سليم بطّي يجعل من الراوي قناعا ليسرد التفكك الاسري

"فونوغراف"... تسجيل الصوت واستعادته

  رواية تعالج التفكك الأسر (اندبندنت عربية) 

"فونوغراف" هي الرواية الثانية للكاتب اللبناني سليم بطّي بعد "لن أغادر منزلي" (دار أنطوان – هاشيت، نوفل). والكلمة يونانية الأصل، منحوتة من كلمتيPHONO  التي تعني "صوت" وGRAPH  التي تعني "كتابة". وقد أطلقت على جهاز تسجيل الصوت واستعادته الذي اخترعه الأميركي توماس إديسون في العام 1877. ولعلّ اختيارها عنوانًا لرواية إشارة إلى أن الكتابة الروائية هي نوع من تسجيل الصوت واستعادته، ذلك أنّ لكلّ كاتب صوته في برج بابل الرواية. فما هو الصوت الذي يريد سليم بطّي أن يُسمعنا إيّاه؟

   في بداية الرواية، يقول الراوي الجنين: "هذا أنا وهذه أولى حكاياتي، حكاية البصقة التي كنت" (ص 28)، وفي نهايتها، يقول الراوي الرجل: "هذا أنا وهذه آخر حكاياتي، حكاية الغلطة التي كنت" (ص 207). وبين الحكاية الأولى والأخيرة، بين البصقة والغلطة، سلسلة من الحكايات  تتمحور حول الراوي، الشخصية المحورية في الرواية، وتحكي اللعنات الكثيرة التي تطارده، مذ خرج من رحم أمّه إلى أن وجد نفسه في جهنّم حقيقية هي الحياة (ص 16). ومن خلال هذه الحكايات، يقول الكاتب تداعيات الحروب، الداخلية والخارجية، على المكان والزمان والإنسان. ويقول تمظهراتها في النص تفكّكًا أُسَريًّا، وتهجيرًا، وهجرة، وغربة، واغترابًا...

   على أنّه قبل ولوج المتن وحكاياته، لا بدّ من التوقّف عند العتبات المؤدية إليه، بدءًا من الملحوظة غير المهمّة والإهداء، مرورًا بعناوين المجموعات السردية، وصولاً إلى المقتبسات الروائية التي يُروّس بها الكاتب الوحدات السردية الأولى من المجموعات الثماني في الرواية.

- في الملحوظة، يكسر الكاتب النمطية العامة التي يصدّر بها الكتاب أعمالهم حين يعزون التشابه بين أحداثها والواقع إلى محض الصدفة، فيعزوه هو إلى أي شيء ما عدا الصدفة.

- في الإهداء،يكسر النمطية حين يذكر الذين لا يريد إهداء الكتاب لهم لئلاّ يزيدهم وجعًا على وجع.

- في عناوين المجموعات السردية، ترد مفردات تنتمي إلى الحقل المعجمي للوجع، من قبيل: وصب، حزن، حيرة، رحيل، بكاء، حداد، هشيم، سخط، وغيرها. وهي تتناسب مع "مونودراما الوجع"، التسمية التي أطلقها الكاتب على عمله.

- في المقتبسات الروائية، يقتبس الكاتب ثمانية نصوص قصيرة معاصرة، ويروّس الوحدة السردية الأولى من كلِّ مجموعة بنصٍّ منها. وتتناول هذه النصوص على التوالي: عبثية الولادة، عدم معرفة التنفّس، قتل الطفولة، موت المدن، فشل الكينونة، فوات الأوان، سيلان الزمن، وبكاء الراحلين. وهكذا، يمكن القول أن عتبات النص، على أنواعها، تحيل إلى مناخ من الوجع الإنساني الذي تتعدّد أسبابه وتمظهراته. فهل يعكس النص الروائي هذا المناخ؟ وكيف يتمّ ذلك؟

شخصيتان محوريتان

   بالعودة إلى الشخصية المحورية في الرواية وحكاياتها الممتدّة بين البصقة والغلطة، نشير إلى أنّها مطارَدة بمجموعة من اللعنات، منذ بداية الرواية حتى نهايتها؛ فسليم يُولد في تنّورين من شمال لبنان، لأمٍّ بريطانية تتخلّى عنه في الرابعة من عمره وتعود إلى لندن، وأبٍ لبناني يتنازل عنه ويسافر إلى دبي بعد أن يعهد بأمر تربيته إلى الجدّة. فيشكّل تفكّك الأسرة اللعنة الثانية التي تطارده بعد لعنة الولادة الأولى. وحين يبلغ التاسعة من العمر، تنتزعه أمّه من حضن الجدّة الذي عرف فيه بعض الأمان إلى لندن بذريعة تعليمه، فتشكّل الهجرة لعنته الثالثة، حتى إذا ما زجّت به في مدرسة داخلية لعشر سنوات، من دون أنيس أو جليس، تكون لعنته الرابعة المتمثّلة في الغربة والوحدة والعزلة، فيخرج من تلك المدرسة "إرَبَ خردة لم يرَ منها إلاّ فسيفساء قبيحة لوّنتها الأجاع"، على حدّ تعبيره. (ص 79)       

     وتستمرّ اللعنات في مطاردة الراوي، وتكون خامستها حين ينخرط في العمل الإنساني في العراق في العام 2016، ويُصاب في تفجير يُودي برفيقه مارك، ويُقعده هو شهرين في مستشفى لندني. وما إن تبسم له الدنيا، بقبوله في جامعة تورنتو الكندية، وانخراطه في علاقة حب مع فرح زميلته في الجامعة، حتى تواجهه باللعنة السادسة، فتتخلّى عنه الحبيبة متذرّعةً بماضي والده السيّئ. وإذ يحاول البحث في هذا الماضي الذي يُطارده إلى أقاصي الأرض، بعد عشرات السنين، يتلقّى اللعنة السابعة من عمّته حين يعلم منها أنّها ليست عمّته، وأن المرأة التي ربّته ليست جدّته الحقيقية. وتكون الثامنة حين يزور أخاه فادي في دبي، فيتنكّر هذا لأخوّته، ويقلب له ظهر المجنّ محمّلاً أمّه البريطانية مسؤولية تدميره. ولعلّ تعاقب هذه اللعنات عليه هو ما جعله يعتبر أن حياته بدأت البصقة التي كان، وآلت إلى الغلطة التي كان.

   هذه الشخصية المأساوية التي تعاني تمظهرات الوجع، على أنواعه، تشكّل المحور الذي تتمحور حوله الشخصيات الأخرى، الموجودة في النص، انطلاقًا من العلاقة التي تربطها به، سواءٌ من موقع الفعل أو ردّ الفعل. وإذا كان المقام لا يتّسع لقراءة سائر الشخصيات، فحسبنا الوقوف عند اثنتين منها، هما: الأب والجدّة. وكلتاهما شخصية متحوّلة بتعاقب الأحداث ونموّها. ففي حين تتمّ شيطنة شخصية الأب في الرواية باعتباره شخصية غير مسؤولة، تتخلّى عن واجباتها الأسرية، وتنحرف عن جادّة الصواب، وتنغمس في الممنوعات، وتهرب من تحمّل المسؤولية، تأتي رسائله إلى ابنه، في نهاية الرواية، لتكشف أنّه كان ضحيّةً بدوره لأسرة مفكّكة، وأبٍ مستهتر، وزوجة أبٍ ظالمة هي الجدّة المزعومة. ولعلّ الأب أراد، من خلال رسائله، الظهور بمظهر الضحيّة، وتقديم طلب استرحامٍ متأخّر إلى ابنه، تكفيرًا عن تقصيره بحقّه، وتخفيفًا من شعور بالذنب ملازم له.

   أمّا الجدّة سامية فتقدّمها الرواية شخصيّة مثالية، قوية، متفانية، حنون، تأخذ على عاتقها تربية "الحفيدين" سليم وفادي، وتقوم بدور الوالدين الغائبين، وتوفّر لهما الصدر الرحب والحضن الآمن، حتّى تأتي رسائل الأب، في نهاية الرواية، فتكسر المثالية المزعومة، وتظهر الجدّة شخصية شريرة، ترتبط بالجدّ بعد رحيل زوجته، تتفنّن في كره الأب وتعذيبه بعد موت الجد، ما يجعله يترك بيته الوالدي، ويتنقّل "بين بيوت الدعارة وتجّار الممنوعات والقتلة واللصوص وقطّاع الطرق والمتسوّلين" (ص 161). وهنا، ثمّة خلل يتعلّق برسم هاتين الشخصيتين يدفع إلى تساؤلٍ مزدوج: إذا كان الأب قد لقي التعذيب على يدي الجدة / زوجة الأب، فكيف يأتمنها على ولديه؟ وإذا كانت الجدّة قد سامت ابن زوجها صنوف العذاب، فكيف تقبل مهمّة تربية ولديه؟ وهل فعلت ذلك تكفيرًا عن خطاياها بحقّه؟

   في "فونوغراف"، يتّخذ الروائي من الراوي قناعًا له، يقول من خلاله ما يريد تصويرًا للظلامات التي تقع على الناس، وتعريةً لها. وهما يفترقان ويتقاطعان في الرواية. وإذا كان افتراقهما يتعدّى قدرة القارئ على تحديد نقاط الافتراق، فإنّه، من السهولة بمكان، تحديد نقاط التقاطع استنادًا إلى المقارنة بين الراوي في النص الروائي، والروائي في النبذة المختصرة على الغلاف الأخير، والاستنتاج أنّهما يتقاطعان في: الاسم، والعمل الإنساني مع النازحين، والدراسة الجامعية في الخارج، وحقل الدراسة، على الأقل.

    بالانتقال إلى الخطاب الروائي، نشير إلى أن الرواية تقع في ثلاثة أبواب، يندرج تحت كلٍّ منها فصلان اثنان، في الحدّ الأدنى، وثلاثة فصول، في الحدّ الأقصى. ويحتوي كل فصل على وحدتين سرديّتين اثنتين، في الحدّ الأدنى، وسبع وحدات، في الحدّ الأقصى. وبذلك، تتألّف من: ثلاثة أبواب، وثمانية فصول، وإحدى وثلاثين وحدة سردية. تنتظمها علاقة زمنية خطية، تتخلّلها انعطافة حادّة إلى الوراء في الرسائل الثلاث المرسلة من الأب، ثم تتابع خطّيتها من حيث انعطفت. ويقوم بعملية الروي فيها الراوي المشارك، بشكل غير مباشر، وبصيغة الغائب في الوحدات السردية الثلاث الأولى، وبشكل مباشر في باقي الوحدات، وبصيغة المتكلّم. وهذه التقنية تناسب النوع الروائي المتعلّق بحكاية الشخصية، الأمر الذي ينطبق على "فونوغراف".

   في اللغة، يُمكن الكلام على ثلاثة مستوياتٍ لغوية في النص، تختلف باختلاف الأنماط النصّية الواردة فيه؛  ففي السرد، يستخدم الكاتب المستوى الفصيح المباشر الذي تتعدّد فيه صيغ الكلام، وتختلف أزمنة السرد، وتتنوّع الحقول المعجمية، ويرشّ عليه المحسّنات البلاغية بمقادير محدّدة، تجمّل النص ولا تثقله. وفي الحوار، يستخدم المستوى المحكي، ولا يتورّع عن تسمية الأشياء بأسمائها، وذكر الشتائم والكلام البذيء حرفيًّا، الأمر الذي يوهم بالواقعية والصدق الروائي. وفي الرسائل، يستخدم المستوى الفصيح المطعّم بالمحكية. وهكذا، نكون إزاء نصٍّ روائيٍّ متعدّدِ المستويات اللغوية، يعكس تنوّع الأحداث والشخصيات.

يمكن القول أنّ المتن الروائي، بوحداته السردية الإحدى والثلاثين، يعكس المناخ الذي أرهصت به العتبات المختلفة، لا سيّما في العناوين والترويسات المقتبَسة، فتشكّل مفاتيح مناسبة لفتح أبوابه المرصودة.

المزيد من ثقافة