Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أم بريطانية تجرد من جنسيتها وتترك لمصيرها في سوريا

تريد المملكة المتحدة تمرير مشروع قانون يوسع صلاحياتها بتجريد البريطانيين من جنسيتهم... تلتقي بيل ترو عائلات منسية في مخيم روج شمال شرقي سوريا

أطفال في مخيم روج شمال شرق سوريا (بيل ترو)

سارة، أم بريطانية، عالقة في معسكر اعتقال في سوريا، تشرح لي كيف أنها لم تعلم بسحب جنسيتها منها إلا بعد مرور عام على حدوث ذلك، بسبب فشل حكومة المملكة المتحدة في إبلاغها.

تحدثت سارة، التي تم تغيير اسمها، إلى "اندبندنت" من مخيم روج مترامي الأطراف والمتداعي، الواقع وسط الصحراء في شمال شرقي سوريا. إنه مأوى لأكثر من 2500 امرأة وطفل من الأجانب، بما في ذلك عديد من المعتقلات المولودات في بريطانيا، مثل سارة وشميمة بيغوم، اللتين غادرتا المملكة المتحدة قبل عدة سنوات للعيش في ظل خلافة "داعش". احتمالات عودة سارة إلى بريطانيا ضئيلة، لكن حالتها ليست استثنائية.

قامت المملكة المتحدة بتجريد العشرات من جنسيتهم البريطانية من أجل "الصالح العام" في السنوات الأخيرة، وتضغط الحكومة الآن من أجل تخويلها القيام بذلك من دون سابق إنذار، وهو تكتيك يقول الخبراء القانونيون إنه سيقطع الطريق فعلياً أمام أي فرصة للاستئناف.

تعمل الحكومة البريطانية على صياغة مشروع قانون مثير للجدل من شأنه تمكين المملكة المتحدة من سحب جنسية أي شخص من دون إخطاره في عدد من الظروف.

 

أثار هذا الاتجاه والتغيير القانوني المقترح القلق بين النشطاء والمنظمات غير الحكومية والمشرعين البريطانيين الذين يقولون إن على المملكة المتحدة تحمل مسؤولية مواطنيها بدلاً من التخلي عنهم في الخارج، مضيفين أنه في حالة سوريا، تمت استمالة عديد من النساء والفتيات عبر الإنترنت، وإنهن ضحايا الاتجار بالبشر ويحتجن إلى دعم.

تريد المجموعة الحقوقية العالمية "ريبريف" (وقف التنفيذ)، التي تساعد أشخاصاً مثل سارة، أن تعيد المملكة المتحدة هؤلاء الأفراد إلى الوطن، حتى لو عنى الأمر أنهم سيواجهون في نهاية المطاف محاكمات بتهم تتعلق بالإرهاب، لكن رجوع هؤلاء الأشخاص شبه مستحيل إذا لم يعودوا يعتبرون بريطانيين.

بين عامي 2017 و2018، زاد استخدام المملكة المتحدة الصلاحيات المثيرة للجدل لسحب الجنسية البريطانية أكثر من ستة أضعاف، حيث ارتفع العدد من 14 إلى 104 حالات، وفقاً لأحدث البيانات المتاحة للجميع.

زعم أن عديداً من الأشخاص المستهدفين لهم صلات بـ"داعش"، في مسعى إلى حيلولة الحكومة دون عودة المتطرفين و"الجهاديين" من سوريا.

تقول سارة، التي تعاني وهناً شديداً لدرجة تجعل المشي تحدياً بالنسبة لها، إنها لم تعلم بسحب جنسيتها إلا هذه السنة عندما تحرت عائلتها في المملكة المتحدة عن طريق الصدفة عن الأمر واتصلت بها لإبلاغها.

تقول من قلب المخيم، بينما كان طفلها يرسم بهدوء صوراً على قصاصة من الورق: "لم أكن أعرف شيئاً إلى أن أخبرني [قريبي] أنه سيجمع مزيداً من المعلومات، لأنه سمع بتجريد كل الأشخاص الموجودين هنا من جنسيتهم... لقد صدمت عندما اكتشفت الأمر في النهاية. لم يخبرني أحد بأي شيء. لا أعرف أي مكان آخر سوى المملكة المتحدة. عائلتي كلها موجودة هناك".

تقول سارة، التي وافقت على التحدث بشرط عدم الكشف عن هويتها، إن هذا التكتيك ترك عائلتها في مأزق خطير وإنه غير منصف، خصوصاً بالنسبة لأطفال النساء المتضررات.

تقول السيدة الملتزمة دينياً، إنها لحقت بزوجها في عام 2014 إلى الرقة، عاصمة خلافة "داعش"، وانفصلت عنه عندما وصلت إلى المدينة الواقعة شمال سوريا.

تزعم سارة أنها جردت من هاتفها ووثائقها وهددت وأسرتها من قبل مقاتلي "داعش" بالقتل إذا حاولوا الفرار. لم تتمكن "اندبندنت" من التحقق من هذه المزاعم.

تقول لـ"اندبندنت": "لقد لحقت بزوجي، كان هذا أكبر خطأ. أشعر بالندم كل يوم على ذهابي إلى هناك [إلى الرقة]... يجب أن يعيدوا المواطنين البريطانيين إلى المملكة المتحدة، إذا كنا مذنبين فنحن كذلك، وإذا كنا أبرياء فنحن أبرياء. أنا مستعدة لمواجهة المحاكمة... أمي وأبي وإخوتي في المملكة المتحدة، أحتاج إلى أن أعود إلى عائلتي. إنها المكان الذي أنتمي إليه، إنها المكان الوحيد الذي أعرف".

سارة هي واحدة من أكثر من 900 شخص يعتقد أنهم سافروا إلى سوريا والعراق من المملكة المتحدة للانضمام إلى داعش. وتشير التقديرات إلى أن نصفهم قد عاد، لكن تمت محاكمة نحو 40 منهم فقط في المحاكم البريطانية.

يعتقد أن هناك عشرين عائلة بريطانية محتجزة حالياً في شمال شرقي سوريا، من بينهم جدة بريطانية، من شمال إنجلترا أيضاً، تمكن الإشارة إليها فقط باسم D4 [المحتجزة رقم أربعة] لأسباب قانونية.

مثلها مثل سارة، تعيش السيدة في مخيم روج منذ أوائل عام 2019 بعد أن تم القبض عليها وهي تغادر أراضي "داعش". في ديسمبر (كانون الأول) من عام 2019، جردتها المملكة المتحدة من جنسيتها. على كل حال، لم تبلغ بالقرار إلا في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2020 بعد أن طالب محاموها بإعادتها إلى الوطن.

استأنفت دي 4 القضية، وأمرت المحكمة العليا في أغسطس (آب) بأن قرار الحكومة "باطل ولا أثر له [غير سار]" لأن الحكومة تجاوزت سلطاتها القانونية بإزالة جنسيتها البريطانية من دون إخبارها.

وجاء في الحكم: "من أبسط المسلمات، أنك لا توجه إشعاراً بشيء ما إلى شخص ما عن طريق وضعه في درج مكتبك والإقفال عليه... لن يعتبر أي شخص يجيد الإنجليزية [الأساسات] أن هذا التصرف الذي تم في الخفاء بالكامل هو طريقة لـتبليغ الإشعار".

وهذا ما تأمل الحكومة البريطانية تغييره.

وتستأنف الحكومة الحكم الصادر في أغسطس (آب) وتحاول تمرير مشروع قانون الجنسية والحدود الذي من شأنه أن يوسع نطاق صلاحياتها لسحب الجنسية من الأفراد.

وتقول مجموعة "ريبريف" إن مشروع القانون غير ضروري وتمت دراسته بطريقة تلحق "أقصى قدر من الضرر والصدمة" بالأفراد وأطفالهم وعائلاتهم.

رداً على ذلك، قال متحدث باسم وزارة الداخلية: "الجنسية البريطانية امتياز وليست حقاً... إن الحرمان من الجنسية لأسباب مبررة [مثبتة] هو حق نحتفظ به عندما يتعلق الأمر بالأشخاص الذين يشكلون تهديداً للمملكة المتحدة أو الذين ينطوي سلوكهم على ضرر جسيم".

وقالت وزارة الداخلية إنها تحاول دائماً إرسال إشعار بسحب الجنسية عند اتخاذ مثل هذا القرار، ودافعت عن مشروع القانون الجديد، قائلة إنه لا يوسع سلطتها لإلغاء الجنسية.

وأضاف المتحدث: "سيعدل مشروع قانون الجنسية والحدود القانون بحيث يمكن الحرمان من الجنسية في حالات لا يكون فيها إعطاء إشعار ممكناً، على سبيل المثال، إذا لم توجد طريقة للتواصل مع الشخص".

يعدل المشروع قانون الجنسية البريطانية الحالي لعام 1981، ويعفي الحكومة من الاضطرار إلى تقديم إشعار إذا لم يكن ذلك "ممكناً بشكل معقول"، أو لم يكن الإبلاغ في مصلحة الأمن القومي أو العلاقات الدبلوماسية، على سبيل المثال.

على كل حال تقول مايا فوا - مديرة مجموعة ريبريف - إن هذا كان "من تدبير وزارة الداخلية" وإنه "مضلل على نحو خطير".

 

علمت "اندبندنت" أنه بإمكان وزير الداخلية فعلياً تجريد المواطنين البريطانيين سراً من جنسيتهم على أساس أن وزارة الداخلية تعتبر الأمر يصب في "المصلحة العامة" أو لأن إخطار المواطنين من شأنه أن يضر بالعلاقات الخارجية بطريقة أخرى.

قالت فوا: "من الناحية العملية، ما يعتبر "ممكناً" [في المتناول] سيكون حسب مزاج وزير الداخلية... إن بإمكان بريتي باتيل بالفعل سحب جميع الحقوق التي يمنحك إياها جواز سفرك البريطاني بمجرد إشارة مبهمة إلى "المصلحة العامة"، ووصفت التجريد من الجنسية بأنه "تنازل فظيع من الحكومة عن مسؤوليتها حماية المواطنين البريطانيين... تريد [السيدة باتيل] الآن أن تكون قادرة على القيام بذلك حتى من دون إرسال رسالة إلى آخر عنوان معروف لك في المملكة المتحدة. اعتبار أنه من غير "الممكن" إرسال إشعار بالبريد يعصى التصديق".

وتقول مجموعة "ريبريف"، إن المشروع يلغي فعلياً الحق في الاستئناف لأنه من المرجح أن يحل الموعد النهائي للتقدم باستئناف قبل أن يدرك الفرد أنه لم يعد بريطانياً.

تعتقد المجموعة أن التغيير المقترح للقانون سيكون إشكالياً أكثر في حالات النساء المحتجزات بسبب المزاعم بارتباطهن بـ"داعش" في سوريا.

وذكر تقرير لـ"ريبريف" نشر هذا العام أن 63 في المئة منهن - بمن فيهن شميمة بيغوم التي تمت استمالتها عن طريق الإنترنت عندما كانت في الخامسة عشرة من عمرها فقط - كن ضحايا للاتجار بالبشر.

قالت فوا: "لا تميز الحكومة بين الأشخاص الذين يحتمل أنهم ضحايا الاتجار وأولئك الذين ربما ارتكبوا جرائم"، مضيفة أن ذلك قد يفتح الباب أمام الجماعات الإرهابية لممارسة الاتجار في المستقبل. وتابعت: "من غير المعقول أن نتصدى لهذه المشكلة بترك العائلات البريطانية تتعرض للموت في الصحراء أو ما هو أسوأ من ذلك".

كما أثار الارتفاع الكبير في حالات تجريد الناس من جنسيتهم، إلى جانب مشروع القانون المقترح، انتقادات شديدة من نواب بريطانيين، وتسبب في انقسامات داخل البرلمان.

يرأس النائب المحافظ أندرو ميتشل حالياً مجموعة "بريطانيون متاجر بهم في سوريا" (وهي مجموعة برلمانية تضم جميع الأحزاب)، التي تسعى إلى الوصول إلى تسوية في قضايا أشخاص من المملكة المتحدة تم الاتجار بهم على يد داعش، وهم محتجزون الآن في شمال شرقي سوريا.

وقال النائب ميتشل لـ"اندبندنت": "من غير الصواب ألا تتحمل المملكة المتحدة، وهي العضو البارز في مجلس أمن الأمم المتحدة، مسؤوليتها بهذه الطريقة. علينا أخذ مسؤولية هؤلاء الأشخاص على عاتقنا وعدم استخدام الجنسية كسلاح... ترك البريطانيين عالقين في مكان لا يخضع لسلطة القانون ليس في مصلحة أي طرف، بما في ذلك مصلحتنا... التجريد التعسفي من الجنسية ليس في مصلحة أي مواطن بريطاني".

هناك مخاوف أيضاً من أن يؤدي هذا الإجراء إلى جعل عديد من النساء والأطفال في شمال شرقي سوريا من دون جنسية فعلياً. ففي حين أن قانون الجنسية البريطانية لعام 1981 ينطبق فقط على مزدوجي الجنسية المولودين في المملكة المتحدة أو أولئك الذين يطالبون بجنسية ثانية، فإن هذا لا يأخذ في عين الاعتبار حقيقة أن عديداً من الحكومات الأخرى ترفض الاعتراف بالأشخاص الذين لهم صلات بـ"داعش"، أو إعادتهم إلى الوطن.

على سبيل المثال، فقدت شميمة بيغوم جنسيتها البريطانية في فبراير (شباط) عام 2019، لكنها تطالب بالجنسية البنغلاديشية من خلال والدتها.

على أية حال، قال وزير خارجية بنغلاديش، إن بلاده "لا تريد أي صلة" بالسيدة بيغوم. وحذر عبدالكلام عبدالمؤمن في عام 2019 من أن بيغوم "ستواجه عقوبة الإعدام" بتهمة الإرهاب إذا وطئت قدمها البلاد، مما تركها عالقة في الصحراء السورية.

وقالت المديرة الإدارية لمخيم روج لـ"اندبندنت" إن عبء الرعاية قد ألقي على عاتق السلطات الكردية، التي تواجه صعوبات لرعاية عشرات الآلاف من الأجانب في مخيمات اللاجئين والسجون، فضلاً عن عشرات الآلاف من النازحين السوريين.

وقالت المديرة التي رفضت الكشف عن اسمها لأسباب أمنية: "إنه وضع صعب للغاية بالنسبة لنا، فبعض الدول لا تسأل حتى عن مواطنيها... هؤلاء المواطنون ليسوا مشكلتنا. نحن نقوم بدورنا ونبذل قصارى جهدنا، ولكننا بحاجة إلى المساعدة وحلول فعلية".

قالت إن قلقها يبلغ أشد درجاته حيال الأطفال الذين تعاقبهم الهيئات فعلياً، ويعيشون في ظروف سيئة لا يتوفر فيها إلا النزر اليسير من الرعاية الطبية والتعليم.

قالت منظمة "سايف ذا تشيلدرن" [أنقذوا الأطفال] في سبتمبر (أيلول) إن الأطفال، بما في ذلك البريطانيون، يهلكون في المخيمات السورية، حيث يتزايد العنف.

وبحسب بياناتها، لقي ثلاثة أطفال مصرعهم وأصيب اثنان بجروح خطيرة في حريقين منفصلين في مخيم روج العام الماضي بعد انفجار مدافئ أدى إلى اندلاع حريق. وفي الوقت نفسه، في مخيم الهول المماثل لمخيم روج، توفي اثنان وستون طفلاً خلال العام الماضي، بمعدل طفلين كل أسبوع.

وفقاً لإحصاءات "اندبندنت"، قامت الحكومة البريطانية حتى الآن بإعادة سبعة أطفال من شمال شرقي سوريا إلى الوطن، وهذا عدد أدنى بكثير مما قامت به الدول الأخرى. ففي شهر أكتوبر وحده، أعادت ألمانيا والدنمارك سبعة وثلاثين طفلاً وإحدى عشرة امرأة في عملية مشتركة.

بكل الأحوال، فإن معظم النساء في شمال شرقي سوريا لا يرغبن - مثل سارة - في الانفصال عن أطفالهن. وتقول الجماعات الحقوقية إن الأطفال يجب أن يظلوا مع أولياء أمورهم.

قالت السيدة فوا من مجموعة "ريبريف": "إذا كانت حكومة المملكة المتحدة جادة في قلقها حيال رفاهية ومصالح الأطفال البريطانيين في شمال شرقي سوريا، فعليها التعجيل في إعادة العدد الصغير من العائلات البريطانية إلى الوطن وجعلها أولوية...قد يكون فصل الصغار عن عائلاتهم بمثابة إلحاق صدمة عمدية بالأطفال الذين تعرضوا لأذى هائل".

قالت الأمهات الأجنبيات اللاتي تحدثن لـ"اندبندنت" في معسكري روج والهول إن أطفالهن كانوا الأكثر معاناة في المخيمات، حيث لم يكن بإمكانهم قضاء سوى ساعة في اليوم في الهواء الطلق بسبب العنف، في حين وصفن التعليم الذي كان الأطفال يتلقونه بأنه بدائي.

تقول سارة إنها قلقة على مستقبل طفلها، موضحة: "لا يحصل الأطفال على التعليم المناسب، إنهم يتعلمون من أمهاتهم... في ظل غياب التعليم والأمل بالمستقبل، ونحن نعيش في طي النسيان، أخشى أن يصبح طفلي متطرفاً... لا أعرف إلى أين سأذهب إذا قالت المملكة المتحدة إنني لا أستطيع العودة - إذا لم يتمكن أحد من العودة. أعتقد أنني سأصاب بالجنون... أنا على استعداد لمواجهة المحاكمة وحتى مساعدة النساء الأخريات اللاتي هن في وضع مماثل للوضع الذي كنت فيه. سأقنعهن بعدم الذهاب. وجودي في الرقة في نهاية المطاف هو أكثر ما أندم عليه في حياتي".

© The Independent