Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

العملاء والمنشقون الروس في الخارج (2-2)

كيسنجر "هجرة اليهود من الاتحاد السوفياتي ليست قضية سياسية" ونيكسون "ذلك أمر مفهوم فنحن لن نقدم على تدمير العالم من أجلهم!"

الرئيس نيكسون ووزير الخارجية كيسنجر في المكتب البيضاوي عام 1973 (رويترز)

نواصل في هذه الحلقة الثانية والأخيرة استعراض ما أورده الصحافيان الروسيان أندريه سولداتوف، وإيرينا بوروغان، من معلومات تتسم بقدر هائل من التشويق والإثارة، في كتابهما الذي صدرت ترجمته إلى الروسية في موسكو تحت عنوان "رجالنا في صفوف الغرباء" - "الكرملين والمهاجرون السياسيون"، عن الكتاب الذي صدر في نيويورك بالإنجليزية تحت عنوان "Compratriots. The Brutal and Chaotic History of Russias Exiles Emigres and Agents, Abroad" (المواطنون. التاريخ الفوضوي والوحشي للمغتربين والعملاء الروس في الخارج).

بعد استعراض تاريخ بدايات الهجرة من روسيا الإمبراطورية في أعقاب ثورة 1917 الاشتراكية البلشفية وما أعقبها من حرب أهلية، وتشخيص بعض ملامحها التي كانت في بداياتها هرباً من معاداة السامية، ثم الفرار من نير الحرب الأهلية وسطوة النظام الجديد والقمع الستاليني وما أعقبها من هموم معيشية ومتاعب اقتصادية، توقفنا في الحلقة الأولى من استعراضنا لأهم محاور هذا الكتاب، عند اهتمام الأجهزة الأمنية السوفياتية بأوساط المهاجرين السوفيات ممن وجدت فيهم فرصة مناسبة لإنشاء شبكة واسعة من العملاء والمتعاونين، أسهمت ليس فقط في جمع ما أرادته من معلومات سياسية وعسكرية واقتصادية، بل وأيضاً في السيطرة على كثيرين من هؤلاء المهاجرين بما يخدم مصالح الوطن.

ظاهرة الهجرة

وفي وقت كان الكاتبان عكفا على دراسة ظاهرة الهجرة بعد سلسلة من الكتب والمقالات التي تناولا فيها نشاط الأجهزة الأمنية وأساليب عملها على مر العصور منذ بدايات ثورة أكتوبر (تشرين الأول)، فقد توقفا في هذا الكتاب عند ما هو أقرب إلى محاولة هي أقرب إلى التأريخ الشامل لأسباب وتبعات الهجرة الروسية، على مر العصور، ومحاولات الكرملين الاستفادة من المهاجرين الروس، وملاحقة المنشقين منهم على اختلاف مشاربهم وتوجهاتهم، ومحاولات معرفة الأساليب التي يستخدمها الكرملين لمتابعة المواطنين الروس كقوة سياسية في الخارج. وذلك ما استعرضنا بعض جوانبه في الحلقة الأولى تحت عنوان "المخابرات السوفياتية تبحث عن المواهب"، لنتحول في هذه الحلقة إلى النشاط المضاد الذي تناوله المؤلفان اعتباراً من الفصل الثامن الذي اختارا له عنوان "المخابرات الأميركية تبحث عن المواهب"، وهو ما يتعلق بكيفية متابعة الدوائر والأجهزة الغربية للروس واستخدامهم في الخارج إبان سنوات الحرب الباردة.

المخابرات المركزية الأميركية

وقد استهل المؤلفان الفصول التالية من هذا الكتاب بالتركيز على نشاط المخابرات المركزية الأميركية وملاحقتها للمواطنين الروس من المهاجرين الذي استقر معظمهم في ميونيخ بدلاً من باريس التي طالما كانت منذ عهد القياصرة المقصد الرئيس للمهاجرين الروس سواء من أعضاء العائلة الإمبراطورية أو الأدباء والشعراء الروس، أو بسطاء المواطنين ممن لم تقتصر هجرتهم على باريس والمدن الأوروبية، وتعدتها إلى ما وراء المحيط وبالدرجة الأولى إلى نيويورك. ولعل ذلك ما جعل هذه المدينة الأميركية مسرحاً لنشاط كثيرين من المهاجرين الروس، وهو ما تلقفه العديدون من ممثلي الأجهزة الأمنية الأميركية، وما جعلهم جميعاً محوراً لعدد من الأعمال الأدبية التي كانت أقرب إلى تقارير الصحافة الاستقصائية، ومنها كتاب فيشر الذي صدر تحت عنوان "صورة سياسية للمهاجرين الروس" وأشرنا إليه في الحلقة السابقة.

في هذا الكتاب، توقف المؤلفان عند الأسباب التي دفعت المخابرات المركزية مع أولى سنوات الحرب الباردة إلى تركيز اهتمامها على المهاجرين الروس، ومنها محاولة سبر أغوار السياسيين منهم. وذلك ما تيسر لجورج فيشر أكثر من غيره، ممن عكفوا على دراسة ومتابعة الشتات الروسي، ولذلك، فقد كان هذا الكتاب - المصدر من أهم الوثائق والمراجع التي استحوذت على اهتمام المسؤولين في المخابرات المركزية الأميركية.

 ولم لا؟ ألم يكن جورج فيشر سليل عائلة يمتد تاريخها إلى سنوات طويلة خلت شهدت تعاطف والده لويس فيشر مع الثورة السوفياتية إلى الحد الذي جعل تروتسكي يطلق عليه كنية "عميل ستالين"؟. لقد كان لويس فيشر يعمل مراسلاً لإحدى المجلات الأميركية في أوروبا بحكم إجادته اللغتين الروسية والألمانية، فضلاً عن زواجه من عازفة بيانو يهودية روسية الأصل، تعرف عليها خلال سنوات الحرب العالمية الأولي في نيويورك، وكانت عملت مترجمة لاثنين من وزراء الخارجية السوفياتية. كما أنه كان وراء إلحاق ابنه بإحدى المدارس السوفياتية في موسكو خلال سنوات إقامته في العاصمة السوفياتية، قبيل طلبه تدخل إليانور روزفلت سيدة الولايات المتحدة الأولى للسماح له بالعودة إلى نيويورك مع اندلاع الحرب العالمية الثانية.

الستار الحديدي

وكلما كانت الإدارة الأميركية أكثر اهتماماً بالشخصيات الروسية ذات القدرات القيادية التي كانت تعول على الاعتماد على معاونتها ودعمها لتوجهاتها في المهجر، كان يتضح لها أكثر مدى عجزها وجهلها بالواقع الداخلي للدولة التي كانت تستعد لمواجهتها عسكرياً. وكان الاتحاد السوفياتي فرض آنذاك الستار الحديدي الذي وقف حائلاً دون أي تواصل مع الداخل السوفياتي، بما لم يعد أمام السلطات والأجهزة الأميركية سبيل إلى إقامة أي علاقات مع السوفيات سوى الشتات السوفياتي في الخارج.

ومن هنا، كان كتاب فيشر يشكل كنزاً ثميناً وجد فيه ضالته، جورج كينان القائم بأعمال السفارة الأميركية في موسكو الذي كان أول من التفت إلى أهميته، وهو الذي كان أكثر المتخصصين في شؤون الاتحاد السوفياتي خبرة وعلماً ومعرفة بكل مفرداتها. ولعل ذلك كان من أهم الأسباب التي دفعته إلى إرسال أطول برقية في تاريخ الدبلوماسية الأميركية إلى وزير الخارجية الأميركي، تضمنت الأسس التي استندت إليها الاستراتيجية الأميركية لمواجهة الاتحاد السوفياتي والحد من نفوذه. وكان ذلك أيضاً وراء قرار الرئيس هاري ترومان حول اختيار جورج كينان سفيراً للولايات المتحدة في موسكو.

ومع كينان بدأت الأجهزة الأميركية نشاطها على صعيد إعداد المؤسسات اللازمة للاضطلاع بمهام إعداد الكوادر اللازمة للعمل في أوساط المهاجرين السوفيات في الخارج الذين كان عددهم يتزايد يوماً بعد يوم في ميونيخ بألمانيا الغربية. ومن هذا المنظور أيضاً شرعت السلطات الأميركية في تأسيس الجمعيات والمؤسسات المدعوة للعمل بين صفوف المهاجرين السياسيين في شرق أوروبا. ورصدت الأجهزة الأميركية المتخصصة كثيراً من جوانب الشقاق والخلافات بين ممثلي مختلف القوميات السوفياتية، ومنها الأوكرانية التي راح أبناؤها يكيلون الاتهامات للروس بأنهم يحاولون استعادة الإمبراطورية الروسية في حدودها التي كانت قائمة في عام 1914. وقد شهدت تلك الفترة بدايات تأسيس كثير من صناديق التعاون اللازمة لتمويل نشاط العناصر الموالية لتوجهات الإدارة الأميركية بين المهاجرين الروس والسوفيات، وتمثلت في البداية في عدد من مراكز تجمعهم في القارة الأوروبية.

"ابنة ستالين"

وتحت عنوان "ابنة ستالين" كرس المؤلفان الفصل التاسع من هذا الكتاب وما يليه لمتابعة نشاط الجانب الآخر من معادلة الحرب الباردة. فلم يكن الاتحاد السوفياتي بغافل عما يحيكه خصمه الرئيس من مؤامرات، وما يقوم به من نشاط بين صفوف أبنائه في الخارج. ومع ذلك فقد تراجعت حدة هذه الاستعدادات بعد وفاة ستالين في مارس (آذار) 1953. وحاول وزير داخليته وساعده الأيمن لافرينتي بيريا لملمة أطراف ما سبق وكان له من نفوذ وسطوة من خلال إعادة تعيين بعض مساعديه ممن كانوا خرجوا إلى التقاعد، في ما أفرج عن آخرين ممن كان يتوسم فيهم الجرأة والجسارة على تنفيذ ما يمكن أن يعهد به إليهم من مهام. ومن تلك المهام ما كان ينويه من تفجير للقواعد العسكرية الأميركية في غرب أوروبا في حال نشوب أي نزاع عسكري بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة. غير أن ما كان يدبره خصوم بيريا من خطط تستهدف تصفيته للحيلولة دون طموحاته صوب الزعامة لخلافة ستالين، حال دون استمرار هذه المخططات، وأعاد وتيرة الاستعداد لمواجهة الولايات المتحدة إلى سابق مستواها.

وراحت الأجهزة الأمنية السوفياتية تكتفي بالرد على مؤامرات الخارج بعمليات محدودة اقتصرت على اغتيال عدد من خصومها، ومنهم الكاتب الأوكراني ليف ريبيت الذي جرى اغتياله في عام 1957، وزعيم المعارضة الأوكرانية ستيبان بانديرا مؤسس الجيش الذي أعلن التمرد ضد السلطة السوفياتية، في عام 1959.  ومن اللافت في هذا الصدد ما أشار إليه المؤلفان حول أن ريبيت جرى اغتياله بطلقة من الغاز المسموم، في وقت جرت تصفية بانديرا باستخدام السم أيضاً، وهو ما قال المؤلفان بشأنه، إن "تسميم الخصوم" كان آنذاك "موضة العصر".

غير أن الصراع بين القطبين الأعظم واعتباراً من خمسينيات القرن الماضي، لم يقتصر على ما تناولناه من أساليب، حيث سرعان ما تحول الطرفان إلى استخدام سلاح الإعلام والتحريض الدعائي. وفي وقت تركزت الدعاية الغربية في ميونيخ، وجد الجانب السوفياتي فرصة الرد من خلال مكبرات الصوت والإذاعات التي كانت تبث بياناتها ورسائلها من برلين الشرقية، وراحت من خلالها تدعو المهاجرين الروس إلى العودة وعدم السقوط في براثن الدعايات الغربية. وأشار المؤلفان إلى أن ألكسندرا تولستويا، ابنة الأديب الروسي العالمي ليف تولستوي نجحت في الهروب من الاتحاد السوفياتي في عام 1929 إلى أوروبا ومنها إلى الولايات المتحدة في عام 1931. وقالا إنها راحت تشارك في الحملات المضادة للاتحاد السوفياتي، وتحضر جلسات الاستماع في الكونغرس الأميركي، وتقدم خدماتها عبر المؤسسات والصناديق الأميركية إلى مواطنيها ممن وصلوا إلى الولايات المتحدة هرباً من السلطة السوفياتية. وذلك ما كانت الأجهزة السوفياتية له بالمرصاد، ترد عليه برسائل إلى المهاجرين تقول فيها، إنها لا تغض الطرف عما يقوم به هؤلاء من نشاط، وتؤكد لهم أنها تعرف أسماءهم الحقيقية، وما يتخفون وراءه من أسماء أو ألقاب جديدة. ومن الطريف في هذا الشأن أن الجانب الأميركي افتتح في الولايات المتحدة المدارس والمراكز الخاصة بإعداد الدبلوماسيين الأميركيين من المرشحين للعمل في الاتحاد السوفياتي، والتي كان يقوم بالتدريس فيها مهاجرون روس كانوا يلقون محاضراتهم باللغة الروسية.

نثر رفاة زوجها الشيوعي الهندي

ولم يمض من الزمن كثير حتى فوجئت الأوساط الصحافية والإعلامية بدعوة تصل إليهم في 26 أبريل (نيسان) 1967 للاستماع إلى محاضرة تلقيها سفيتلانا اليليويفا ابنة ستالين، البالغة من العمر 41 عاماً، في أحد أبراج نيويورك. وكان سفرها من الاتحاد السوفياتي إلى الهند لحضور مراسم نثر رفاة زوجها الشيوعي الهندي الذي كانت اقترنت به على الرغم من إرادة كثيرين من أعضاء المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفياتي ثم هربها من هناك إلى الولايات المتحدة للإعلان فيها عن طلب اللجوء السياسي، مفاجأة مدوية تعالت أصداؤها في كل أرجاء العالم. واكتملت أركان المفاجأة بإعلان سفيتلانا ستالين أنها أعدت مذكراتها للنشر في الولايات المتحدة. وكان السفير الأميركي في موسكو كينان ساعدها في التوصل إلى عقد مُجز مع "نيويورك تايمز" لنشر هذه المذكرات كان كافياً لأن يكفل لها الحياة الرغدة لمدة طويلة.

وللمزيد من الإثارة، تطرق المؤلفان إلى عدد من جوانب الحياة الشخصية لسفيتلانا ستالين، بما في ذلك قصة تعلقها بلويس فيشر، البالغ من العمر آنذاك 71 عاماً، وما انتهت إليه هذه القصة من تحطيم سفيتلانا لباب مسكنه طلباً لرسائلها الشخصية. فضلاً عما لحق برئيس جهاز أمن الدولة "كي جي بي" فلاديمير سيميتشاستني من تبعات كلفته منصبه، نظراً لأنه لم يستطع في حينه الحيلولة دون هربها إلى الولايات المتحدة. وكان ذلك إبان سنوات حكم ليونيد بريجنيف، وعلى الرغم مما سبق وقدمه سيميتشاستني له شخصياً من خدمات لدى الإعداد لخطة الإطاحة بسلفه نيكيتا خروشوف في عام 1964.

العلاقات السوفياتية - الأميركية

وكان ذلك كله مقدمة لما تحول إليه المؤلفان من تقص للحقائق حول ما طرأ على العلاقات السوفياتية - الأميركية من تغيرات اعتباراً من نهاية ستينيات، مطلع سبعينيات القرن الماضي، وهي الفترة التي شهدت تصاعد العداء للسامية بعد حرب "الأيام الستة" في يونيو (حزيران) 1967 وقطع الاتحاد السوفياتي علاقاته مع إسرائيل، وما تلى ذلك من تنشيط المنظمات اليهودية لتحركاتها سعياً وراء السماح لليهود في الاتحاد السوفياتي وبلدان أوروبا الشرقية بالهجرة إلى إسرائيل. وتوالت الخطوات التي استهدفت المزيد من الضغوط ضد الاتحاد السوفياتي، ومنها ما كان يتعلق باستصدار الكونغرس لقراراته ومنها "تعديل جاكسون - فينيك" (عضوي الكونغرس) حول تقييد التجارة مع الاتحاد السوفياتي، وهو ما لم يكن يتسق مع توجهات الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون الذي كان في قرارة نفسه غير حريص على تصعيد مشكلة العداء للسامية.

واستعرض المؤلفان بعضاً من محادثات غولدا مائير رئيسة الحكومة الإسرائيلية آنذاك مع نيكسون ومستشاره للأمن القومي هنري كيسنجر في البيت الأبيض، والتي انتهت بصدام عاصف اضطر غولدا مائير إلى مغادرة المكتب البيضاوي احتجاجاً على ما قاله نيكسون حول أنه يريد الحوار وليس الصدام مع الاتحاد السوفياتي، الذي وصفه أنه بمثابة "انتحار متبادل"، بل ونقلا عن كيسنجر ما قاله للرئيس نيكسون عقب مغادرة مائير حول أن "هجرة اليهود من الاتحاد السوفياتي ليست قضية سياسية، حتى لو بدأوا في الاتحاد السوفياتي في تصفية اليهود في غرف الغاز، فإن ذلك لن يكون أكثر من قضية إنسانية، وليس شأناً أميركياً"، وذلك ما رد عليه نيكسون بقوله، "ذلك أمر مفهوم. فنحن لن ندمر العالم من أجل اليهود!".

ولعل ذلك ما دفع المؤلفين إلى أن يخلصا إلى أن "معتقدات نيكسون تجاه معادة السامية كانت أقرب إلى الخرافات، حيث إنه كان يرى على سبيل المثال أن اليهود يجتمعون حول سمة قومية واحدة تتلخص في محاولاتهم تعويض عقدة النقص"، وهو قول يمكن أن يكون تفسيراً للميول الموالية لليهود، وما يمكن أن ينسحب أيضاً على توجهاتهم الموالية لليبرالية الغربية في أكثر صورها تطرفاً، وذلك ما نجده واضحاً، كذلك وبشكل زاعق في تبنيهم مواقف المنشقين السوفيات، ومنهم الأكاديمي أندريه ساخاروف الذي كان بادر في سبعينيات القرن الماضي بإرسال خطاب يناشد فيه الرئيس نيكسون تأييد مبادرات الكونغرس حول فرض العقوبات ضد الاتحاد السوفياتي بسبب حظر هجرة اليهود السوفيات إلى إسرائيل.

ومع تصاعد مشكلة هجرة اليهود السوفيات، بدأت ظاهرة المنشقين تتخذ أبعاداً مغايرة، لتلقي بظلالها على كل تحركات المواطنين السوفيات سواء البسطاء منهم أو الفنانون ممن كانت ظروف عملهم أو نشاطهم تستدعي الاتصال أو السفر إلى الخارج. وذلك ما تناوله هذا الكتاب في العديد من فصوله التالية، بما ارتبط به من تكثيف لنشاط الأجهزة الأمنية "كي جي بي"، الذي كان ممثلوه مدعوين إلى متابعة كل صغيرة وكبيرة في حياة وتحركات المواطنين السوفيات في الداخل والخارج في محاولة للحيلولة دون هروبهم.

ومن هنا، تزايدت حدة وأهمية كل ما يند عن "كي جي بي" من تصرفات وتصريحات، وكان لرئيسه الجديد يوري أندروبوف قسط معتبر من اهتمام مؤلفي الكتاب اللذين أفردا لنشاطه مساحة مناسبة لاستعراض ما تميز به عن أسلافه. وفي هذا الإطار، استعرض الكتاب واحدة من خطواته التي استهدف بها التخلص من أحد أبرز المنشقين السوفيات، وهو الأديب ألكسندر سولجينتسين الفائز في وقت لاحق بجائزة نوبل في الأدب. وكان أندروبوف أول من طرح فكرة التخلص منه بنفيه إلى الخارج مثلما سبق وفعل الحزب الشيوعي مع ليف تروتسكي. وكان أندروبوف أيضاً وراء تأسيس عدد من الإدارات المدعوة إلى متابعة المهاجرين السوفيات في الخارج ورصد تحركات السائحين الروس والأجانب في الداخل وجمع المعلومات اللازمة عن المنشقين السوفيات، وكذلك من استطاع منهم الفرار إلى الخارج.

كما طرح أندروبوف فكرة التخلص من المعتقلين السياسيين الذين يقضون فترة العقوبة في السجون السوفياتية بمن يهم السلطة السوفياتية أمرهم من الأجانب حبيسي السجون في بلدانهم. وذلك ما فعلته موسكو حين استطاعت استبدال لويس كورفلان زعيم الحزب الشيوعي في تشيلي بالمنشق السوفياتي فلاديمير بوكوفسكي، وهو الذي قدم في وقت لاحق إلى الغرب الأدلة التي تدين السلطات السوفياتية باستخدام العيادات النفسية في مجالات الضغط على معارضي النظام في الداخل.

تغييرات ومتغيرات

وتتوالى فصول الكتاب ومعها تتدفق المعلومات المثيرة التي منها ما يتعلق بمقدمات ما شهدته بلدان شرق أوروبا من تغييرات ومتغيرات، كانت تمهيداً لما لحق بالاتحاد السوفياتي من مصير لم تتضح بعد كل أبعاده الحقيقية. ولم تكن المنظمات والتنظيمات العمالية والفكرية التي قادت عملية التغيير في شرق أوروبا، ومنها منظمة "التضامن" البولندية، و"الميثاق 77" في تشيكوسلوفاكيا بعيدة عما طرحه هذا الكتاب من تفاصيل وأحداث.

ولم يكن أيضاً الرئيس الروسي الأسبق بوريس يلتسين بعيداً عن صفحات هذا الكتاب بما أسهم به من تحركات ونشاط عاد من خلاله كثير من المنظمات ووسائل الإعلام الغربية الهوى والمنشأ إلى الساحة السوفياتية، في الإطاحة بالنظام السوفياتي وتصفية الدولة مع نهاية عام 1991.

كما أنه لم يكن من الطبيعي أن يصدر هذا الكتاب في مثل هذا التوقيت الذي تشارف فيه فترة الولاية الرابعة للرئيس فلاديمير بوتين على نهايتها، من دون التطرق إلى كثير من مراحل وتضاريس وتقلبات الأحداث في غضون ما يزيد على 20 عاماً كان الرئيس بوتين نجمها الرئيس إن لم يكن الأوحد. وهو ما قد نعود إليه في وقت لاحق لاستعراض مفرداته التي تناولها المؤلفان في ما يزيد على 14 حلقة من حلقاته العاصفة والمثيرة.

المزيد من تقارير