Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الروائي طارق بكاري يكشف آليات الفساد الثقافي وخلفياته

"روائح ديهيا" تنعش ذاكرة كاتب مصاب بسرطان الدماغ

الروائي المغربي طارق البكاري (دار الآداب)

 تتميز "روائح ديهيا" للروائي المغربي الأمازيغي طارق بكاري من خلال شخصيتها الرئيسة "يوسف" بموضوعها كما باستخدام "دلالة الروائح" في إيقاظ الذكريات الهاربة أو المنسية، فهي إذ تعالج فساد المثقف الذي لم يبدأ بتحوله إلى" مثقف السلطة" فقط، بل بات جزءاً من نظام فاسد، وهو موضوع يكشف خطورة "سلطة المثقف" التي تحدث عنها إدوارد سعيد في كتابه "صور المثقف" بوصفها، يعبر من خلالها عن انحيازه بوصفه مفكراً متطرفاً في استقلاليته، بحسب عالم الاجتماع الأميركي سي رايت ميلز، ذا رؤية اجتماعية متقدة وقدرة عقلية لافتة على توصيل أفكاره بأسلوب نثري واضح المعالم ومقنع، وهو سلاح ذو حدين يبرع طارق بكاري في التعبير عنه. وبحسب ميلز، ما زال المثقفون يواجهون إما بشعور قانط بالعجز نتيجة هامشيتهم، أو بخيار الالتحاق بصفوف المؤسسات أو الشركات أو الحكومات كأعضاء في مجموعة قليلة العدد نسبياً من المطلعين على بواطن الأمور، الذين يتخذون قرارات مهمة من دون مراقبة ومن غير شعور بالمسؤولية.

 لكن طارق بكاري يذهب أبعد من ذلك في كشفه من خلال شخصية يوسف عن دور مفسد للمثقف في الحياة العامة كما الخاصة، ففي حين يكتشف أن المنحة الدراسية التي تلقاها من فاعل خير لم يرغب بالإفصاح عن اسمه، كانت موجهة لصديق طفولته مصطفى وتاهت في طريقها إليه بسبب تشابه الإعاقة الجسدية، فإنه لا يصحح هذا الخطأ بل يمضي به إلى نهايات محزنة تؤسس لشعور متواصل بالذنب تجاه صديقه، يتعمق أكثر حين يقترب من حافة الموت.

إنحراف المثقف

لن تكون تلك الحقيقة هي بداية انزلاقه في عالم الفساد وكسبه الشهرة والأضواء كروائي مبدع، فقد بدأ هذا الانحراف لدور المثقف الذي تحدث عنه إدوارد سعيد "في أن يقول كلمة حق في وجه سلطان جائر"، حين أقنعه معلمه السابق في مدرسته الابتدائية في قريته "صنهاجة" بمسار رسمه له شخصياً كي يؤهله للعب دور ما في الحياة السياسية، ومن ثم في الثقافة بمفهومها الأشمل، ليصبح في ما بعد مثقف سلطة فاسداً ووضيعاً لا يتورع عن التعاون مع النظام، بل ويوظف بعض علاقاته ليخدم مصالحه الشخصية كما نجد في "استعانة يوسف برجل الاستخبارات ياسين طلحة"،  لغايات شخصية بحتة، يلعب فيها دور رجله الخاص، لقاء حفنة من المال الذي جناه يوسف من "رواياته" ومن تورطه بأعمال مشبوهة مع رجال النظام الفاسدين.

يبدأ تأهيل يوسف على يد معلمه محمود الذي رآه صغيراً وهو يتحرش جنسياً بصديقه مصطفى بعد نهاية الدوام المدرسي، وكانت المنحة التي حصل عليها يوسف هي تعبير امتنان بالمعروف من المعلم محمود لتلميذه مصطفى الذي أنقذ حياته حين فك وثاقه وساعده في الهرب بعدما كشف أمر تحرشه بأطفال القرية.لم يتذكر المعلم اسم ضحيته حين قرر تقديم منحة له، سوى أنه فقد ذراعه كما يوسف، ومن هنا تاهت المنحة عن صاحبها وذهبت ليوسف.

وإذ يسترجع يوسف بدايات وضعه على سكة الفساد حين رتب راعيه ومعلمه محمود أمر اعتقاله لمشاركته في تظاهرات اشتبك فيها مع القوى الظلامية في الجامعة ومع رجال الأمن أيضاً، فيقول "المعلم محمود أخبرني على نحو صادم أن كل ما حدث كان من تدبيره. بدءاً من التظاهرة التي دعوت إليها، وانتهاء بسجني كل تلك الأيام التي كانت ترشح بالبؤس والآلام. كل هذا على حد تعبيره كان تكتيكاً الغرض منه تكريسي كمناضل من طينة أخرى داخل المشهد السياسي، أما التعذيب والإذلال وكل أشكال الحط من الكرامة فهي صكوك المجد الموعود".

إمتهان الكتابة

لا يلبث "يوسف" أن يتقنع بامتهان الكتابة الروائية والتي تصبح طريقه المعلن للوصول إلى الثروة بعد أن غادر قريته الأمازيغية "صنهاجة"، وبعدما اعترف له أنه هو فاعل الخير وفهم أن منحته الدراسية في مدارس فاس وجامعتها وقعت سهواً في حضنه. لم يصحح يوسف هذا الخطأ لراعيه، بل آثر الصمت ليكتشف بعد عودته للقرية أنه لم يسرق منحة صديقه مصطفى الذي كان الأحق بها لتوفره على ذكاء حاد ونبوغ دراسي لافت، بل سرق منه قدره وغيره على نحو فارق حين تحول مصطفى إلى زعيم "الإسلاميين المتطرفين الظلاميين" في القرية.

وحين نتوقف عند الحبكة الروائية في "روائح ديهيا" بوصفها أساساً يميز إبداع الرواية للوصول إلى غايتها في إثارة شهية القراء لمواصلة القراءة، فإنه وفّق باتباع بنية كلاسيكية للحبكة الروائية بل أتقنها فعلاً، ولم يتخبط فيها كما قد يفعل بعض الروائيين والروائيات الجدد، وهذا يُحسب للبكاري في "روائح ديهيا"، لا سيما أن هذه الحبكة خدمت الثيمة الروائية التي حاول أن يعالجها في سرده الروائي، وهي ثيمة مركبة لكاتب يعود إلى قريته التي غادرها منذ 26 عاماً. عاد وهو يحمل في رأسه قنبلة موقوتة لورم سرطاني في دماغه يتمدد ويهدد ذاكرته بالنسيان. يعود كي يجمع شتات ذاكرة مثقلة بآلام لا تُنسى وهو لا يريد أن ينسى، أو ربما يحاول من هذه العودة أن يتخفف من ماضيه المترع بالآلام والذنوب ليجد أعذاره فيها أو ليموت بسلام.

 يعود بعد 26 عاماً من الغياب في مدينة فاس إلى قريته الأمازيغية لاستعادة ذكريات طفولته وحبه الأول "نجمة"، قبل أن يواريه السرطان الثرى أو يُغيب سيرته الحافلة بالآلام ويقضم رويداً رويداً ذاكرته، وليدون في رواية أخيرة يختتم فيها أعماله الأدبية حياة كاملة بكل تناقضاتها وأفراحها وآلامها، لكن أشد ما كان يوتره في طريق العودة هو رؤية أمه التي عانى من تعذيبها طفلاً ومن سادية عقوباتها لأتفه أمر قد يخطئ فيه أو لا يخطئ، من غير أن يفهم سر هذا الكره الذي تكنه له وهو ابنها الوحيد. كره يدفع بها نحو "إغراق رأسه بدلو من الماء أو طرده من المنزل في منتصف ليال باردة حافي القدمين وبملابس رقيقة، أو إرساله إلى المقبرة ليلاً ليدفن جثث إخوته الأجنة الذين أجهضتهم واحدا تلو الآخر"، لا سيما أنها حبلت بآخرهم حين كان والده في السجن منذ أكثر من ستة أشهر، مما يؤكد الإشاعات التي كان يتناقلها أهل القرية بوصفها امرأة عاهرة وسيئة السمعة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومن حسن حظه أنه يتلقى خبر موتها لحظة وصوله وبعد أن تم دفنها، فيشعر كأن ثقلاً هائلاً انزاح عن كاهله، وعلى الرغم من ذلك يتصنّع الحزن بحسب نصيحة ابنة خالته مريم، ويبدأ بتلقي التعازي كآخر واجب متوقع منه تجاهها، فهو بالأساس جاء ليلمّ شتات ذاكرته وذكرياته ويستعيد تلك الأوقات الجميلة التي عاشها مع "نجمة" زوجة الحاج برنارد الرأسمالي الظالم الذي أتى إلى القرية بعد الحرب العالمية الثانية من مكان مجهول، بعد أن "هاجم الجراد القرية وأتى على يابسها وأخضرها". تمسكن حتى تمكن ليتحول بعد حين إلى طاغية ينهب ممتلكات أهل القرية لقاء عبء ديونهم، ويحولهم إلى أقنان يعملون في أراضيهم المنهوبة أو إلى عبيد في مصنعه. وإن تبدو ثيمة الرواية تدور حول أحداث شخصية فهي تتقاطع مع أحداث سياسية تجمع بين أحزابها وحركاتها الشعبية صراعات أيديولوجية، تنتقل من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين.

أحزاب متواطئة

أحزاب تتواطأ مع السلطة في زمن صعود التيارات الإسلامية المتطرفة والظلامية، لكن ما يختبئ تحت تلك النشاطات السياسية هو فساد القيادات الحزبية، ومنهم يوسف ومعلمه السابق محمود، وتشاركها مع السلطات في عمليات تجارية مشبوهة تنضوي تحتها عمليات غسل أموال لرموز النظام، فضلاً عن عمليات نصب واحتيال ومؤامرات ومكائد يجري التخطيط لها للإطاحة بالأمين العام لحزب يساري معتدل، وإحلال "يوسف" محله بعد تسويق صورته ضمن مخطط مدروس يضعه المعلم محمود.  

وفيما تدور الحبكة حول استعادته ذكرياته الأليمة بمعظمها، تقع "نجمة" في صدارة الخوف من فقدان ذكرياته الجميلة معها والمؤلمة على حد سواء. "نجمة" التي اختفت في ظروف غامضة يبقى اختفاؤها لغزاً يتكشف له مع الوقت من خلال انكشاف كذبات "ديهيا" التي تشبهها إلى الدرجة التي أثارت شكه بأن تكون ابنته من "نجمة"، كما يتداول أهل القرية، فهل كانت"ديهيا" ابنته أم ثمة احتمال آخر لهذا الشبه؟

على خلفية هذا الحب لـ "نجمة" التي كانت تكبره بـ 10 أعوام والمتزوجة من الحاج برنارد، تقف الاستحالة التي تحملها هذه الحقائق في المجتمع القروي البدوي عائقاً لا يفضي إلى نهاية سعيدة. مجتمع يعيش على خرافات الساحرة "لونجا" ويتلحف بالمؤامرات والمكائد والكذب في شخصية مريم، والكراهية والحقد والسعي إلى الانتقام في شخصية مصطفى، وجمال أمكنة ضمت حبه لـ "نجمة".

ذكرى الروائح

وها هو يستعيد هذا الحب أو يكاد مع "ديهيا" وروائحها التي تذكره بنجمة، والتي تصغره سناً بكثير وهو المريض المشرف على الموت، وما بين اعترافه بخطاياه بسرقة قدر صديقه مصطفى، وما بين إحساسه بالذنب في التسبب بموت أحب الناس إليه "دنيازاد" ابنته، المريضة القلب التي قضت بحادثة سير أثناء نقله لها إلى المستشفى في حالة طارئة، تلتف حول روحه الذكريات وتدفعه للتعجيل بموته حين يتخلى عن العلاج في سبيل مقاومة النسيان.  يبدو طارق بكاري كمن يقوم بكشف آليات محتملة تعتمد لصناعة مثقف فاسد وسياسي وضيع، بل وصديق خان أحب أصدقائه إليه. إنها رواية الحب المستحيل، رواية المكائد والمؤامرات والانحطاط الأخلاقي لمجتمع يمكنه أن يرسم لنفسه أقداراً أخرى على المستويين الفردي والجماعي.

يبقى أن الروائي المغربي طارق بكاري أفلح في نثر "روائح ديهيا" على قرائه، ونقلهم إلى عالم يعج بالروائح، كما يليق بالروائح بداهة أن تنعش الذكريات، حتى وهي تتأرجح بين آلام تتوطن الروح وأفراح تُحلق كما الفراشة حين تقترب من نار الحقيقة التي لا تني تصفع بنورها أو تأخذ إلى الموت برضا.

المزيد من ثقافة