتفرجين إذ جعل الانسياب الموسيقي يرافق مشاهد الفيلم من أوله إلى آخره، من دون هوادة. لقد بدا واضحاً إن مَوْسقة هذا الفيلم هي ما كان يهم كوستوريتسا، أكثر من الأحداث والشخصيات. بيد أن هذه الرسالة لم تصل، بل تعامل النقاد وجزء كبير من المتفرجين مع "عدني" كفيلم روائي سردي، فوجدوا أن روائيّته غير مقنعة، وأنه يبدو – بالنسبة إليهم على الأقل – أشبه بشذرات من أفلام سابقة لكوستوريتسا نفسه.

بداية انحدار ونسيان

ولكن لماذا نقول "آخر فيلم روائي"؟ ببساطة لأن كوستوريتسا بعدما عرض "عدني" تالياً لواحد من أفلامه المتوسطة "الحياة معجزة"، جاعلاً منه نوعاً من الأنطولوجيا لسينماه كلها وموسيقى هذه السينما ومرحها، حقق "كوستوريتسا/ مارادونا" الذي كان يقول عنه إنه حلمه منذ زمن بعيد. الفيلم الذي بدا في مظهره الأول فيلماً وثائقياً عن لاعب الكرة الأرجنتيني الكبير، وسرعان ما تبين أنه، في الوقت نفسه، فيلم ذاتي عن كوستوريتسا. ففي هذا الفيلم عرف السينمائي كيف يمزج بين حياته وحياة نجمه الكروي مارادونا، وكيف يحوّل ما كان يفترض أن يكون حواراً مع مارادونا، إلى حديث طويل متبادل بين "السينمائي الخفي" داخل لاعب الكرة، و"اللاعب الخفي" داخل السينمائي. بيد أن هذا كله لم يبد واضحاً تماماً أول الأمر. بدا وكأن كوستوريتسا، يقدم إلى مارادونا تحية كبرى، لكنه إنما كان في الحقيقة يشتغل على إسداء مارادونا طوال الفيلم تحية أو ألف تحية له.

موسيقى ومغامرات عبثية

في "عدني"، على أية حال، ربما يكون كوستوريتسا قد قدم لنا نوعاً من الأمثولة الذاتية، من خلال حكاية ذلك الفتى تساني، الذي يعيش في منطقة ريفية نائية، وطلب منه جده ذات مرة أن يذهب إلى المدينة ليبيع بقرته ويحضر بدلاً منها زوجة. في المدينة كان يفترض بالفتى أن يلتقي أخ جده من أبيه، لكنه حين يصل يكون هذا الأخير قد مات، فيلتقي بدلاً منه ابنيه وهما طيبان وبسيطان على رغم أنهما، في أوقات "الفراغ" يمارسان كل أنواع الإجرام. سرعان ما يصطدم الفتى بهذين القريبين في الوقت الذي يقع فيه في غرام طالبة صبية تدعى يسنا، يريد الآن أن يتزوجها تنفيذاً لوصية جده. أما بقية الأحداث فتقوم على سلسلة مغامرات عبثية ومطاردات توصل الجميع إلى القرية الصغيرة النائية، ليصبح العرس عرسين، بعد صعوبات ودمار. وكل هذا على وقع موسيقى متواصلة تتصاعد لحظة بعد لحظة ولا تعطي المتفرج لحظة ليلتقط أنفاسه. لقد بدا هذا الفيلم طريفاً للغاية ودينامياً للغاية، لكنه في الحقيقة لم يحمل ولو قسطاً ضئياً من إبداعات كوستوريتسا السابقة: فكان السؤال مشروعاً: هل انتهت حقبة الخصوبة في مسار كوستوريتسا السينمائي؟

حضور مهرجاني عابر

اليوم وفي القاهرة تحديداً يبدو هذا كله بعيداً وجزءاً من تاريخ سينمائي انقضى زمنه، لكن الهواة لم ينتظروا حضور كوستوريتسا إلى عاصمة المحروسة ليؤكدا هذا. يشهد على ذلك مرور فيلمين سابقين لصاحب "أندرغواند" و"زمن الغجر" في مهرجاني عامي 2016 و2018، من دون أن يلفتا النظر حقاً وكأن كوستوريتسا أفرغ كل ما عنده وبات واحداً من أشباح الماضي. بحيث أنه حتى النجاح، النسبي، الذي كان من نصيب "كوستوريتسا/ مارادونا" لم يتمكن من الإجابة عن السؤال. ذلك أن القطيعة بين عالمي هذين الفيلمين أتت ملتبسة. فإذا كان الأول يبدو وكأنه يغلق مرحلة أساسية وتأسيسية من سينما كوستوريتسا، وكأنه خاتمة سلسلة بدأت، على الأقل، مع "بابا في رحلة عمل"، فإن الثاني، على رغم قوته وقدرة موضوعه وأسلوبه على إعادة كوستوريتسا إلى مقدمة الساحة السينمائية الأوروبية، لم يبد من النوع الذي يؤسس لحقبة جديدة. وذلك تحديداً، لأن الصدق الذي امتلأ به الفيلم، وجعله يبدو فيلماً ذاتياً وموضوعياً في الوقت نفسه، لا يمكنه أن يستعاد ليطبع فيلماً تالياً. إذ إن قوة "كوستوريتسا/ مارادونا"، تبدو نابعة من تشابه بين مساري المبدعين، عرف كوستوريتسا كيف يلتقطه جاعلاً من الفيلم أشبه بلعبة مرايا بين كائنين مميزين، تمكّن الواحد منهما من رؤية آخر على شاكلته ونجاحه وقلقه وخفة دمه. وهو أمر لسنا ندري كيف يمكن أن يتوافر للمبدع من خلال شخص آخر. فالحقيقة أن في وسع كوستوريتسا دائماً أن يجد أنا/ آخر له لدى مصوّر، أو لدى ابنه صاحب موسيقى الفيلمين "عدني" و"كوستوريتسا/ مارادونا". ولكن من الصعب عليه في المقابل، أن يجد من يمكنه أن يكون نقيضه وذاته في الوقت نفسه، كما كانت حال مارادونا في هذا الفيلم. فهل يعني هذا كله أن كوستوريتسا الذي يقترب الآن من عامه السبعين يقف عند مفترق طرق؟

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

... وسؤال أخير

ربما... ولكن من المؤكد أنه لا يقف أمام استحالة العثور على مَخرج وربما على طريق جديدة تماماً. وفي انتظار ذلك، لا بأس أن نستمع إليه وهو يحمل غيتاره ويعزف بين الحين والآخر مثل شاب في العشرين من عمره، كما فعل في صيف بيروت، مقدماً مختارات من أجمل المقطوعات الموسيقية التي زينت أفلامه، أو يتساءل عما يمكنه أن يضيف الآن إلى شريطه عن مارادونا بعد رحيل هذا الأخير رحيلاً أعلن أنه كسره وجعله يتساءل عن الموت هو الذي شكل الموت دائماً جانباً أساسياً من مواضيع إبداعه!

المزيد من ثقافة