Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

نصب الحرية في بغداد يحتضن أحزان الأمهات المطالبات بالقصاص

تزينت الساحة بصور الضحايا رافقتها دموع وكلمات اشتياق ومطالبات متجددة للكشف عن القتلة

"لن أسامح من قتل ابني"، هذه الكلمات رددتها والدة القتيل أحمد محمد جاسم الدجيلي، الذي اغتيل في 15 ديسمبر (كانون الأول) 2019. تسرد والدة أحمد قصة حياة ابنها الذي كانت تنتظر حفل زواجه، بعد أن احتفلت بخطوبته "كان يتواجد بشكل دائم في ساحة التحرير، ولديهم موكب يعد الطعام للموجودين في الساحة أيام حراك أكتوبر (تشرين الأول). جرى استدراجه خارج الساحة، بحجة إيصال مواد غذائية، واغتيل خارج الساحة".

بملابس الحداد وتحت نصب الحرية مر موكب الأمهات اللاتي فقدن أبناءهن في حراك أكتوبر، تزينت الساحة بصور شباب من مختلف محافظات العراق، رافقتها دموع وكلمات اشتياق للأبناء، ومطالبات متجددة للكشف عن قتلة المتظاهرين.

"الابن البار، والابن الحنيّن، والأب، والصديق" صفات تسردها الأمهات بمرارة وهنّ يتحدثن عن أبنائهن لتبدو ساحة التحرير وكأنها خيمة عزاء وحدت كل الأمهات للمطالبة بالقصاص من قتلة أبنائهن.

يقول معن الجيزاني، رئيس منظمة "إنهاء الإفلات من العقاب" التي دعت إلى الوقفة، في حديثه إلى "اندبندنت عربية"، "ما يحدث هو جزء من المسار الميداني لجهود المنظمة في إنهاء حالة الإفلات من العقاب، واستكمالاً لتكثيف الضغوط على الحكومة العراقية والمجتمع الدولي من أجل الكشف عن تفاصيل قضايا الضحايا والمغيبين التي ما زالت مفتوحة من دون أي إجراءات قضائية تقود إلى محاسبة المجرمين والقتلة المحميين بمظلة سياسية تحول دون بسط سلطة القانون، وتمنع المؤسسات من ممارسة عملها في هذا المجال".

قصص الضحايا والمغيبين

"سينهض من صميم اليأس جيل مريـدُ البـأسِ، جبـار عنيد طالما ردد ابني أبيات الشعر هذه لمحمد مهدي الجواهري" تحدثنا والدة القتيل مجتبى حسين، الطالب في المرحلة الإعدادية من محافظة ذي قار بفخر عن نجلها الذي تقول، إنه كان يرفض الاحتفال بأي عيد إكراماً للضحايا "عندما سمع استغاثة أصدقائه على جسر الزيتون هرع للوقوف معهم، ولم يأخذ حتى هويته الشخصية. وجدناه مُسجى في المستشفى مكتوباً على جثته مجهول الهوية، قتله قناص في منطقة الرأس، وهو الذي كان يردد (مو آني العراقي اللي يخفض رأسه)".

تعيش والدة مجتبى مع صوره وفيديوهاته، تضيف "لا سبيل لنا إلا الاستمرار في المطالبة عن كشف الجناة. لو سكت الجميع فأمهات الضحايا لن يسكتن، وسنكون كابوساً يطارد القتلة حتى القصاص، أو يكون مصيرنا مثل مصير أبنائنا الذين طالبوا بوطن وإصلاح الأوضاع".

تصف والدة الناشط الكاتب أمجد الدهامات، الذي اغتيل في ميسان 6 نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 بأنه كان "صوت الفقراء والمظلومين والإنسان المسالم بقلمه كان يطالب بإصلاح المحافظة". ولا تخفي والدة أمجد دموعها، وهي تستذكر ابنها المعيل لها ولعائلته المكونة من أربعة أبناء.

 

فقدت والدة عبد القدوس قاسم، الذي اغتيل في ميسان زوجها الذي كان منتمياً لحزب الدعوة في وقت النظام السابق، تحكي "خسرت زوجي، ولم أجد له جثة أو قبراً، وعزمت على تربية ابني وتعليمه".

تحدثنا والدة عبد القدوس أن ابنها كان يتلقى تهديدات كثيرة بالقتل بشكل مستمر، بسبب مطالبته الدائمة بإصلاح محافظة ميسان، وصلت الحال بأن يسعى أصدقاؤه للخروج معه بشكل مستمر، محاولين حمايته لكنه اغتيل وخسرناه، وترك أبناءه الثلاثة، والقاتل لا يزال حراً.

"أصبحنا في وضع لا نُحسد عليه"، هذا ما قاله شقيق المغيب علي جاسب، وهو محام في مجال حقوق الإنسان وعضو في لجنة الدفاع عن حقوق المحتجين، الذي اختُطف من محافظة ميسان في 8 أكتوبر 2019، وبعد حادث الاختطاف طالب والد علي جاسب بالكشف عن مصير ابنه، وبعد مرور سنة ونصف على الحادثة اغتيل والده بعد التهديدات الكثيرة التي تلقاها لإجباره على الكف عن المطالبة بمعرفة مصير ابنه، "كان مصير والدي القتل بطريقة بشعة، بسبب المطالبة المستمرة لمعرفة مصير أخي المغيب".

يكمل شقيق علي "على الرغم من معرفة الأجهزة الأمنية بنوع السيارة التي اختطفت أخي وأرقامها بسبب وجود فيديو تسجيلي لحادث الاختطاف، فإن السلطات الأمنية لم تكشف مصير أخي".

لن تسقط بالتقادم

يقول زياد السنجري، الصحافي ومتحدث مرصد أفاد (معني بالقضايا الحقوقية وتسليط الضوء على الانتهاكات ضد الإنسانية في العراق)، إن وقفة أمهات ساحة التحرير هي "للتذكير بكل معتقل ومغيب. إننا نعمل على جعل هذه القضية مركزية في العراق ودائمة حتى إنصاف العوائل والمغيبين، المطالبة بهذا الملف لن تسقط بالتقادم، فهو حق لكل العراقيين ولكل الدماء العراقية".

ويضيف السنجري، "المرصد سيعمل وفق القانون العراقي لمحاسبة المتورطين بقضايا القتل والتغييب، لدينا بيانات موثقة توضح أن مدينة الموصل على سبيل المثال تضم 96 مقبرة جماعية لآلاف المغيبين من قتلهم داعش، ومقابر أخرى للمغيبين بسبب انتهاكات الميليشيات أثناء حرب التحرير".

وكان مرصد أفاد قد ذكر في بيان بأن البرلمان العراقي قد أضاف بنداً في موازنة عام 2012، تقضي بصرف مرتبات شهرية لذوي المختطفين والمغيبين كمساعدات لهم، لحين بت أوضاعهم.

المناطق الغربية

ويشير معن الجيزاني، رئيس منظمة إنهاء الإفلات من العقاب في العراق، إلى أن مبادرة أمهات ساحة التحرير "موجهة بشكل شامل لكل الضحايا والمغيبين في كل أنحاء العراق، ولم تكن مقتصرة على ضحايا تشرين، والدعوات التي وجهت كانت مفتوحة لكل أمهات وعائلات الضحايا في كل مكان سواء في المحافظات الشمالية والغربية أو إقليم كردستان".

 

ويضيف، "لكن المشاركة من هذه المناطق كانت محدودة جداً، بسبب الضغوط التي تمارسها السلطات المحلية هناك على أي مبادرة حقوقية أو احتجاجية". داعياً ذوي الضحايا والمغيبين في تلك المناطق إلى "التفاعل مع مثل هذه المبادرات، ورفع الصوت بطرق مختلفة من أجل الوصول إلى الحقيقة، لمحاسبة مرتكبي الجرائم وتحقيق العدالة".

الانضمام إلى اتفاقية روما

وطالبت منظمة إنهاء الإفلات من العقاب بضرورة انضمام العراق إلى اتفاقية روما. ويرى ناجي حرج، المدير التنفيذي لمركز جنيف الدولي للعدالة، أن الدعوات للانضمام إلى اتفاقية روما تعني اتباع نظام المحكمة الجنائية الدولية، وهي المحكمة المتخصصة بمحاكمة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة.

يوضح حرج أن "المحكمة الجنائية الدولية هي الهيئة القضائية الدولية المؤهلة بالفعل للقيام بالإجراءات القضائية الواجبة، في ما يتعلق بما ارتكب من فظائع في العراق خلال السنوات الماضية في ظل عدم قدرة القضاء العراقي على القيام بذلك".

ويتابع، "مركز جنيف الدولي للعدالة قام بنقل عدد من الملفات المهمة للمحكمة، وطالب المركز بضرورة أن تباشر المحكمة تحقيقاتها في ما حصل ويحصل من جرائم في العراق، على أمل أن تستجيب السلطات، وأن يستجيب المجتمع الدولي لهذه الدعوات".

وأشار حرج إلى أنه بغير ذلك "ستستمر حالة الإفلات من العقاب في العراق، وستضيع حقوق الضحايا، بل سيشعر مرتكبو الانتهاكات أنهم أحرار في ارتكاب كل تلك الجرائم والانتهاكات".

المزيد من متابعات