Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

 مزارعون لبنانيون يخشون خسارة "الذهب الأبيض"

إنتاج بذور الصنوبر يؤمن معيشة نحو 5 في المئة من سكان لبنان، لكن المزارعين يتخوفون من اندثار هذا القطاع خلال عقود من الزمن

سامر حميدة يجرف ويجمع حبات الصنوبر ويعدها للتحميص (سام تارلينغ/أوكسفام)

مع شروق شمس الشتاء الرقيقة وتغلغل أشعتها عبر غابة الصنوبر القائمة على تلالٍ تشرف على العاصمة اللبنانية بيروت، يقاوم عمر غزار تصلب راحة يده وتشقّقها، وهو يحمل فيها بذور صنوبر طرية وطازجة، من النوع الذي قد يزيّن طبقاً من الحمص في أفضل مطاعم البلاد.

وتظهر إضافة إلى ذلك، قشور بنّية لبذور يابسة وذابلة، في مؤشّر على وجود حشرةٍ دخيلة قامت بامتصاص النسغ لتقضي بشكلٍ كامل تقريباً على إنتاج بذور الصنوبر في لبنان.

ويوضح الياس نعيمة رئيس نقابة مزارعي بذور الصنوبر في لبنان، أن المحصول السنوي لحبوب الصنوبر في البلاد كان في حدود 85 مليون دولار، ويدعم معيشة ما يصل إلى 70 ألف أسرة. لكنه توقّع أن ينخفض إنتاج بذور الصنوبر هذه السنة إلى 10 في المئة فقط ممّا كانت عليه المحاصيل في السابق.

ويضيف نعَيمة: "إن أحداً لا ينتظر جني محصوله هذا الموسم، لأنه كما هو واضح، بالكاد يوجد كوز صنوبر أو اثنان على الشجرة. إن الأمر لم يعد كما كان عليه من قبل عندما كنّا نجمع الغلال، وكنّا في حينه بالكاد نتمكّن من رؤية التربة تحت الأشجار التي كانت مغطاة بكاملها بأكواز الصنوبر.

وفي الواقع، تعرّضت غابات الصنوبر في لبنان للتلف بسبب حلول نوعين من الحشرات: الأولى هي خنفساء الصنوبر - التي تقوم بتجفيف الأشجار، لكنها تؤثّر في الوقت الراهن على شجرةٍ فقط من كلّ ألف شجرة بفضل نظام أفخاخ تمّ إنتاجه محلّياً - أما الثانية فهي حشرة "بقّ الصنوبر" الغربية، التي تتغذّى على أكواز الصنوبر الصغيرة، ما يتسبّب بإتلاف البذور وهي يانعة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفيما يتمثّل السلاح الوحيد المتاح لمكافحة حشرة بذور الصنوبر، برشّ مبيداتٍ بواسطة طائراتٍ مروحية، إلا أن نعَيمة يجزم بأن الحكومة اللبنانية لم تعد قادرة على تأمين هذه المساعدة. ويقول: "في الوضع الراهن، لا يمكن الاعتماد على الدولة".

وفيما يعاني لبنان من أزمةٍ اقتصادية وصفها "البنك الدولي" بأنها "إحدى أقسى الأزمات على مستوى العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر"، فإن تراجع المحاصيل انعكس بشدّة على مزارعي بذور الصنوبر.

ويقول غزال الذي يبلغ من العمر 51 سنة، والذي أمضى الأعوام الـ35 الأخيرة في كسب رزقه من العمل في ما يُعرف في لبنان بأنه "الذهب الأبيض": "إذا كنت عاملاً مياوماً فستكون الأكثر تضرّراً، لأن الأجور انخفضت، وبات الآن كلّ شيء أكثر كلفة".

ينزل هذا الرجل من على جذع شجرة صنوبر علوّها يوازي ارتفاع مبنى من 4 طوابق، وليس في حوزته سوى خطّاف طويل يقطع به معولاً على حسٍّ توازن متقن يعينه على تفادي الانزلاق من على الشجرة والوقوع على أرض الغابة.

المهارة التي يتمتّع بها هذا القطّاف المخضرم تغطّي الصعوبة التي تنطوي عليها مهمّته. فالقيام بهذه المهنة يتطلّب نحو عامين من التدريب قبل أن يتمكّن المزارعون من التعامل مع الأشجار شاهقة الطول. ولهذا السبب، كانت هذه الوظيفة لوقتٍ طويل، ذا مردود مادّي جيد إلى حدٍّ ما.

ويؤكّد غزال ان أجره اليومي السابق الذي كان يتفاوت ما بين 60 و80 دولاراً، سمح له بإرسال أطفاله إلى مدرسة خاصّة - وهو أمر شائع نسبياً لدى الطبقة الوسطى في لبنان، خصوصاً أن المدارس الحكومية تتّسم بسمعةٍ سيئة.

لكن ذلك كان قبل أن تفقد العملة اللبنانية نحو 90 في المئة من قيمتها بسبب الأزمة الاقتصادية العميقة التي تعصف بالبلاد. أما في الوقت الراهن، فارتفعت كلفة المعيشة في مقابل انحدار الأجور. وبات القطّافون يحصلون حالياً على أجورهم بالليرة اللبنانية، بما يعادل 25 دولاراً في اليوم وفق سعر الدولار في السوق السوداء.

شكري يحيى رجل لطيف وهادئ يبلغ من العمر 36 سنة، وهو من سوريا، يقول وهو يرتشف الشاي مع مجموعة صغيرة من أصدقائه على أرض الغابة، في انتظار عبور نسماتٍ قوية [عاصفة] قبل العودة إلى تسلّق الأشجار: "مهما كان مدخولنا اليوم، فإنه سيذهب لاحقاً إما لدفع فاتورة مولّد الكهرباء، أو لشراء الغذاء". 

ويضيف: "إن المصاعب لا تقتصر على أننا بتنا نعمل أياماً أقلّ فحسب، بل تشمل حجم الجهد المطلوب لجمع محصول اليوم، الذي بات أكبر بكثير. فعلينا أن نتسلّق يومياً نحو ثلاثين شجرة وليس عشرة كما كانت الحال في الماضي".

ويمكن ملاحظة تأثير الحشرات على الأشجار على مستويين: العدد الأقلّ من الأكواز عليها، في حين أن الأكواز التي تنجح في النمو فهي في الغالب تفتقر لحبوب الصنوبر. ويعزو الخبير في علم الحشرات نبيل نمر السبب إلى تفشّي الحشرات في فصول الشتاء التي كانت حرارتها أعلى في الأعوام الأخيرة، كما إلى التوسّع العمراني في المنطقة.

ويتابع نمر أنه "مع تعاظم تأثيرات تغيّر المناخ، فإن عدد هذه الحشرات يرتفع إلى حد كبير. وبدلاً من توّلد جيل أو جيلين منها فقط، فهي تتكاثر بنحو ثلاثة أجيال في السنة. وهذا يعني أن الضرر آخذ في الازدياد".

ويشير الخبير في الحشرات إلى أنه "لو لم نتأثّر كثيراً بتغيّر المناخ، فلربّما كانت هذه الحشرات قد اختفت الآن. إذ إن الطقس البارد الذي كنا قد اعتدنا عليه كان يقتل جميع الحشرات والبقّ التي تلحق الضرر بالغابات".

وفي المقابل، ساهم تشييد الطرق والتوسّع العمراني حول الغابات، في رفع درجات الحرارة. ويوضح نمر أن "الأسفلت يعكس عادةً أشعة الشمس ويزيد من الحرارة. وهذا يؤثّر في الأشجار الموجودة في المنطقة، ويجعلها أكثر عرضةً لغزو الحشرات والتقاط الأمراض".

تجدر الإشارة إلى أن مصدر حشرة "بقّ الصنوبر" الغربية  Leptoglossus occidentalis هو أميركا الشمالية. وقد أدّى انتقالها إلى إيطاليا في عام 1999 إلى إحداث تأثير مدمّر هناك. ويُعتقد أن مسارها شديدة الضرر في حوض البحر الأبيض المتوسط، قادها إلى لبنان قبل نحو عقد من الزمن. وحتى الآن، لم تتمّ بلورة استراتيجية فاعلة لإيقاف الأذى الذي تسبّبه.

ويقول الخبير نبيل نمر: "فيما نواصل العمل على إيجاد حل، ما زالت إيطاليا وإسبانيا وتركيا غير قادرة على معالجة هذه المشكلة". وأبدى تخوّفه من أن يؤدّي استفحال هذه الآفة، إلى تحوّل دائم في الطبيعة البنيوية للغابات في لبنان.

ويوضح أن "لبنان هو أساساً بلد شجر السنديان وليس الصنوبر. فقبل أن نبدأ بزرع أشجار الصنوبر، كانت مناظرنا الطبيعية تطغى عليها غابات شجر البلوط". ونبّه إلى أنه "من الممكن أن يعاود شجر السنديان الحلول مكان أشجار الصنوبر في غضون خمسين عاماً".

أما الياس نعَيمة رئيس نقابة مزارعي بذور الصنوبر في لبنان فذهب في تخوّفه أبعد من نمر، متوقّعاً اختفاء أشجار الصنوبر من لبنان قبل ذلك بكثير. وقال إن "المزارعين يعتمدون على هذه الأشجار لكسب عيشهم. وعندما تصبح غير مثمرة، فسيستخدمونها كحطب. إننا نواجه أزمة كبيرة".

وتُعدّ بذور الصنوبر، شأنها شأن جميع المحاصيل الزراعية، مصدراً لسلسلة من الأعمال التجارية المختلفة التي باتت جميعها مهدّدة الآن.

ويؤكّد نعَيمة أن "بذور الصنوبر هي الحجر الأساس لاقتصاد المناطق الجبلية"، قبل أن يدرج قائمة بجميع الذين يستفيدون من محصولها: كالمزارعين أصحاب الأراضي، والأشخاص الذين يستأجرون الأراضي لاستغلالها، والعمّال الذين يتمّ استخدامهم، والمالكين الذين يتم الاستئجار منهم، والجهات التي تعمل في معالجة بذور الصنوبر وتوزيعها.

ويشير نعَيمة إلى أن القائمة تشمل مجمل هؤلاء الأشخاص إضافةً إلى جميع من يعيلونهم، مقدّراً أن هذه الصناعة تؤمن معيشة ما يصل إلى خمسة في المئة من سكّان لبنان.

حال اليأس تبدو واضحة في مصنع لمعالجة بذور الصنوبر في الوادي المجاور، حيث يؤتى بأكواز الصنوبر من الغابات المجاورة إليه لاستخراج بذورها القيّمة. ويقول خالد رياض الشيخ البالغ من العمر 50 سنة: "إننا بالتأكيد قلقون على المستقبل".

هذا الرجل الذي عمل في القطاع على مدى 12 عاماً، كان قد أحضر قبل عامين ابنه البالغ من العمر 15 سنة للعمل معه. لكنه الآن يتخوّف من فقدان ليس هذا العمل فحسب، بل أسلوب الحياة الريفية التي قد لا تكتب لها حياة مديدة أكثر.

ويقول إن "تغيّر المناخ ينعكس على مختلف أنواع الزراعات. فقبل خمسة أعوام، لم نكن نشعر بأي شكل من أشكال القلق، لأن العمل كان متواصلاً. لكننا الآن نعمل 3 أيام ونتوقّف يومين. وفي الأيام التي نعمل فيها، يمكننا أن نأكل. لكن في أيام التعطيل، فلا يمكننا سد الرمق ولا طعام نتناوله".

© The Independent