Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تلتزم القوى السياسية السودانية بـ "لاءات الشارع الثلاث"؟

لم تفلح حتى الآن الوساطات الدولية والإقليمية والمحلية من إحداث اختراق يقرّب وجهات النظر بين المكونين المتخاصمين

ما زالت ردود أفعال، يوم الأربعاء الدامي، 17 نوفمبر (تشرين الثاني) في السودان، الذي راح ضحيته ما لا يقل عن 15 قتيلاً وأكثر من 80 جريحاً خلال مواكب "مليونية إسقاط العسكر" التي دعت إليها تنسيقيات لجان المقاومة في البلاد، تتواتر محلياً ودولياً بسبب العنف المفرط الذي استخدمته القوات الأمنية ضد المتظاهرين، في وقت واصل المحتجون في العاصمة السودانية المثلثة تظاهراتهم ومواكبهم المنددة بالانقلاب العسكري حتى ليل الخميس الجمعة، فضلاً عن إغلاق الشوارع بالمتاريس.

وأكدت الشرطة السودانية أن قواتها استخدمت الحد الأدنى من القوة والغاز المسيل للدموع، نافية استخدام السلاح الناري مطلقاً، ما أثار غضب الشارع بشكل واسع، باعتباره تنصلاً من المسؤولية الأخلاقية والإنسانية، في ظل ما ظهر من فيديوهات موثقة لعمليات القتل، فضلاً عما نقلته القنوات التلفزيونية من مشاهد حية ومباشرة لاستخدام العنف ضد المتظاهرين.

لكن ثمة تساؤلات تثار في أوساط الشارع السوداني، وهي، هل بإمكان القوى السياسية الالتزام بمطالب الشارع السوداني الذي رفع شعار اللاءات الثلاث (لا شراكة، لا تفاوض، لا مساومة) مع المكون العسكري، بخاصة بعد تفجر الأوضاع الحالية بسبب مجزرة الأربعاء، وما المخرج من هذا المأزق؟

توحد القوى السياسية

في هذا السياق، يقول رئيس لجنة السياسات في المكتب السياسي في حزب الأمة القومي السوداني إمام الحلو، "بالطبع، الشارع حدد مسار موقفه من الأحداث الجارية على صعيد المشهد الحالي، ويبقى على القوى السياسية ترجمة هذا الحراك إلى واقع وأفعال، وهذه مهمة القوى الواعية التي لها خبرة تراكمية في العمل السياسي، ونحن في حزب الأمة نفتكر أن الشارع هو القائد الحقيقي لعملية الاحتجاجات الرافضة لانقلاب البرهان، وعلينا أن نلتزم بمطالب الشارع والتمسك بشعاراته المتمثلة في اللاءات الثلاث لإحداث التغيير المنشود بأشكال مختلفة، وهذا يعتمد على معطيات السياسة المحلية والإقليمية والدولية، لكن لا رجعة عن إزالة الانقلاب العسكري ولا بدّ من عودة الحكم المدني، وهذا هدف واضح لا مساومة فيه، وهو الخط والقرار المتخذ من قبل المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير ويلتزم به حزب الأمة".

أضاف الحلو، "نحن مع سلمية الثورة، وضد العنف، ولن ننحرف على خط الثورة السودانية وداعمون أساسيون لها، فكل عضويتنا الآن في الشارع لتحقيق النصر بإزالة الحكم العسكري، وهذا يتطلب توحد القوى السياسية وهو أمر ممكن، بخاصة أن الشارع يشهد حالياً اصطفافاً واضحاً بين فئتين، فئة مع الحريات وهي الفئة الغالبة التي خرجت إلى التظاهر في الشوارع في كل أنحاء ومدن السودان، وفئة أخرى مع الانقلاب العسكري، وهي لا أثر لها، بل تخشى من الإجهار بموقفها خوفاً من رد فعل الشارع الغاضب".

صعوبة الحوار

لكن هل ستلتزم القوى السياسية برؤية الشارع؟ يقول الحلو، "طبعاً، كان قبل أحداث مليونية 17 نوفمبر الدامية الحوار مقبولاً من القوى السياسية مع المكون العسكري، إذ تم بالفعل إطلاق سراح المعتقلين السياسيين بما في ذلك فك قيود الإقامة الجبرية عن رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، واستعادة العمل بالوثيقة الدستورية، ورفع حالة الطوارئ المعلنة في البلاد، وهي الآليات المطلوبة لتهيئة أجواء الحوار، ومن ثم الاتفاق على القضايا التي يمكن التحاور بشأنها، لكن الآن، أصبح الحوار أمراً صعباً بسبب المجزرة التي حدثت، بخاصة أن ذلك يدل على أن المكون العسكري انتقل إلى مرحلة يصعب التعامل معه، وأن الحوار معه سيكون حوار طرشان، ولا أرى أن هناك فرصة للسير في هذا الطريق حتى يثبت الشارع السوداني وجوده، وبعدها يكون لكل حادث حديث، ومؤكد أنه في كل الأحوال، لن نقبل بأي حكم عسكري بأي وجه من الوجوه سواء تم الإعلان عن حكومة كفاءات وطنية أو غيرها".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعن مدى صمود الشارع السوداني في حال تخندق المكون العسكري في موقفه من دون تراجع، يشير رئيس لجنة السياسات في المكتب السياسي في حزب الأمة إلى أن "للشارع السوداني تجربة في ثورة ديسمبر (كانون الأول) التي أطاحت بنظام الرئيس السابق عمر البشير في أبريل (نيسان) 2019، حيث استمرت ثمانية أشهر ولم يستسلم الشارع على الرغم من عمليات القمع المفرط باستخدام الرصاص الحي والمطاط، وكان مستعداً لمواصلة نضاله لأطول فترة مهما كلف الأمر من دماء، فالشارع نفسه طويل، ومعروف أن الثورات الحقيقية لا تنتهي بالقهر والعنف مهما كان مفرطاً، فثورة الشعب السوداني أذهلت العالم بسلميتها، لذلك لن تنحرف هذه الثورة ولن تتحوّل من سلميتها إلى مشهد الربيع العربي الذي تحوّل في بعض البلدان إلى حرب أهلية. وفي الوقت نفسه، فإن الإصرار والعزيمة لدى شباب الثورة سيقودان إلى تحقيق التحول الديمقراطي لا محال، مهما تصلب وتخندق العسكريون في مواقعهم".

الضغط الدولي

وعلى الصعيد ذاته، أوضح رئيس الحزب الاتحادي الموحد في السودان محمد عصمت، أن "من المعلوم أن الحوار في أصله قيمة إنسانية عليا تحضّ عليها الأعراف والمواثيق الدولية لحلّ النزاعات والخلافات أينما كانت بين أطراف الصراع، وصحيح أن الخلاف الذي يجري حالياً في السودان أصبح ذا طابع دموي جعل سقوف الشارع السوداني ترتفع إلى اللاءات الثلاث (لا شراكة، لا تفاوض، لا شرعية مع العسكر)، في الوقت ذاته، هناك عوامل عدة تؤثر في إمكان التوافق بين رؤية القوى السياسية والشارع السياسي رفضاً وقبولاً، والكل يعلم أن المجتمع الدولي والإقليمي كانا طرفاً أصيلاً، وشاهداً، وموقّعاً، وضامناً الوثيقة الدستورية الموقعة بين المكونين المدني والعسكري في 17 أغسطس (آب) 2019، ومن قبلها الاتفاق السياسي، وكما هو معلوم أن هذا المجتمع يتبنى الحوار لحل النزاعات، الأمر الذي قد يؤثر ربما في القوى السياسية بالضغط عليها للدخول في حوار مع المكون العسكري، خصوصاً في ظل ارتفاع عدد القتلى وعمليات الترويع".

وتابع عصمت، "نحن في المجلس المركزي في قوى الحرية والتغيير، وكذلك كل المكونات السياسية التابعة لقوى الحرية والتغيير لم تدخل حتى الآن في أي عملية حوارية مع المكون العسكري، وقد يصعب ذلك في ظل التصعيد والعنف الذي تمارسه السلطات الأمنية ضد المتظاهرين السلميين، والذي كان آخره مجزرة الأربعاء 17 نوفمبر، التي راح ضحيتها، بحسب لجنة أطباء السودان المركزية 15 قتيلاً، وعشرات الجرحى، لكن لكي يهدأ الشارع من حراكه الثوري، فإن ذلك يحتاج إلى مبادرات من المكون العسكري بإعلان اعترافه بمرجعية الوثيقة الدستورية، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وإنهاء الإقامة الجبرية لرئيس الوزراء عبدالله حمدوك والسماح له بممارسة مهامه، فهذا من شأنه أن يجعل الجو ملائماً للحوار خصوصاً بعد التعقيدات التي صاحبت إعلان تشكيل مجلس السيادة الجديد، إذ لا يعرف أحد الكيفية التي تم بها اختيار الأعضاء المدنيين الجدد في هذا المجلس الذي يشكل الجزء المكمل للعملية التشريعية عندما ينضم إليه مجلس الوزراء".

وحول مدى إمكان تحقيق الشارع السوداني هدفه بإزالة المكون العسكري من المشهد السياسي في البلاد، أجاب رئيس الحزب الاتحادي الموحد، "حينما بدأ الشارع ثورته في ديسمبر 2018 والتي أنهت في أبريل 2019 نظام الرئيس السابق عمر البشير بعد حكم دام 30 عاماً، فإنه يستطيع الآن أن يحدث التغيير الذي ينشده في حال توافرت بعض الإرادات هنا وهناك، لكن لا بدّ من القول إن من حق الشارع أن يثور ضد من قام باختطاف ثورته بإعلان انقلاب عسكري كامل الأركان والأدلة ضد السلطة المدنية. فلا أحد يتمنى سقوط ضحايا جدد، وأن تتهدد المرحلة الانتقالية نتيجة لبعض الخلافات التي ما كان يجب أن تعالج بهذه الطريقة والكيفية، لكن التجارب دلت أن الشارع السوداني هو صانع الثورات، وهذه الموجة من الحراك المتواصل ربما تفضي لواقع جديد يرضي هذا الجيل الشبابي".

لجنة تحقيق

وكانت الشرطة السودانية نفت خلال مؤتمر صحافي على لسان مدير قوات الشرطة في ولاية الخرطوم الفريق أول زين العابدين عثمان، إطلاق النار على المتظاهرين المحتجين على قرارات قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، وقال عثمان، "قوات الأمن السودانية لم تستخدم الأعيرة النارية لتفريق المتظاهرين، وإنما استخدمت الغاز المدمع فقط، وأن هناك لجنة شكلت لتحديد عدد قتلى التظاهرات وأماكن سقوطهم"، مشدداً على أن الشرطة ستتخذ الإجراء المناسب مع أي عسكري متورط في الاعتداء على المواطنين.

وذكر المدير العام لقوات الشرطة السودانية الفريق أول خالد مهدي أن "الشرطة ستحقق في ملابسات وقوع قتلى في تظاهرات الخرطوم"، لكنه شكك في الإحصائيات التي قدمتها لجنة أطباء السودان المركزية بسقوط 15 قتيلاً"، وأكد أن "الشرطة لا تستخدم السلاح الناري في التظاهرات، والعناصر المرتدية الزي المدني برفقة قوات الشرطة في التظاهرات تتبع لأقسام الشرطة المتعددة والتي عادة ما ترتدي ملابس مدنية".

المليونية الثالثة

وتعد مليونية 17 نوفمبر، التي انطلقت في العاصمة المثلثة ومعظم مدن السودان، وسط إجراءات أمنية مشددة وغير مسبوقة، فضلاً عن قطع شبكة الاتصالات الداخلية قبل نصف ساعة من انطلاقتها، الثالثة من نوعها منذ إعلان القائد العام للجيش السوداني في 25 اكتوبر الماضي قرارات عدة منها سريان حالة الطوارئ في البلاد، وتعطيل العمل بالوثيقة الدستورية، وحل مجلسي السيادة والوزراء، إذ تطالب تلك المسيرات الشعبية بإزالة العسكريين من المشهد السياسي، وإقامة الدولة المدنية بكامل أركانها.

لكن تعرضت المليونية الأخيرة مع بداية انطلاقتها إلى إطلاق الرصاص الحي، والقنابل الصوتية، فضلاً عن الغاز المسيل للدموع، ما أدى وفق إحصائية لجنة أطباء السودان المركزية إلى سقوط 15 قتيلاً، وعشرات الجرحى بإصابات متفاوتة بين خطرة ومتوسطة وبسيطة وسط المحتجين.

ولم تفلح حتى الآن الوساطات الدولية والإقليمية والمحلية التي قامت بها أطراف مختلفة من أبرزها واشنطن، والأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، ودولة جنوب السودان، فضلاً عن شخصيات محلية، من إحداث اختراق يقرّب وجهات النظر بين المكونين المدني والعسكري وصولاً لحل يتوافق عليه الطرفان، ويرضي الشارع السوداني الذي اعتبر ما حدث في 25 أكتوبر انقلاباً عسكرياً على الحكومة الشرعية برئاسة عبدالله حمدوك.

المزيد من متابعات