Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

خطة إسرائيلية لمكافحة الجريمة "المتغلغلة" في المجتمعات العربية

تقدر الشرطة أن هناك العديد من الأسلحة التي دخلت إلى البلاد من الأردن ولبنان عقب نجاح عمليات تهريب لم يتم رصدها

احتجاجات سابقة ضد جرائم القتل التي تصاعدت في المجتمع العربي داخل إسرائيل (اندبندنت عربية)

يحزم كرم حميد (35 سنة) أمتعته على عجل، ويخرج مهرولاً كي لا يفوته موعد الحافلة. فبعد سنوات مليئة بالقتل وأصوات الرصاص ونحيب الأمهات، قرر حميد هجر الحي الذي ترعرع فيه منذ طفولته وسط مدينة أم الفحم (مدينة عربية شمال إسرائيل) والانتقال للعيش في مدينة حيفا. الوظيفة الجديدة التي حظي بها هناك في هندسة الحاسوب، مكنته من حسم قراره والخروج من وسطه العربي "بلا رجعة".

خلال الأشهر الأخيرة، خرجت الجرائم العنيفة في المجتمع العربي في إسرائيل عن السيطرة، وشهدت تصاعداً خطيراً في جرائم القتل، على الرغم من تعهد الحكومة الإسرائيلية ومسؤولي الأمن بقمعها، إذ ارتفعت حصيلة ضحايا الجريمة منذ مطلع عام 2021 ولغاية اليوم، بحسب المركز العربي للمجتمع الآمن "أمان"، إلى 113 ضحية بينهم 14 امرأة، قرابة 50 في المئة من مجمل عدد الضحايا من دون سن الثلاثين، (الحصيلة لا تشمل جرائم القتل في القدس وهضبة الجولان).

حميد الذي فشل في إنقاذ صديقه الذي قتل رمياً بالرصاص الشهر الماضي، يرى أن حياة الجريمة والعنف وتجارة السلاح التي تغلغلت في المجتمع العربي داخل إسرائيل، باتت كارثيةً ويصعب علاجها. مدينة أم الفحم التي فر هارباً منها، حصدت وحدها ثمانية قتلى منذ مطلع العام الحالي.

يتحدث الشاب عن "واقع مرير ومؤلم نعيشه منذ عقود، في كل يوم نستفيق على أخبار القتل والإصابات والطعن، وهناك أبرياء يقتلون بسبب مشاكل صغيرة على قطعة أرض أو ديون أو ركن سيارة وحتى على نظرة. لكي نعيش مستقبلاً آمناً لنا ولأطفالنا على الحكومة أن تكبح الجريمة بطريقة حازمة وشديدة، إنها مسألة قانون ونظام".

رفع الثقة

بداية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، نشرت الحكومة الإسرائيلية خطتها لما سمته "معالجة ظواهر الجريمة والعنف" في المجتمع العربي، للأعوام 2022-2026 بميزانية قدرها نحو 2.4 مليار شيكل (ما يزيد على 746 مليون دولار)، تشمل تفكيك منظمات الإجرام وتقليل ظاهرة الجريمة والعنف في المجتمع العربي، وتقليص الوسائل والأدوات الاقتصادية التي بحوزة منظمات الجريمة، بهدف "رفع مستوى الأمان الشخصي لدى مواطني إسرائيل عموماً، وسكان النقب والمواطنين والسكان العرب خصوصاً"، و"التقليل الجدي" بحسب وصف الخطة، لعدد قطع السلاح غير القانونية لدى مواطنين في المجتمع العربي، وزيادة ثقة الجمهور في جهاز إنفاذ القانون. كما رجحت الخطة الجديدة، زيادة التعاون والمشاركة لممثلين في المجتمع العربي، بمن فيهم رؤساء سلطات محلية عربية وبلديات ومدن مختلطة من أجل تطبيقها، وذلك "لتعزيز وتقوية المناعة المجتمعية لمواجهة ظواهر العنف والجريمة".

قضية الجريمة التي أصبحت مثار جدل ونقاش مستفيض على منصات التواصل الاجتماعي، دفعت وزير الأمن العام الإسرائيلي، عومير بارليف إلى وصف ما يجري بأنه "عقود من الإهمال والخوف"، ونشر تغريدة عبر "تويتر" قال فيها "في أول 100 يوم من تنصيبي، قمت بأكثر مما تم التعامل به مع الجرائم في العقود القليلة الماضية. نعم حياة العرب مهمة".

في ظل الإعلان عن مساعٍ إسرائيلية رسمية حثيثة حسب ما تقول وسائل إعلام إسرائيلية، لكبح الجريمة في المجتمع العربي، شكك آخرون في أن تحقق الخطط الجديدة النتائج المرجوة، استناداً إلى وعود حكومية سابقة كانت قد قطعت في عهد رئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو في إحداث تأثير كبير في العنف، ولم تنفذ.

رئيسة لجنة النهوض بمكانة المرأة والمساواة الجندرية في الكنيست الإسرائيلي عايدة توما سليمان تقول "السلطات الإسرائيلية تحاول مقايضة موقفنا السياسي مقابل المال وكأننا رعايا ولسنا سكان البلاد الأصليين. حاجتنا الحقيقية تكمن في تغيير جذري في السياسات وليس من أجل زيادة المال، وأن يتم التعامل معنا كمواطنين متساوين".

تعليم وتأهيل

وبحسب ما هو معلن، ستسري الخطة على "السكان العرب في بلدات المجتمع العربي، وبلدات البدو في شمال إسرائيل وجنوبها، وبلدات الدروز والشركس، وكذلك السكان العرب في المدن المختلطة ما عدا القدس". وضمن أطر التشغيل والتأهيل والتعليم والتعليم العالي، فإنها ستعمل على زيادة عدد الشبان من جيل 18-24 بنحو 15 ألف شاب. فيما ستسعى لتأهيل سجناء عرب مسرحين في خطة للرعاية من قبل سلطة تأهيل السجناء، وزيادتها بنسبة 30 في المئة.

فتحي أبو يونس، رئيس منتدى أقسام الرفاه الاجتماعي في السلطات المحلية العربية، قال خلال ورشة عمل لطرح احتياجات المجتمع العربي من الموازنة العامة للعامين 2021-2022 "الركيزة الأساسية لعمل السلطات المحلية العربية اليوم هم طواقم العاملين الاجتماعيين، وهذا يدل على الكم الهائل من الفقراء والأوضاع الصعبة التي يعانيها المجتمع العربي، إذ إن 50 في المئة من العائلات العربية تحت خط الفقر، وهذا مؤشر خطير يدفع إلى تردي الأوضاع في مجال الصحة، لأن من لا يملك المال لا يستطيع شراء الغذاء الصحي، ما يدفع أيضاً إلى اللجوء إلى العنف والإجرام. المطالب اليوم هي سن قوانين لضمان مستقبل آمن وغير محدود لأبنائنا، والاندماج في وظائف حكومية رفيعة المستوى".

جمعية سيكوي (مستقلة لدعم المساواة المدنية) أشارت إلى أن هنالك ست بلدات عربية يسكنها أكثر من 20 ألف مواطن لم تتوفر فيها مواصلات عامة، مقابل بلدات يهودية ذات عدد سكان مماثل تتوفر فيها مواصلات، الأمر الذي يعمق الفجوات أكثر، إضافة إلى أن 33 في المئة من قتلى حوادث السير هم من المواطنين العرب. وقالت رغد جرايسي المديرة المشاركة في الجمعية "المطالب الآن هي تخصيص ميزانيات للشوارع والبنى التحتية، وميزانيات لتدريب النساء لقيادة الحافلات، وجمع معلومات عامة حول احتياجات المجتمع العربي وتطبيق كامل للمخطط الشمولي".

فريق خاص

وحسب الخطة أيضاً، فإن الصلاحية في أول ستة أشهر ستعطى لنائب وزير الأمن الداخلي ليكون بمثابة المركز الإداري لعملية طوارئ، يتم في إطارها وضع مكافحة الجريمة في المجتمع العربي كأولوية من قبل الوزراء، وخصوصاً وزارات الأمن الداخلي، والعدل، والمالية، والداخلية، والرفاه والأمان الاجتماعي، ووزارات أخرى حسبما تتطلب الحاجة. ستشمل عملية الطوارئ هذه تركيز جهود إجراءات إنفاذ القانون وفقاً للسياسات التي تحددها تلك الأجهزة والمستشار القانوني للحكومة، من أجل محاربة منظمات إجرام، هذا الأمر سيترافق بتعديلات قانونية.

نائب وزير الأمن الداخلي يوآف سيغالوفيتس وخلال جلسة للجنة الأمن الداخلي في الكنيست (البرلمان) قبل أسابيع عدة، أعلن عن تشكيل فريق عمل خاص من كبار مسؤولي إنفاذ القانون للقضاء على الجرائم المتزايدة في المجتمع العربي في إسرائيل، وقال "لا نتوقع أن ينقلب العالم رأساً على عقب خلال ستة أشهر، ولكن بإمكاننا ضبط العنف الذي خرج عن السيطرة". في حين رد عضو الكنيست عن "القائمة العربية الموحدة" أسامة السعدي خلال الجلسة "لا نريد خططاً على ورق. ما نريده هو معركة شرسة ضد هذه المنظمات الإجرامية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

رقابة قضائية

وبحسب ما أعلن مكتب رئيس الوزراء، فقد شكلت الحكومة قوة عمل للتركيز على قضية الأسلحة غير القانونية، وستدفع وزارة العدل بسلسلة من القوانين، لتزويد أجهزة تطبيق القانون بأدوات أكثر لمحاربة تلك الظاهرة، بما في ذلك الحد الأدنى من العقوبات على المخالفين، وتدخل جهاز الأمن العام (الشاباك) في مكافحة الجريمة، والتفتيش من دون أمر قضائي مع مصادرة الحسابات المصرفية للمشتبه فيهم وممتلكاتهم وسياراتهم. كما أعلنت الشرطة أنها قد تفرض الاعتقال الإداري (حبس بأمر عسكري من دون توجيه لائحة اتهام للمعتقل، ويمتد لستة أشهر قابلة للتمديد) على مشبوهين بارتكاب جرائم قتل، أو من يخططون للقيام بذلك ومنعهم من مقابلة محامين.

المحامي في قسم الحقوق السياسية والمدنية في مركز عدالة لحقوق الأقلية العربية، عدي منصور، أوضح أن "المفهوم القانوني للتفتيش يربط صلاحية الشرطة بتنفيذ التفتيش داخل منازل المواطنين الفلسطينيين، بذريعة وجود أدلة في قضايا جنائية من دون تحديد موعد وقوع الجريمة أو مكانها، ما يعني أن الشرطة ستفتش أي منزل بأي مكان وبأي وقت لمجرد اشتباهها في وجود أدلة. كما تمكن الشرطة من اقتحام أحياء عربية كاملة بحثاً عن مشتبهين، والاكتظاظ السكاني بالبلدات العربية سيحول التفتيش إلى ما يشبه الحملة العسكرية من دون كوابح قانونية جدية أو رقابة قضائية، وهو ما يشكل انتهاكاً صارخاً لحقوق المواطنين الأساسية".

المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية، أفيحاي مندلبليت، اعترض بدوره، على مخطط الاعتقال الإداري، مؤكداً أنه أداة مخصصة للاستخدام ضد الإرهاب فقط، أما في مكافحة الجريمة فيمكن استخدام الأدوات الموجودة بالفعل في سجل القوانين، مع إضافة تعديلات تشريعية محددة عليها.

تجفيف المستنقع

في التاسع من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي وكجزء من مكافحة الجريمة واجتثاثها من المجتمع العربي ضمن الخطة الجديدة، أعلنت الشرطة الإسرائيلية تنفيذها أكبر عملية ضد منظمات الجريمة في المجتمع العربي، تخللها ضبط للأسلحة، واعتقال 64 مشتبهاً. صادرت الشرطة خلال عمليات المداهمة التي ضمت 1600 شرطي من جملة أمور أخرى، 40 بندقية، و13 مسدساً وعبوتين ناسفتين مع نظام تشغيل خلوي يسمح بتشغيلهما في أي وقت. قائد لواء الشمال في الشرطة الإسرائيلية، شمعون لافيه، وصف العملية بـ"أكبر عملية في تاريخ جهاز الشرطة" على صعيد عدد المعتقلين وكمية الأسلحة المصادرة، وأضاف "نعمل على مكافحة العنف والجريمة في المجتمع العربي بكل الوسائل المتاحة".

فيما أكد مفتش الشرطة العام، يعقوب شابتاي، أن الشرطة توظف حالياً 90 في المئة من طاقاتها لمحاربة العنف والجريمة في المجتمع العربي، موضحاً أنه تم دس 16 عميلاً في صفوف عصابات الإجرام وتم فعلاً تفكيك الكثير منها. فيما علق وزير الأمن الداخلي عومر بارليف، على العملية بقوله "لقد قررنا التعامل مع الجريمة والسلاح في الشارع العربي على أنه هدف وطني رئيس. هذا هو الطريق الصحيح لتجفيف المستنقع".

وبعد إعلان الشرطة عن أكبر عملية اعتقال ومصادرة أسلحة في المجتمع العربي، طالب عضو الكنيست ورئيس القائمة العربية المشتركة أيمن عودة، الشرطة بالمزيد من العمل لتنظيف القرى والمدن العربية من كل أنواع السلاح، ومنع وصوله من الضفة والأردن وجمعه واعتقال حامليه، بقوله "نريد مجتمعاً نظيفاً من السلاح، نريد مجتمعاً حضارياً، هذه الحملة تثبت أن الشرطة ليست بحاجة إلى جهاز الشاباك، وأن باستطاعتها مكافحة الجريمة في المجتمع العربي".

فخ بشع

مركز مدار للدراسات الإسرائيلية والكاتب والمحلل السياسي، هشام نفاع، اعتبر أن الخطة الجديدة تخلط بين مواجهة الجريمة وما تسميه الحكومة باللغة الرسمية "أعمال الشغب"، ورأى أن الخطة تخلط بين الجنائي والسياسي، خصوصاً في ظل الحديث عن تفعيل وحدتي "حرس حدود" ضمن مواجهة الجريمة، في إشارة ضمنية بحسب اعتقاده، إلى تظاهرات واحتجاجات سياسية ووطنية للمواطنين العرب الفلسطينيين في إسرائيل. ويقول نفاع "هذا الخلط هو فخ أو حتى أكثر من ذلك، لأنه يعني استغلال وضع بشع قائم من ناحية تفشي الإجرام من أجل تحقيق أهداف سياسية للسلطة وللمؤسسة على حساب ميزانيات، يفترض أن تخصص لمعالجة ومواجهة ومكافحة الجريمة".

بداية نوفمبر، وافق مكتب رئيس الوزراء نفتالي بينيت على الخطة المالية التي ستخصص 30 مليار شيكل (قرابة عشرة مليارات دولار) على مدى خمس سنوات داخل المجتمع العربي، لتطوير العمالة وتحسين الخدمات الصحية والمواصلات، وتشجيع الاندماج في مهن التكنولوجيا الفائقة وتعزيز عمل البلديات والبنى التحتية وغيرها من المجالات، في محاولة حكومية جديدة لسد الفجوات الاجتماعية والاقتصادية وخفض معدلات الجريمة في المجتمع العربي.

تهريب السلاح

يذكر أن الشرطة الإسرائيلية أعلنت مساء الاثنين 22 نوفمبر بحسب قناة 12 الإسرائيلية، أنها ترصد ارتفاعاً حاداً في محاولات تهريب السلاح إلى إسرائيل، وتزعم أن "حزب الله" يسعى لتسليح الفلسطينيين في إسرائيل، استعداداً لهبة شعبية محتملة في البلدات العربية، كتلك التي اندلعت في مايو (أيار) الماضي.

ونقلت القناة عن الوحدة المركزية للتحقيق والاستخبارات في منطقة الشمال التابعة للشرطة الإسرائيلية "يمار"، المعنية بمواجهة الجرائم الخطيرة، "أنها صادرت منذ مطلع العام 140 مسدساً و20 بندقية أخرى، فيما تقدر الشرطة أن هناك العديد من الأسلحة التي دخلت إلى إسرائيل من الأردن ولبنان، في أعقاب نجاح عمليات تهريب لم يتم رصدها".

المزيد من تقارير