Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

معرض تونس للكتاب يكافح القرصنة ويحتفي بمخطوطات موريتانيا

يستعيد في دورته الـ36 ذكرى تأسيس وزارة الثقافة ويفتح أبوابه أمام المبدعين

معرض الكتاب في تونس في الدورة ال36 (وزارة الثقافة)

بعد تأجيله مرتين متتاليتين عامي 2019 و2020 بسبب جائحة كورونا، يعود معرض تونس الوطني للكتاب في دورته السادسة والثلاثين لينفخ الروح من جديد في جسد الثقافة التونسية، بعد شهور طويلة من الكساد والصمت، فإقامة هذا المعرض ظلت حدثاً ثقافياً لافتاً يشد انتباه الجميع، فيه شيء من نكهة الأعياد والمناسبات السعيدة، فالمعرض ليس مجرد سوق كبيرة للكتاب فحسب وإنما هو، قبل كل شيء، عدد كبير من الأنشطة الثقافية التي تستقطب حشداً كبيراً من الكتاب والمبدعين العرب والأجانب، وهو أيضاً مواعيد تنعقد مع أسماء كبيرة في الثقافة العربية والعالمية، وقبل هذا كله هو احتفاء كبير بالكتب الجديدة في شتى المجالات. هكذا، بعد سنتين من غياب كل نشاط ثقافي جاد، يقام هذا المعرض في أجواء احتفالية كبيرة ليشير، ولو بطرف خفي، إلى استئناف الحياة الثقافية في تونس بكامل زخمها وقوتها.

بحضور 300 دار نشر عربية و150 عارضاً تونسياً و20 دولة عربية وأجنبية، فتح المعرض أبوابه لعشاق الكلمة، مقترحاً على جمهوره عشر ندوات فكرية كبرى وعشرين لقاءً حوارياً وأنشطة شتى موجهة للأطفال واليافعين.

تتزامن هذه الدورة مع الاحتفال بالذكرى الستين لتأسيس وزارة الثقافة التونسية، ولهذا اختارت إدارة المعرض الاحتفاء بالشاذلي القليبي مؤسسها وبالأستاذ بشير بن سلامة باعث الكثير من مؤسساتها. لأول وهلة تبدو هذه الدورة شبيهة بالدورات السابقة، تستعيد الفعاليات الأنشطة نفسها التي عرفتها معارض الكتاب العربية والتي ظلت متشابهة إلى حد التطابق. لكن القيمين على معرض الكتاب التونسي يؤكدون أن هذه الدورة مختلفة وإن كان هذا الاختلاف محدوداً.

جديد معرض الكتاب

من وجوه الجدة في هذا المعرض تكليف عدد من الأعوان لأول مرة، في تاريخ معارض الكتاب العربية، بمراقبة السرقات الأدبية ومقاومة الغش، على حد تعبير مدير الهيئة المديرة لمعرض تونس الدولي للكتاب مبروك المناعي، الذي أكد أنه للمرة الأولى هناك اتفاقية تم توقيعها بين المعرض والمنظمة الوطنية لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، تقضي بحضور أعوان المؤسسة في جناح خاص داخل المعرض، ويعملون على مراقبة السرقات الفكرية، والتصدي لكل مظاهر السطو والسرقة. وأوضح المناعي أنه سيتم تحرير مخالفات متى تبين أن هناك قرصنة لبعض الأعمال أو سطواً على بعض المؤلفات، وقد تصل عقوبة هذه التجاوزات إلى حد الإقصاء من المعرض. أما الغرض من هذه "الحملة" فهو حماية الكاتب العربي من كل مظاهر الغش من ناحية أولى، وترسيخ المفاهيم المتصلة باحترام حقوق المؤلف وسبل استعمالها لفائدة الإبداع من ناحية ثانية.

وقد تمكنت اللجنة المكلفة بالمراقبة، في ظرف وجيز، من تحرير أربع مخالفات تتعلق بانتهاك حقوق التأليف. وتتمثل إحدى هذه المخالفات في عرض كتاب "التحرير والتنوير" للعلامة التونسي الطاهر بن عاشور، الذي صدر قبل أربعين سنة عن الدار التونسية للكتاب، في نسخة جديدة نشرها "عارض أجنبي"، على حد عبارة مدير الدورة، موضحاً أن مآل هذه المخالفات عقوبات وتعويضات وإرجاع الحقوق إلى أصحابها. وأشار أيضاً إلى أن من ضمن المخالفات مصادرة عدد من الكتب غير المصرح بها لدى إدارة المعرض من طرف ناشرين اثنين.

كان هدف القائمين على المعرض تعزيز المناقشات الدائرة في مختلف الدوائر الثقافية العالمية حول دور احترام الملكية في تشجيع الابتكار والإبداع، إذ لا يمكن للكاتب العربي أن يبدع ما لم تحمِ إبداعه جملة من القوانين والتشريعات مثلما هو الشأن بالنسبة إلى إبداع زميله الكاتب الغربي.                                                                                                             

الاحتفاء بالمخطوط

ومن أبرز خصوصيات المعرض الاحتفاء بالمخطوط كمحمل مهم للثقافة والحضارة والهوية. وقد اختارت الهيئة المديرة "المخطوط الموريتاني" محوراً للجلسات الفكرية التي ستتطرق، خلال أيام المعرض، إلى تاريخ الكتابة والكتاب. وفي هذا السياق دعت إدارة المعرض عدداً من المفكرين إلى الانعطاف على هذه "البضاعة النفيسة"، بالنظر والتأمل.

ومن المعروف أن بلاد شنقيط تمتلك نحو أربعين ألف مخطوط، في شتى المجالات، كتبتها أنامل حاذقة وزينتها بمختلف الزخارف والألوان. وقد أشار الطالب بن أحمد طوير، رئيس قسم المخطوطات في المعهد الموريتاني للبحث والتكوين في مجال التراث والثقافة، إلى أن وضعية المخطوطات في موريتانيا سيئة، باستثناء التي تم حفظها في المعاهد الموريتانية، أما البقية فهي محفوظة في ظروف سيئة في صناديق خشبية أو حديدية من دون رعاية أو حماية، على الرغم من قيمتها الأدبية والعلمية. ودعا الطالب أحمد، العالمين العربي والإسلامي إلى مساعدة موريتانيا على حفظ هذه الثروة الإنسانية لا الموريتانية فحسب.

ومن أجل التعريف بهذا المحمل المهم والوقوف على مظاهر تفرده، تم عرض عدد من نفائس المخطوطات الموريتانية التي تعد بحق تحفاً فنية نادرة من حيث طريقة كتابتها وأسلوب زخرفتها. وقد جاءت كلها بخط مغربي ذي مسحة أفريقية يشد القارئ إلى ألوانه وزخارفه قبل أن يشده إلى دلالاته ومعانيه.

وقدم الطالب بن أحمد محاضرة بعنوان "طريق الحبر بين شنقيط والقيروان" تحدث فيها بإسهاب عن الحوار الثقافي الذي انعقد على امتداد قرون بين موريتانيا وتونس غير عابئ بالصحراء التي تفرق بين البلدين. لهذه الأسباب وصف مدير المعرض محمد المناعي هذه الدورة بدورة المخطوط "تكريساً لأبوته للكتاب في زمن الرقميات والتأليف الإلكتروني". وقد أشار إلى بث برنامج تلفزيوني بالمناسبة يحكي مسيرة الكتابة والمخطوطات، وتقديم شريط سينمائي وثائقي عالمي في نسخة تونسية يستعرض مسيرة الكتابة عبر الزمان ويبحث في تاريخ المخطوطات القديمة.

جدل حول تاريخ المعرض

شهد المعرض تصاعداً في الجدل حول توقيت تنظيمه الذي هجر موعده المعروف في شهر أبريل (نيسان) إلى شهر سبتمبر (أيلول)، ما شكل، في نظر أحد الناشرين البارزين وهو محمد صالح الرصاع صاحب دار سحر، سبباً رئيساً في "إعراض الجمهور عن زيارة المعرض والإقبال على أنشطته الثقافية". ويعتبر اختيار الموعد الجديد ضرباً من "الارتجال" الذي لا ينهض له سبب قوي يؤكده ويزكيه.

أما صاحب دار "نقوش عربية" منصف الشابي فيرى، على عكس الناشر السابق، أن هناك عودة في تونس إلى القراءة، عكس ما يروج له البعض، وكأن السنتين الماضيتين سنتي انتشار الجائحة في الربوع التونسية، قد خلقتا تعطشاً للقراءة ولاقتناء الكتاب. وهذا يؤكد أن هناك عودة لشراء الكتاب في تونس على الرغم من الظروف الاقتصادية الصعبة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وهذا ما يذهب إليه ناشر آخر وهو عماد العزالي الذي قال "كنا نعتقد أن الموعد الجديد سيحد من طموحنا لتحريك سواكن الكتاب وسط هذه الأزمة الخانقة، لكننا اكتشفنا أن جوع ثلاث سنوات جعل الإقبال على الكتاب كبيراً". لكن الناشرين يؤكدون، على اختلافهم، أن هذه الدورة من معرض الكتاب دورة مختلفة عن سابقاتها، كأنها ترسم معالم تصور جديد لمعرض الكتاب العربي.

المزيد من ثقافة