نشاط زلزالي في أحزاب تونس قبل الانتخابات... انقسامات وتحالفات إنقاذية

تأتي هذه التحركات جراء التشتت الذي تشهده العائلة الوسطية

بدأت ترتفع حرارة الانتخابات وتلقي بظلالها على المشهد السياسي في تونس (رويترز)

الانتخابات التي بدأت ترتفع حرارتها ألقت بظلالها على المشهد السياسي في تونس، حيث تحوّل العمل داخل مقرات الأحزاب إلى سباق محموم في محاولة لتجميع شتات ما دمرته الخلافات والتناقضات الشخصية بين زعامات الأحزاب بعد انتخابات 2014.

في الأثناء، يُنتظر إعلان رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي عن مبادرة لم شمل الحزب الذي أسسه "نداء تونس" والذي تشظى بعدما كان الحزب الأول، وقد شهد هذا الحزب خضات عدة منها، في الآونة الأخيرة، محطة استقالة مديرة ديوان رئيس الجمهورية سلمى اللومي احتجاجاً على تسلط ابن الرئيس حافظ قايد السبسي على الحزب ورفضه تسليم القيادة على الرغم من رفض الغالبية الساحقة، وجوده.

الرئيس الباجي وبحسب مقربين منه، سيدعو كل قائمة اللجنة المركزية التي تضم 217 شخصاً، إلى لقاء من دون إقصاء أحد، بغية اختيار قيادة جديدة تكون محل قبول الجميع، وتحت إشرافه المباشر لمحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

تحالفات مصلحية وانتخابية

حزب تحيا تونس المساند لرئيس الحكومة يوسف الشاهد، دشن موسم التحالفات بإعلان اندماج حزب المبادرة الدستورية معه، ويقوده وزير الوظيفة العمومية كمال مرجان. بينما بدأ حزب مشروع تونس بقيادة محسن مرزوق بإعلان تحالف مع مجموعة انشقت عن حزب نداء تونس بقيادة رئيس كتلة النداء في مجلس النواب سفيان طوبال، الذي دخل في نزاع قضائي مع المدير التنفيذي للحزب حافظ قايد السبسي بشأن من يمثل الحزب قانونياً.

الحمى نفسها أصابت أحزاباً كان لها وجود بعد أحداث 14 يناير (كانون الثاني) 2011 وتلاشت مثل حزب المنصف المرزوقي الذي استبدل اسمه مرات عدة ليصبح اليوم حراك تونس الإرادة والذي أعلن تحالفاً مع مجموعة انشقت عنه باسم حزب وفاء، يقوده عبد الرؤوف العيادي.

هذه التحالفات المتسارعة والتي قد تتضاعف، هي بين أحزاب كثير منها بلا وجود ولا يعرفها المواطنون، لكنها تعود لتظهر مع اقتراب الانتخابات، علماً أن عدد الأحزاب في تونس يصل إلى 218.

تشتت الوسط

وصف الإعلامي والمحلل السياسي إبراهيم الوسلاتي هذه التحركات بأنها تأتي استعداداً للانتخابات المقبلة ونتيجة التشتت الذي تشهده العائلة الوسطية وبخاصة التي كان يمثلها حزب نداء تونس، مضيفاً أن الصعود الصاروخي للحزب الدستوري بقيادة عبير موسي، الذي نجح في جمع عدد كبير من مناضلي ومؤيدي النظام السابق، أزعج كثيرين وأقلق حساباتهم.

ولفت الوسلاتي إلى تقوقع حركة النهضة نتيجة ضغوط داخلية وإقليمية، لا سيما في ظل ما يجري في ليبيا والجزائر، مرجّحاً أن تكون الانتخابات المقبلة عقابية للأحزاب التي حكمت أو شاركت في الحكم في السنوات الماضية.

وإذا كانت الانتخابات في 2014 أتت بحزب نداء تونس، فإن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة والفقر المدقع الذي مس الطبقات الشعبية وهز أوضاع الطبقات الوسطى التي تمثل عماد المجتمع التونسي، ستدفع إلى معاقبة الأحزاب المسؤولة في نظر المواطن، عما آلت اليه الأوضاع.

وفي السياق، لا يستغرب الوسلاتي أن تشهد الانتخابات استعادة لذكرى الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، إذ تعبر بين حين وآخر مقارنة بين سنوات حكمه وما آلت إليه الأمور، اقتصادياً وأمنياً.

تحالفات لضمان الفوز أم لتلافي الاندثار

كيف ستواجه الأحزاب التي تشتّت الاستحقاقات المقبلة، وهل تملك الحظوظ نفسها التي كانت لديها قبل أن تتشقق إلى أقسام متنافرة لأسباب شخصية.

اعتبرت وطفه بلعيد، رئيسة المجلس المركزي لحركة مشروع تونس المشاركة في الحكومة، في حديث مع "اندبندنت عربية"، أن تجميع العائلة الوسطية ضرورة ملحة ويجب أن تسير كل الأطراف بهذا التوجه لأن لا خيار لديها أمام تشتت الأحزاب وهشاشتها التنظيمية.

 بلعيد أضافت أن النظام السياسي والانتخابي أثبت أنه لا يتماشى مع الواقع التونسي، وهو نظام وضعه المجلس التأسيسي كرد فعل على النظام السياسي السابق من دون توفر الأرضية السياسية التي تجعل من هذا النظام الجديد، قادراً على التجسد على أرض الواقع.

تحذير

واعتبرت بلعيد أن النظام شبه البرلماني يقتضي وجود أحزاب صلبة ذات هيكلية ولها تجارب، إضافة إلى أنه يشتّت السلطة عبر نظام سياسي برؤوس ثلاثة: رئيس الجمهورية منتخب شعبياً بلا صلاحيات ورئيس حكومة معين وبيده كل الصلاحيات ومجلس نواب منتخب وبيده السلطة الرقابية على عمل الحكومة، ويصبح فيه دور الأحزاب مهماً عبر كتلها البرلمانية، ما يعطل العمل الحكومي ويغلّب دور الأحزاب وتأثيرها في البرامج الحكومية.

 بلعيد لفتت إلى أن النظام الانتخابي الحالي لا يمكّن من تكوين غالبية حاكمة، وهذا يحتم وجود تحالفات ومنها تحالفات غير طبيعية مثل التحالف مع حركة النهضة الذي يقيّد العملية السياسية ويمنع أي حزب من تنفيذ برنامجه الانتخابي ويصعّب من إمكانية محاسبة المسؤولين عن كل تقصير.

ونبّهت إلى أن فشل الأحزاب في تجميع نفسها سيقود إلى صعوبة تشكيل حكومة بعد الانتخابات، لأن التشتّت سيجعل كتل الأحزاب في مجلس النواب صغيرة ومتوسطة وستتقلص الكتل الكبيرة، ما سيولّد عائقاً كبيراً أمام تشكيل الحكومة المقبلة.

تجمع الواهمين

في انتظار نتائج الانتخابات، يبدو أن الأحزاب التي تسعى إلى تجميع نفسها، تناست مواقف الناخبين منها، وتقدم محاولاتها باعتبارها الفائز المقبل على الرغم من النتائج السلبية في السنوات الخمس الماضية.

في السياق، اعتبر المحلل السياسي هشام الحاجي في تصريح لـ"اندبندنت عربية" أن بعض التحالفات التي شُكلت أخيراً لا يؤثر في المشهد السياسي وموازين القوى، منبّهاً إلى أن الأحزاب التي تسعى إلى جمع صفوفها، تريد العودة إلى ما قبل انتخابات 2014 ، في حين أن السؤال المطروح اليوم هو كيف سيتقبل الناخب هذه الأحزاب التي يعتبر أنها لم تكن في مستوى الثقة التي منحها لها؟

المزيد من العالم العربي