Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الحكاية الغائبة في المسرح داخل المسرح في "الليلة نرتجل"

"ثلاثية" من الإيطالي بيرانديلو لسبر أعماق لعبة إبداعية مستحيلة

من تقديم حديث لـ"هذه الليلة نرتجل" (موقع المسرحية)

طبعاً لم يكن للكاتب المسرحي الإيطالي لويجي بيرانديلو تأثير زميله الألماني برتولد بريخت ولا قامته الإبداعية. مع ذلك لا يتردد كثر من النقاد والمؤرخين عن اعتباره إلى جانب بريخت وحتى إلى جانب النرويجي هنريك إبسن، في الصف الأول بين كتاب القرن العشرين حتى وإن كانوا يصنفونه، أيديولوجياً على الأقل، في مقلب مختلف عن مقلب هذين الكاتبين الكبيرين. ولكن لئن كان اسم بريخت قد ارتبط بالمسرح الملحمي كما بالنضال السياسي ضد هتلر ونازييه، والمنفى الذي نتج من ذلك، وكان اسم إبسن سيرتبط دائماً بمسرح الغضب الاجتماعي كما بالدفاع عن حقوق المرأة في مسرحياته الكبرى طارحاً في طريقه جملة من قضايا تمس السلطة والفساد الاجتماعي في قوالب واقعية، فإن اسم بيرانديلو يبدو دائماً أكثر ارتباطاً بالشكل المسرحي وربما أيضاً من خلال ذلك بمسائل تمس وجود الإنسان نفسه وإن يكن في أبعاد وجودية. ولعل هذا يمكّننا من القول بوجود تكامل بين الثلاثية، لا شك أن مجموعه كان من العناصر الأكثر تأثيراً على المتن المسرحي العالمي خلال عقود طويلة من القرن العشرين.

فرادة بدأت شكسبيرية

وفي هذا السياق نعرف أن لبيرانديلو تلك الفرادة التي ميزته وجعلته سيداً من سادة لعبة مسرحية ارتبطت به حتى وإن كان ثمة من يتلمس وجوداً لها في تاريخ المسرح الحديث وصولاً إلى إنجازات شكسبيرية لافتة. وتحمل هذه الفرادة اسم "المسرح داخل المسرح". صحيح أن "المسرح داخل المسرح" تكاد تقتصر على ثلاثية مسرحية لبيرانديلو تتألف من مسرحيات له ستكون الأشهر دائماً بين أعماله والأكثر جذباً للمتفرجين في شتى أنحاء العالم، وكذلك للمسرحيين أنفسهم ممن عرفوا كيف يستسيغون تلك اللعبة المعتبرة لعبة تقنية بشكل أو بآخر، غير أن من المؤكد أيضاً أن تأثيراتها تمتد لتشمل عدداً كبيراً آخر من مسرحيات الكاتب ولو بأشكال مواربة.

قنبلة في الحياة المسرحية

أما بالنسبة إلى الثلاثية التي نشير إليها فتتصدرها بالطبع مسرحية بيرانديلو الأشهر على الإطلاق "ست شخصيات تبحث عن مؤلف" (1921) التي أعطت مسرح بيرانديلو ككل، نكهته وجدّته ووقعت كالقنبلة وسط عالم المسرح منذ عروضها الأولى عند بداية عشرينيات القرن الفائت؛ تليها مسرحية "لكلّ طريقته" التي ما إن عرضت عام 1924 حتى اعتبرت تسير في نسق واحد مع المسرحية الأولى، حتى كانت نهاية ذلك العقد وظهور "هذه الليلة نرتجل" عام 1930 لتقدم مترجمة إلى الألمانية في كونغسبرغ قبل شهور قليلة من تقديمها بالإيطالية في ربيع ذلك العام نفسه. وكان من الواضح بشكلها وأسلوبها وطريقة تعاملها مع الفعل المسرحي والشخصيات المتحركة على الخشبة أنها تختتم متناً بات يعرف منذ ذلك الحين بـ"ثلاثية المسرح داخل المسرح" فاتحة أمام كاتبها نفسه آفاقاً صلبة للخروج من ذلك الأسلوب إنما من دون أن يبتعد عنه بصورة جذرية في إنتاجاته التالية والتي سوف تتواصل ست سنوات أخرى ليكتمل برحيله متن مسرحي فريد من نوعه في الأزمنة الحديثة يصل إلى ما يقارب الخمسين عملاً ناهيك عن كتاباته الأخرى من روائية وقصصية ونقدية وما إلى ذلك.

لعبة ذهنية

ونعود هنا طبعاً إلى "هذه الليلة نرتجل" لنتوقف عندها ليس بوصفها الأهم بين نتاجات ذلك المتن المسرحي/ المسرحي بل لأنها تكاد تفسّر أسلوب بيرانديلو وباتت تبدو لا غنى عنها للدخول حقاً في العالم الذي كان صاغه في المسرحية الأولى ورسّخه في الثانية ليوصله إلى بعده المنطقي ويتركه للخلف في "هذه الليلة نرتجل". ففي هذا العمل يعبر بيرانديلو بشكل واضح عما كان يبدو عرضياً ونوعاً من "اللعب" في المسرحيتين السابقتين: عن ذلك الصراع الذي حوله من لعبة ذهنية وربما أسلوبية أيضاً إلى "موضوع مسرحي" في الثلاثية ككل أو بالأحرى إلى تعبير عن الصراعات الممكنة بين العناصر الأساسية الأربعة التي تكون في مجموعها، وهنا في التناحر بينها بالتحديد، الجوانب الرئيسية من الفعل المسرحي: النصّ، المخرج، والممثلون والجمهور. ويبدو من الواضح لنا هنا أن غاية الكاتب المتجلية في هذا النص إنما تقوم على حسم تلك الصراعات إنما من خلال البرهنة عن "استحالة وجود حكاية درامية عاطفية تسيّر التقديم الذي يلعبه الممثلون على خشبة تتمظهر جوانياً وبرانياً في وقت واحد".

بين التنظير والتطبيق

من الواضح أن هذا الكلام يبدو نظرياً من الصعب استيعابه ولربما تكمن في هذه الصعوبة نفسها رغبة بيرانديلو في تحويله من نص نظري يحاول أن يشرح واقعاً جوانياً إلى مشهد عملي يرمي إلى تقديم الفكرة مجسّدة على المسرح. ولئن كان قد عبر عن ذلك من خلال أولئك الأشخاص الذين يغزون صالة مسرح باحثين عن مخرج يصور تشابك علاقاتهم وصراعاتهم كعائلة "حقيقية" وشخوص مسرحية في المسرحية الأولى، فيما تنطلق الثانية من خبر صحافي عن انتحار نحات بسبب خيانة امرأته له والعمل على تحويل الحكاية إلى فعل مسرحي مع استحالة ذلك، تنطلق "هذه الليلة نرتجل" من فكرة أكثر طرافة وتركيبية تتمحور من حول جوقة تعمل لمسرحة قصة قصيرة لبيرانديلو نفسه عنوانها "وداعاً ليونورا!"، تحت إشراف مخرج الفرقة ومديرها الدكتور هنكفاسّ الذي يعلم ممثليه منذ البداية بأن عمله يقوم على جعلهم يرتجلون هذه الليلة التقديم المسرحي للقصة كما يدعوهم روح القصة إلى ذلك، وأن هذا العمل ينبع من تمسكه بضرورة أن يقوم نص القصة بـ"مسرحة نفسه بنفسه" ليس من خلال كون أعضاء الفرقة ممثلين، بل من خلال كونهم شخوص القصة نفسها.

بين التخطيط والارتجال

وهكذا بعد سجالات حامية بين الممثلين وهم في طريقهم للتحول إلى شخوص، وبين الدكتور المخرج وهو مصر على ترك النص يشتغل على هواه من خلال لعبة ارتجالية سيبدو أن من الصعب عليه حتى هو أن يمسك بخيوطها. (وكيف يمكن فرداً أن يمسك بخيوط حدثية وحوارية تقوم أصلاً على الارتجال؟) تستقيم اللعبة في نهاية الأمر وقد باتت تتحرك على مستويات عدة ولاسيما حين يروح الشخوص وكل في مجال "الدور" الذي حدده لنفسه وهو في طريقه للاقتناع بالطرح الذي فسره المخرج، يكتشفون علاقات جانبية لكل واحد منهم ليس فقط بالحدث بصورته الإجمالية، بل حتى بالشخصيات المسرحية نفسها وصولاً إلى "اكتشاف" قرابات عائلية وتشابه حتى في الملامح وما إلى ذلك. وكل هذا فيما الدكتور هنكفاس يستغل بين الحين والآخر تلك الاكتشافات "المرتجلة" ليخلق من حولها مشاهد ميلودرامية صغيرة تكشف بالتدريج ما كنا نجهله في بداية الأمر عن حياة تلك الأسرة التي يدور الفعل المسرحية الأساسي من حولها وتتحول بالتدريج إلى استيعاب أعضاء الفرقة إلى درجة تنتفي معها الفوارق بين الممثلين وأدوارهم ولا يعود النص نفسه ضرورياً فيما يتحول المخرج من قائد أوركسترا تبدو الحاجة ماسة لوجوده ولو لضبط الإيقاع إلى منظم لموسيقى الحجرة لا يحتاجه أحد.

 

همّ إبداعيّ

إزاء هذا من الواضح أن الحكاية نفسها، والتي تدور أصلا من حول عائلة كروتشي التي تنتقل من نابولي إلى صقلية متطلعة لنقديم مسرحية فإذا بالأب وهو مهندس مناجم في الأصل يكتشف في كاباريه تقصده العائلة وجود فتاتين في فريق كورس نسائي يغني هناك، تشبهان واحدة من بنتيه بشكل بالغ الغرابة. مهما يكن، من الواضح هنا أن هذا "الحدث" المسرحي ليس هو العنصر الأكثر أهمية، بل هو العنصر المحرك، لا أكثر، لفعل مسرحي يتطلع، كما الحال في مسرحيتي "الثلاثية" السابقتين، إلى إعادة اختراع اللغة المسرحية من حول تلك الصراعات رباعية الأطراف التي أشرنا إليها قبل سطور. ومن الواضح أن هذا "الهمّ" الإبداعي الذي تجلى بكل قوته في الثلاثية، سوف يظل مسيطراً على إبداع لويجي بيرانديلو (1867 – 1936) عبر مسرحياته وأساليبه الكتابية التي أعطته تلك المكانة التي لا يمكن تجاهلها في إبداعات القرن العشرين.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة