Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إلزامية اللقاح في مصر... تساؤلات حول التطبيق

الإيمان بالقضاء والقدر متشابك ومتداخل مع التمسك بضرورة الوقاية التي هي خير من العلاج

يُقبل المواطنون المصريون بشكل كبير على مراكز التلقيح الثابت منها والمتنقل هذه الآونة (أ ف ب)

سجال وجدال، لمس أوراق وتلاصق أجساد، كمامات تغطي الأنوف ثم ما تلبث أن تنزلق إلى ما أسفل الذقن بقليل، قسم بالله العظيم والعيال وحتى "إنشالله أطلق المدام" بسلامة البدن وتمام الصحة. وفي المقابل قسم أعنف وتأكيد أعتى بأن القرار 2750 لسنة 2021 لا يعترف إلا بورقة رسمية مفادها حصول حاملها على لقاح كورونا.

اللافتات معلقة في كل مكان. بعضها "عريضة" تستغرق قراءتها دقائق كثيرة، والبعض الآخر ملخص لما ورد في القرار التاريخي 2750 الصادر عن رئيس مجلس الوزراء المصري مصطفى مدبولي. المهم أن كلمة "ممنوع" مطبوعة بالبنط العريض وباللون الأحمر القاني.

كلنا في اللقاح سواء

القرار ينص على "حظر دخول العاملين في وحدات الجهاز الإداري للدولة من وزارات ومصالح وأجهزة حكومية ووحدات الإدارة المحلية والهيئات العامة وغيرها إلى مقار عملهم، إلا بعد التأكد من الحصول على أي من اللقاحات المضادة لفيروس كورونا، وذلك من خلال الشهادة المعدة لهذا الغرض، والتي تصدر من الجهة الإدارية المختصة أو تقديم شهادة في بداية أيام العمل من كل أسبوع بسلبية نتيجة تحليل PCR لم يمض على إجرائه أكثر من ثلاثة أيام، وذلك بدءاً من 15 نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري".

النقاش الجاري بين الموظف المسؤول عن التأكد من "شهادة التطعيم" أو الاختبار المؤكد بأن حامله غير مصاب بالفيروس اللعين وبين المواطن كان مفاده "كلنا في وجوب التطعيم سواء". تصور المواطن أن وجوب التلقيح مطبق على الموظفين الحكوميين فقط، لكن قارئي نص القرار قليلون.

الموظف أخبر المواطن أن المواطنين سيلحقون بهم بدءاً من أول ديسمبر (كانون الأول) المقبل. ضحك الجميع وقال أحدهم "كلنا في التطعيم سوا".

القرار في مادته الثانية ينص على "حظر دخول المواطنين إلى مقار الجهات السابقة إلا بعد التأكد من تلقي اللقاح أو تقديم شهادة بسلبية نتيجة تحليلPCR ، وذلك بدءاً من أول ديسمبر المقبل.

يُقبل المواطنون بشكل كبير على مراكز التلقيح الثابت منها والمتنقل هذه الآونة. المناقشات الجانبية بين بعضهم أثناء الانتظار تكشف عن رغبة فئة في تلقي اللقاح بغرض الوقاية والحماية، وأخرى تؤكد أن السبب الوحيد هو تسهيل عملية دخول المصالح الحكومية لتخليص أوراق ومعاملات نظراً لطبيعة العمل.

 

لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا

أحمد محمود (38 سنة) (مندوب معاملات في شركة خاصة) يقول إن عمله هو تخليص أوراق ومعاملات خاصة بالشركة في بنوك ومصالح حكومية، وإن القرار الصادر أخيراً بمنع دخول المواطنين غير الملقحين يعني أن عمله مهدد. أما ما يختص بقدرة اللقاح على الحماية والوقاية وليس فقط تيسير دخول المصالح الحكومية، يقول بلا اكتراث "كورونا أو غير كورونا، قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا. لو ترك الأمر لي فلن أتلقى اللقاح. أنا مؤمن بقضاء الله وقدره".

الإيمان بالقضاء والقدر متشابك ومتداخل مع الإيمان بضرورة الوقاية التي هي خير من العلاج. فنسبة ليست بقليلة من المصريين باتت لا تخطو خطوة من دون سؤال "الشيخ" عن موقف الخطوة في الشرع، فقد بادرت المؤسسات الدينية الإسلامية "الرسمية" إلى التأكيد على "ضرورة الحصول على اللقاح لأن الامتناع عنه قد يجلب الضرر للشخص ومن حوله".

الباحث في الأزهر الشريف أبو اليزيد سلامة يقول إن تلقي اللقاح حق وواجب قانوني يجب على الإنسان أن يلتزم به طالما الدولة حتمته. وأضاف أن الامتناع عن تلقي اللقاح يجب ألا يحدث إلا لسبب صحي ضروري، وحينئذ يجب أن يتم إخبار المسؤولين بذلك بالطرق الرسمية والقانونية، مشيراً إلى أن مثل هذه المسائل "قانونية وليست شرعية".

نشوء وارتقاء شرعية اللقاح

شرعية اللقاح مرت بمراحل النشوء والارتقاء منذ بزغت الأخبار الأولية بتوصل مراكز بحثية غربية للقاحات مضادة للفيروس. فعلى مدار أشهر طويلة، مرت مصر والمصريون بأسئلة وفتاوى عن جواز تلقي اللقاح لو كان فيه مشتقات خنزير، وعدم إبطاله صوم رمضان، وحكم تلقي الزوجة للقاح في حال رفض زوجها إلى أن وصل قطار الإفتاء إلى "وجوب الخضوع له" حماية للنفس والآخرين.

واقع الحال مختلف

واقع الحال في الشارع المصري لا يشير إلى إيمان عميق باللقاح أو تشبث رهيب بإجراءات الوقاية أو قلق بالغ من فيروس غير ملامح الكوكب ومن عليه. وعلى الرغم من الشريط الخبري الظاهر أسفل الشاشات والذي يشير إلى أنه تم تحرير ثماني مخالفات في محافظة البحيرة و11 في الدقهلية و22 في المنيا وبضع مئات في القاهرة والجيزة، إلا أن رؤى العين في الشارع ووسائل المواصلات العامة والمراكز التجارية تشير إلى أن الغالبية المطلقة لا ترتدي كمامات أو تتبع إجراءات احترازية في التباعد وتطهير الأيدي وغيرها، وهو ما يعكس عدم اهتمام بالوباء من الأصل.

لكن لاستطلاعات الرأي الرسمية "رأياً" آخر. مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار في مجلس الوزراء المصري أجرى استطلاعاً للرأي حول قرار منع دخول الموظفين الحكوميين مقار أعمالهم إلا في حال حصولهم على اللقاح. وأظهرت النتائج أن 69.5 في المئة يؤيدون القرار، وأن 2.2 في المئة أيدوه لكن بشروط، وأهمها أن يكون اللقاح فعالاً ومن دون آثار جانبية، ويتم توفيره بسهولة مع إعطاء الموظفين مهلة أطول من المقررة. واعترض 14.1 في المئة على وجوب التلقيح، ولم يحدد 14.2 في المئة موقفهم من المسألة.

وأيد 62.7 في المئة من المستطلعة آراؤهم قرار منع المواطنين غير الحاصلين على اللقاح من دخول المصالح الحكومية بدءاً من أول ديسمبر المقبل. وأيده بشروط 3.1 في المئة، واعترض عليه 20.9 في المئة، ولم يحدد 13.3 في المئة موقفهم.

 

الحق في الاختيار

وبين قطاعات لا تكترث كثيراً لمسألة الوباء، وأخرى تخشاه لكن تفضل عدم تلقي اللقاح، وثالثة لا تخشاه لكن أقبلت على تلقي اللقاح لعدم تعطيل أعمالها في المصالح الحكومية، ورابعة تخشاه وتكترث له وتؤمن بأهمية اللقاح بغرض الوقاية للنفس والغير، تختفي بشكل شبه تام "مدرسة الحقوق والحريات المتضاربة ومبدأ الإجبار على تلقي اللقاح".

الجدل المستعر غرباً حول "قانونية" إجبار الحكومات وفي أقوال أخرى مطالبة الحكومات مواطنيها بضرورة تلقي اللقاح ومدى قانونية ذلك، ومقدار خرقه لقواعد ومبادئ وقيم حقوق الإنسان وحرية الاختيار "شبه المقدسة" في بلاد بعيدة، يكاد يكون غائباً تماماً في مصر، إلا في دوائر متناهية الصغر يكاد صوتها يكون غير مسموع تماماً.

فيما يُشبه الجماعات السرية التي تتداول أفكاراً تعرضها للخطر، تتناقش ثلة قليلة على أثير منصات التواصل الاجتماعي حول حق الدولة – أي دولة- في إجبار مواطنيها على تلقي لقاح أو حتى علاج. الحجج المتداولة من حق الإنسان في تقرير ما يريد واختيار ما يناسبه لا شعبية لها خارج حدود الأثير المحدود جداً.

الإلزامية والفعالية

لكن أصواتاً أعلى قليلاً تتداول مسألة إلزامية اللقاح من منطلق فعاليتها في تقليص خطر الفيروس وتحجيم الوباء. أستاذ طب الأطفال وقلب الأطفال في كلية طب جامعة القاهرة وائل لطفي، يقول "على الأقل بالنسبة إلى سلالة دلتا المهيمنة عالمياً حالياً، فهي تنتشر بطريقة أسهل من الحصبة والجدري المائي، وهذا يعني أن المصاب الواحد في المتوسط يعدي من ثمانية إلى تسعة أفراد، ولذلك فإن مناعة القطيع التي كانت بعض الدول تحاول بلوغها من أجل القضاء على عدوى كورونا صارت حالياً بلا معنى، إذ إن تطعيم كل مواطني دولة ما -وهذا غير ممكن - لن يوقف انتشار العدوى". ويؤكد لطفي أن "الأفراد الحاصلين على اللقاح قادرون على نشر المرض مثلهم مثل غير الحاصلين على اللقاح، وهذا كله حتى بافتراض عدم انتشار سلالات جديدة مخادعة من الكورونا، بعضها موجود بالفعل على نطاقات ضيقة".

ويضيف لطفي أن المتخصصين يعتقدون حالياً أن فائدة التطعيمات المتاحة تكمن في تقليل نسبة تطور بعض الإصابات لدرجة الخطورة، كما أنها عامل مهم لتقليل الوفيات وتساهم في تخفيف الضغط على المرافق الصحية. ويضيف "مع الأسف هذه الفائدة تتناقص بمرور الزمن بعد تلقي اللقاح".

وهو يرى أن الأولوية يجب أن تكون لوجوب ارتداء الكمامات باعتبارها العامل الأهم في السيطرة على الجائحة. كما يقترح منع علاج غير الملقحين على حساب الدولة أو التأمين الصحي، وليس منعه من الحصول على الخدمات الحكومية أو التنقل بحرية، باعتبار أنه لا يضر إلا نفسه بامتناعه عن تلقي اللقاح.

وفي المقابل، يرى المتخصص في السياسات الصحية علاء غنام والباحث في ملف الحق في الصحة أحمد عزب في مقال عنوانه "إلزامية وأولويات الحصول على اللقاح"، أنه على الرغم من ما سماه "التطعيم الإجباري"، إلا أن أحداً لا يتحدث عن اللجوء إلى القوة أو التهديد بعقوبة في حالات عدم الامتثال. سياسات "التطعيم الإلزامي" تحد من الاختيار الفردي بطرق عدة عن طريق جعل التطعيم شرطاً على سبيل المثال للذهاب إلى المدرسة أو العمل، وذلك بالتزامن مع نشر المعلومات الصحيحة عن أهمية التطعيم والقيام بحملات للتوعية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويتابعان أن "كل اللقاحات التي وافقت عليها منظمة الصحة العالمية يجب الثقة بها، وأن مبدأ الإلزامية لا يقيد الحرية الشخصية. وحتى الدول الليبرالية فيها برامج تطعيم إجبارية".

يشار إلى أن شهادة "تطعيم كوفيد-19" باتت إلزامية في سياقات عدة في الحياة اليومية في دول عدة. وعلى الرغم من عدم الإجبار الحصول عليها، إلا أن من لا يحملها يمنع من دخول العديد من الأماكن بما فيها المطاعم والمقاهي، أو يتحتم عليه تقديم نتيجة اختبار حديث يثبت خلوه من الفيروس، وهو الاختبار الذي كانت توفره دول غربية عدة من دون مقابل، ثم أصبح بمقابل بعد إتاحة اللقاحات للجميع. بمعنى آخر، ربما لا تذكر دول غربية عدة كلمة "إجباري" في الحصول على اللقاح، لكنه يتحول إلى إجباري فعلياً من خلال التضييق على غير الملقحين.

ضرب الشهادات

هناك أيضاً تلويح بلجوء البعض من "غير الملقحين" إلى "ضرب" شهادات تفيد بخضوعهم للتطعيم، أي تزوير شهادات صحية تؤكد تلقيهم التطعيم أو سلبية كورونا، وهو ما قام به البعض فعلياً.

المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة والسكان حسام عبد الغفار حذر من تزوير الشهادات، وأعلن أن القانون يعاقب على ذلك وفقاً للوائح منصوص عليها. وقال إن الوزارة حددت شروطاً للتأكد من شهادة التطعيم منها الورق المطبوع عليه والعلامة المائية والـ"كيو آر" كود، إضافة إلى الختم الرسمي للوزارة غير القابل للبهتان. وأشار إلى أن تقديم شهادة تشير إلى تطعيم صاحبها وهو ليس كذلك يعرض من أصدر الشهادة وطالبها للإجراءات العقابية القانونية.

 

الأزهر على الخط

وبالطبع، دخل الأزهر والإفتاء على خط "الشهادة المضروبة"، فقال المشرف على الفتوى في الأزهر الشريف عباس شومان "لا يجوز استخراج شهادات غير حقيقية تفيد التطعيم"، مؤكداً أن الحفاظ على الصحة والحياة من مقاصد الشريعة الغراء.

وعلى صعيد نيابي، وافق مجلس النواب المصري على قانون يتضمن عقوبات للمخالفين والمحرضين على انتشار الإشاعات. وتتراوح العقوبات بين الحبس والغرامة على ألا تزيد على 20 ألف جنيه مصري (نحو 1270 دولاراً)، إضافة إلى معاقبة من يحرض على مخالفة إجراءات الجوائح والأوبئة. يشار إلى أن منصات التواصل الاجتماعي متخمة بتغريدات وتدوينات ومناقشات، يدور بعضها حول ما يتم تشاركه من أخبار غير معلومة المصادر عن مخاطر اللقاحات وآثار جانبية تعرض لها البعض هنا وهناك، وهو ما يساهم في إثارة الخوف والقلق من تلقي اللقاح.

عضو لجنة الصحة في مجلس النواب المصري مرفت عبد العظيم قالت في تصريحات صحافية، إن القانون بالغ الأهمية في زمن يعاني منه الجميع من الجائحة، كما يفيد في حال وقوع جوائح مستقبلية. واعتبرت أن مثل هذا القانون من شأنه أن يضفي صفة القانونية على أية قرارات بإغلاق مؤسسات تعليمية أو نواد أو أماكن عامة في حال حتمت مجريات وباء ما ذلك.

بروفة للمواطنين

الطريف أن البعض يصف بدء تطبيق قرار منع الموظفين الحكوميين من دخول أماكن عملهم إلا بتقديم شهادات تفيد اللقاح أو اختبار يفيد سلبية فيروس كورونا، بأنه "بروفة" (تجربة) للقرار الشامل الذي يبدأ أول ديسمبر المقبل والذي سيتم تطبيقه على جميع المواطنين.

ويعبر البعض عن مخاوفه من طريقة الكشف المطبقة حالياً على شهادات واختبارات الموظفين قبل دخول مقار أعمالهم، إذ تلمس الشهادات الورقية عشرات الأيدي من دون حائل، ما يعني احتمالات إصابة أكبر بالفيروس، ناهيك عن عدم التأكد من تطابق الاسم والهوية مع حامل الشهادة تحت ضغط التزاحم على الأبواب.

ويتخوف البعض من أن تبدأ هذه الإجراءات – كغيرها- فتية وحماسية وصارمة- ثم تتبخر في هواء الفوضى أو التواكل أو انصراف الموظف المسؤول عن التدقيق في الشهادات للذهاب إلى الحمام أو أداء صلاة الجماعة أو رأفة بالمواطنين غير الملقحين.