Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"نوتردام النيل" رواية تستعيد مذبحة مليون توتسي

الروائية سكولاستيك موكاسونغا تحفر الذاكرة الرواندية بحثا عن الحقائق

الروائية الرواندية سكولاستينك موكاسونغا (أ ف ب)

تدور أحداث رواية "نوتردام النيل" (الهيئة المصرية العامة للكتاب – ترجمة لطفي السيد منصور) للكاتبة الرواندية الفرنكوفونية سكولاستيك موكاسونغا التي فازت عنها جائزة رونودو الفرنسية العام 2012 في مدرسة ثانوية للفتيات تقع فوق قمة صخرية يصل ارتفاعها إلى 2500 متر، وتطل على بحيرة تعد من منابع نهر النيل. هي مدرسة داخلية كاثوليكية للبنات اللائي يجري إعدادهن ليكن النخبة النسوية في رواندا. غالبيتهن من الهوتو، بنسبة 90 في المئة والنسبة المتبقية هي للتوتسي، وفقاً لكوتة تعكس تمييزاً عرقياً. وعبر هذا السياق قدمت موكاسونغا كتابة وصفية على نحو دقيق، وتبنت السرد العليم حتى تتمكن من تناول جميع أدوار الموجودين في "الليسيه" من تلميذات أو مدرسين أو القس أو الأم الرئيسة والمديرة، وكذلك من هم على علاقة بكل هؤلاء؛ لتشكل في النهاية "أنطولوجيا للذاكرة"، بتعبير المترجم. وبحسب المترجم كذلك فإن هذه الرواية على الرغم من صغر حجمها (200 صفحة ) فإنها ترسم بمهارة فائقة وبلغة جزلة غير مترهلة جدارية لعدد كبير من الشخصيات والعادات والتقاليد والأساطير، وجغرافيا المكان بتلالها وجبالها وأشجارها ومواسم المطر. من بين تلميذات المدرسة توجد فتاتان فقط من التوتسي هما "فيرونيكا" و"فيرجينيا" (ولكل منهما اسم مختلف في شهادة الميلاد الرسمية)، أما الغالبية وهن من عرقية الهوتو، فتتزعمها طالبة تدعى "غلوريوزا".

انزعجت الأم الرئيسة من انضمام ثلاثة معلمين فرنسيين. توقعت أنهم من رافضي الخدمة العسكرية في بلدهم، فتقرر إرسالهم إلى رواندا للتدريس تطوعاً. قالت "ينبغي وضعهم تحت النظر، حتى لا يغرسوا الإلحاد في نفوس تلميذاتنا". أحدهم أوليفييه لابوانت رفض أن يقص شعره الطويل الذي رأت الأم الرئيسة أنه يهدد كل الأخلاقيات، سواء المدنية أو المسيحية. كان مدرس رياضيات، عندما كان يدير ظهره ليكتب على السبورة، كانت الطالبات يتأملن بافتتان التدفق المتموج لشعره الطويل. في نهاية العام تمت إعادته إلى فرنسا.

على مقربة من المدرسة التي تطل على نصب تذكاري للسيدة العذراء ببشرة سوداء، يقع منزل الرسام الأوروبي "فونتوناي"، وهو يمتلك مزرعة ضخمة، ومولع بربط جذور التوتسي بمصر القديمة، وبخاصة في زمن مملكة كوش النوبية، وعاصمتها مرو، التي تقع في الوقت الراهن ضمن حدود السودان. ينظر إلى "فونتوناي" بارتياب من جانب الهوتو والتوتسي على حد سواء، لكنه ينجح في جذب كل من "فيرونيكا"، و"فيرجينيا" اللتين اقتربتا من عالمه الغامض بدافع الفضول، وكذلك الرغبة في أن يساعدهما على الهجرة إلى أوروبا أو أميركا. إحداهما تقول للأخرى محذرة "البيض يعتقدون أن كل شيء هنا مباح، وأنهم يستطيعون هنا فعل كل ما هو ممنوع عندهم".

"فونتوناي" بنى في منزله معبداً مصرياً، ورفع فوق أحد حوائطه لوحة للمعبودة إيزيس بملامح نساء التوتسي. قال لإحدى الفتاتين إنها تشبهك تماماً، فيما أخبر الأخرى بأنها صورة طبق الأصل من ملكة رواندية قديمة. وأضاف "هي كانت ملكة النيل، وأنتم التوتسي أبناؤها وبناتها". يعتقد "فونتوناي" أن التوتسي في ترحالهم الطويل كانوا قد فقدوا ذاكرتهم... "ما عادوا يعرفون من أين أتوا ومن يكونون".

في أوروبا كان يود أن يصبح رساماً مشهوراً، لكن لم يشتر أحد لوحاته. أفلست عائلته النبيلة، فرحل إلى أفريقيا بحثاً عن الثروة. حصل في رواندا على مساحة جبلية شاسعة زرع فيها البن. كان يحب القيام برحلات سفاري في كينيا وتنزانيا.

أصل التوتسي

ومع رواية "فونتوناي"، تروج روايات أخرى عن أصل التوتسي؛ منها أنهم ليسوا زنوجاً. كانوا يأتون من إثيوبيا. كانوا أنواعاً من اليهود السود. كانوا أقباطاً مهاجرين من الإسكندرية. كانوا روماناً هائمين، بل هم أبناء عم "الفولاني" أو "المأساي". وهناك من يرجح أنهم سومريون ناجون من بابليون، والبعض رأى أنهم يتحدرون من التبت، وهناك من يجزم بأنهم من الآريين الهنود الأصليين!

 كان الهوتو، بمساعدة البلجيكيين والتبشيريين، قد طردوا "الموامي"، وشرعوا في ذبح التوتسي. هجر "فونتوناي" المزرعة. تعلم اللغة الهيروغليفية. قاده حدسه إلى السودان ومصر، حيث إمبراطورية "الفراعنة السود" التي يعتقد أن التوتسي ينتمون إليها.

البلجيكيون شيدوا هرماً عند المنبع الافتراضي للنيل بالقرب من الليسيه، أطلقوا عليه "نوتردام النيل" وكان هناك من يعتقد أنه مقبرة لإحدى ملكات رواندا القديمة، ومن ثم كانوا يحجون إليه في موعد معلوم.

حكت إحدى الفتاتين أن جدتها أخبرتها بأنه عندما وصل البيض، "كانوا قد وجدونا نرتدي كالهمج. باعوا للنساء -زوجات الزعماء- خرزاً زجاجياً، الكثير من اللؤلؤ والكثير من القماش الأبيض. أوضحوا كيف نرتديه وكيف نصفف الشعر، وصنعوا مثل ذلك مع الإثيوبيين والمصريين الذين أتوا إلى رواندا ليبحثوا عن وطن"!

بعض فتيات الليسيه مثل "موديستا"، كان أبوها من الهوتو، وأمها من التوتسي. صار الأب يتجنب الأم. وفعل الأبناء الشيء نفسه. فبسببها باتوا يعدون من المولدين، وبالتالي فقدوا الانتماء إلى الأغلبية المتمتعة بمزايا المواطنة على أكمل وجه، من حيث التعليم وشغل الوظائف المهمة في الجيش والشرطة وفي الحكومة عموماً، وحتى على صعيد التجارة والحظوة لدى أصحاب القرار، ورعاتهم من المستعمرين السابقين، سواء كانوا من الفرنسيين أو البلجيكيين.

ما بين القرود والبشر

"دو ديكر"، مدرس أحياء بلجيكي في الليسيه كان يقول للطالبات "لقد أوكل العالم لرواندا مهمة مقدسة: إنقاذ الغوريلا من خطر الانقراض". الغوريلا تستوطن الغابة في محيط يشغل بعضه من تبقى من السكان الأصليين وهم من الأقزام، يطلق عليهم "الباتوا"، ويمكن لزعمائهم التفاهم مع غيرهم باللغة الكينية الرواندية. قال "دو ديكر" للطالبات أيضاً إن الروانديين عموماً ترجع أصولهم إلى القرود. وذلك كان يغضب الأب "هيمرمينغلد". هذا الكاهن الذي كان يستغل سلطته في إجبار الفتيات على الخضوع لنزواته الجنسية. تقول "إيماكوليه" لزميلتها "جلوريوزا" "جدتي كانت تعتقد أن الغوريلات كانت في ما مضى بشراً". وأضافت "أنا لدي قصة أخرى هي أن الغوريلات رفضت أن تكون بشراً. كانت تقريباً بشراً لكنها فضلت أن تبقى قروداً في غابتها، عندما رأت أن قروداً أخرى مثلها كانت قد أصبحت بشراً، لكنهم أصبحوا أيضاً أشراراً قساة يمضون أوقاتهم في التقاتل، رفضت أن تصبح بشراً. ربما هي الخطيئة الأولى التي يتحدث عنها الأب هيرمينغلد: عندما أصبحت القرود بشراً".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تدور الأحداث داخل الليسيه، من دون أن تكون بمنأى بما يحدث خارجها، لجهة تأجيج العداء نحو التوتسي، بادعاءات شتى، منها أنهم "يهود يريدون الاستيلاء على المنطقة... هم في بوروندي وتنزانيا، ولهم أبناء عمومة في أوغندا". هذا ما كان يردده الأب "هيرمينغلد"، على مسمع من الأم الرئيسة، التي كانت تلتزم الصمت خوفاً على موقعها. سفير الكونغو كينشاسا (زائير سابقاً) سيتجرأ على مصاحبة إحدى تلميذات الليسيه بدعوى أنه خطبها من أبيها، ويصل به الأمر إلى مضاجعتها في إحدى غرف المدرسة، دون أن تجرؤ الأم الرئيسة على الاعتراض. أما الأب "هيرمينغلد" فيجد نفسه مضطراً إلى مباركة ذلك الخروج على تقاليد المدرسة العريقة، حتى لا تنشب أزمة دبلوماسية بين رواندا وبلد السفير.

المذبحة الرهيبة

ثم تتزعم "غلوريوزا" حملة شحن ضد زميلاتها من عرقية التوتسي، مستعينة بميليشيا تتلقى أوامرها من والدها ذي المنصب الرفيع في الجيش. تسعى أولاً إلى تشويه وجه تمثال العذراء لأن أنفها يشبه أنوف بنات التوتسي، وليس بنات الهوتو. ثم تسهل على ميليشيا شبيبة الهوتو الهجوم على المدرسة ومحيطها لذبح كل من ينتمي إلى التوتسي. يصلون إلى "فونتوناي"، ويعتدون عليه بالضرب المبرح، ويغتصبون "فيرونيكا" التي كانت قد احتمت به. كانت "فيرونيكا" قد قالت لصديقتها "فيرجينيا" عشية المذبحة ضد التوتسي "نحن لسنا بشراً. نحن صراصير، ثعابين، حيوانات مؤذية. وعند البيض نحن أبطال أساطيرهم".

وبحسب مقدمة المترجم، لطفي السيد منصور، فإن سكولاستيك موكاسونغا (1956) تنتمي إلى عرقية التوتسي، وهي تعيش وتعمل في فرنسا منذ عام 1992. في عام 1973 طردت من المدرسة وتم نفيها إلى بوروندي. وفي عام 1994 علمت أن 27 فرداً من أسرتها كانوا ضمن ضحايا المذبحة الشهيرة القائمة على تطهير عرقي شامل. وفي 2006 نشرت سيرة ذاتية بعنوان "الصراصير". وبعد عامين نشرت كتاباً تحت عنوان "امرأة عارية القدمين"، حصلت عنه على جائزة "سيليغمان" المناوئة للتمييز العنصري. بعد ذلك أصدرت مجموعة قصصية بعنوان "البطن النهم". وفي عام 2012 أصدرت روايتها "نوتردام النيل" وحصلت عنها في العام نفسه على جائزة يمنحها المعرض الدولي للكتب والصحافة في جنيف وتحمل اسم الكاتب الإيفواري أمادو كوروما.

المزيد من ثقافة