Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

القاص المصري فؤاد مرسي يشرع أبواب الواقع على الفنتازيا

"فراغ أبيض بحجم كائن مختف" قصص تخوض العوالم النفسية للشخصيات

جو فانتازي في لوحة للرسام المصري صلاح طاهر (صفحة الرسام على فيسبوك)

السرد على خلاف الشعر الذى يقوم على اللحظات المتوترة ويميل إلى الإيجاز والتكثيف والخيال، هو نتاج ثقافة المكان المهتم بجغرافيته وناسه وتقاليده ومعارفه. تجسد ذلك كثيراً في الأدب المصري المعاصر، كما في أعمال يحيى الطاهر عبدالله التي عكس من خلالها تقاليد الجنوب المصري وعبدالحكيم قاسم الذي اهتم بقرى الدلتا، وميرال الطحاوي التى صورت تقاليد البدو وثقافة الصحراء. وفي هذا السياق، تأتي أعمال فؤاد مرسى القصصية والروائية لتصبح مدينة بنها (شمال القاهرة) وما يجاورها مكانه الأثير منذ مجموعته القصصية الأولى "تحورات البحر"، ثم في "قارب صغير بموتور" ورواياته "شارع فؤاد الأول"، و"شباك مظلم في بناية جانبية"، و"قنطرة الوداع".

وفي مجموعته الجديدة "فراغ أبيض بحجم كائن مختف" (دار سنابل) يظهر مكانه الأثير في سرد فانتازي كما يظهر في العنوان من خلال هذا الكائن المختفي الذي لم يظهر منه في صورته الضوئية إلا فراغ أبيض بحجمه، وهو بهذا يبتعد عن منطقية الواقع ويحاول تصوير وعي الشخصيات وعوالمهم النفسية من دون أن يخلو ذلك من دلالات تشير إلى الواقع. وهذه المجموعة مقسمة إلى "فراغ أول" ويحوي أربع قصص و"فراغ ثان" ويشتمل على خمس قصص و"فراغ ثالث" ويتكون من أربع قصص، وأخيراً " فراغ لا نهائي" ويشتمل على قصتين.

هذا التقسيم يجعل المجموعة قريبة من المتواليات القصصية، إذ يظهر بطل القصة الأولى "محمد سيد عبدالفتاح عاشور" في أكثر من قصة، وهو شخصية قلقة متناقضة لا تستقر على حال، إذ "تتقلب بين رفض تناول العلاج المقرر له وبين تناوله في أوقاته بانتظام ومن الانعزال وعدم الرغبة في التحدث مع أحد إلى الاندماج والاختلاط".

الشيء ونقيضه

وهكذا تظل حاله متراوحة بين الشيء ونقيضه، إهمال النظافة ثم المبالغة فيها، الزهد في الطعام والإقبال عليه بشراهة، مما يجعل هذه الثنائيات تمهد للثنائية فوق الواقعية التي تتمثل في ظهوره داخل المستشفى واختفائه بعد خروجه منها.

أهالي "العبادلة" أكدوا للجنة الطب المجتمعي أن المذكور ليس من قريتهم، على عكس ما ثبته الأوراق الرسمية، وعندما فتح عضو في اللجنة هاتف "الهارب" ليريهم صورته لم يجد سوى فراغ أبيض يتسحب بقوة تجاهه ويبتلع جزءاً من جسده، لكنه يظهر فجأة في القاهرة ويسرع السارد كى يلحق به، لكنه للمرة الثانية يختفي كأنه لم يكن هنا قبل قليل.

وهكذا تظل هذه الشخصية بين الظهور والاختفاء. هذا الاختفاء الذي يتجلى في صورة أخرى في قصة "رائحة سكر محروق"، حين يصحو السارد من نومه صباحاً فاقداً الذاكرة، إلى حد أنه لم يتعرف على ابنتيه وزوجته، "وقف على حافة الحمام إلى يساره غرفة مقفلة انفتح بابها فجأة، وبانت من ورائه بنتان وسيدة لا يعرف عنهن شيئاً".وفي قصة "الاستراحة" شخص مصاب بالوهم ورؤية أناس لا يراهم غيره، "بمجرد انتهائي من السلالم الصاعدة إلى أرصفة المحطة وجدته جالساً على أريكة أسمنتية شارداً بصورة ملحوظة يخاطب أناساً لايراهم أحد".ويقف السارد أمامه ويخاطبه لكنه لا يرد عليه ويهرب منه كأنه يختفي مثل "محمد سيد عبدالفتاح عاشور"، مما يعنى أننا أمام شخصيات غير اجتماعية ومحبة للعزلة. ولا شك في أن هذه الحال لا بد من أن تفضي إلى محاولة البعض الانتحار بصور مختلفة، مثل بطل قصة "كباش بربارة" الذي "تناول شريطاً كاملاً من (الترينيزول) ونام آملاً أن ينقلوه من سريره إلى القبر مباشرة".

الموت بهدوء

لكن المحاولة تفشل فيفكر في فتح قنينة الغاز وإغلاق الشبابيك أو إلقاء نفسه من فوق جسر "قصر النيل" في القاهرة، وأخيراً "يموت ميتة طبيعية وعلى شفتيه ووجنتيه ابتسامة رائقة أضفت على عينيه المشرعتين لمعة صافية". إنها ابتسامة الخلاص من الحياة بهدوء ورضا.

وفي قصة "رفيف أجنحة الحمام" تظل علاقة السارد بحبيبته مرتبكة، ولا يستطيع التواصل معها إلا عبر "الحلم" حين يرى يدها "مشتبكة بيده وهما يعبران الميدان والمطر يشاكسهما فيحاولان الاحتماء ببعضهما".

وكلما هاتفها من أجل اللقاء يزداد سقوط المطر ليجعل الأمر أكثر صعوبة، فحين نظرت من النافذة رأت الشارع قد تحول تحتها إلى بركة سوداء كبيرة وفي النهاية تحسم هذه العلاقة بقولها، "أنا لستُ لك". هذه الجملة التي جعلته يترنح "قبل أن يواصل تمدده على الرصيف العريض". هكذا يقع الموت في يسر، فهل يعني الكاتب أن افتقاد الحب مرادف للموت؟ نعم، فبعد أن تيقن من موت حبه مات كنتيجة طبيعية لذلك. وربما يكون من المفيد أن أذكر أن هذه القصة مهداة إلى الكاتب يحيى الطاهر عبدالله وهذه ليست ملحوظة شكلية، لأنها تدل على إيمان الكاتب بقيمة التواصل مع الأجيال السابقة في مواجهة ما شاع من إعلاء قيمة الانقطاع تحت مقولة موت الأب".

ولعل هذا التواصل يفسر اعتماد الكاتب على بنية القصة التى تقوم على الترتيب المعهود: البداية والأزمة والحل أو لحظة التنوير. وليس ضرورياً أن يكون هذا الحل إيجابياً، فقد لاحظنا في أكثر من قصة الانتهاء بالموت وهو حل يؤكد تفاقم الأزمة لا انفراجها، وهذا يعني أن مفارقة القصة كامنة في المتن وليس بين المتن والنهاية التي غالباً ما تكون مفتوحة على احتمالات عدة.

انتقالات زمانية ومكانية

كما تمتاز القصص بالدخول المباشر في الحدث وعدم الاستطراد في وصف الأماكن أو الشخصيات وكذلك الاقتصاد في اللغة. في قصة "الاستراحة" نلاحظ الانتقالات الزمنية والمكانية السريعة من المستشفى إلى السكة الحديد، واللافت أيضاً ذلك التراوح في موضع السارد ما بين الراوى الخارجي العليم بضمير الغيبة، والراوي الداخلي المشارك في الحدث بضمير المتكلم. وفي قصة "مقهى الحرية" نلاحظ تيمة التحول في المشاعر، فبعد أن كان السارد يقول لصاحبته إنها "إنسانة مهمة" بالنسبة إليه، وتقول هي إنه لا يعرف مدى أهميته بالنسبة إليها، نجدهما يلتقيان لقاء الغرباء. بل إنه لا يتذكر أين رآها من قبل ونجدها تتركه بلا اكتراث لتقابل صبية عرفتها من عام مضى.

وتستمر ثيمة التحول في قصة "الأسطى رجاء"، ولنلاحظ أن اسم "رجاء" يصح للرجل والمرأة، وهو هنا يشير إلى امرأة قررت أن تهجر عالم النساء وتكاثرت الأقوال حولها حيث لم تكن في الأساس من سكان المنطقة، "إنها صعيدية خلفت عالم النساء وسعت وراء قاتل أخيها وأتقنت مسوح الرجال حتى لا يعرفها القاتل. وقالوا إنها كانت تحب شاباً في مقتبل حياتها وأخطأت معه الخطأ الذي لا يغتفر، وحنث بوعده لها وعقاباً لنفسها قررت أن تنسى عالم النساء وتجتث ما يصلها به".

يظل سرها مغلقاً لا يعرفه أحد حتى يفاجأ السارد بذهابها للحج، إذ كانت "تجلس في الباص وحدها تتأمل المودعين من وراء زجاج النافذة بجلباب أبيض ناصع وطرحة بيضاء مقصبة بخيوط الذهب اللامع".

لغة إشارية

ويحتل الحديث عن الجسد مساحة واضحة في هذه المجموعة، فهناك الجسد المعتل الذي ينتهي بالموت في قصة "جثمان ممدد على الرصيف بارتياح"، التي تحكي عن امرأة "بدت مستقرة على الرصيف كأنها تجلس على أريكة غير أن صوتها الذي خانها واستغاث بالناس ملتاعاً جذب إليها العديد منهم. حاولوا إنهاضها. لم يعاونهم جسدها". فيقررون أن يشبكوا أياديهم تحت جسدها ويرفعوها إلى الرصيف حتى انتهى بها الأمر إلى الموت أو ما يشبهه.  والثيمة نفسها نجدها في "الهازم والمأزوم" التي تدور حول موت "علي" عقب نوبة من التشنجات أدت لتوقف مفاجىء في عضلة القلب، لكن السارد يرجح أنه "مات عقب عراك وهمى مع كائن لا يراه ولا يسمعه غيره".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

والحقيقة أن هذه القصة وغيرها تتسم بالقصر، إذ تقدم مشهداً واحداً بإيجاز بلغة إشارية لا تعرف الاستطراد، فقصة "الهازم والمأزوم" تبدأ بموت "علي" وتنتهي به في مشهد واحد يتسم بالبنية الدائرية. ويعد فقدان الذاكرة نوعاً من اعتلال الجسد، ففي قصة "الصورة للذكرى" يفقد والد البطل ذاكرته وهو في الـ 70 من عمره بعد أن تزوجت ابنته وهاجرت مع زوجها إلى أميركا ووفاة الابن الأصغر غرقاً، بينما ظل الأكبر يناور "من أجل تحويل نشاط دكان أبيه ليساير الحياة الجديدة التي لم تعد تستوعب مكواة الرِجل"، فسرق مفتاح الدكان وحوله إلى "محل ست البنات لمستلزمات السيدات"، وكان هذا سبباً إضافياً ليفقد الأب ذاكرته.

ومن الواضح أن الكاتب يختار الشخصيات الفقيرة أو المهمشة في الحياة بوصفه واحداً منهم وصوتهم الواعي بآلامهم وآمالهم. يقول في قصة "فراغ أبيض"، "اليد التي أيقظتني أشارت مباشرة إلى مائدة إفطار بُسطت على مقربة مني. لم أرفض الدعوة الصامتة. انضممت إلى صف الفقراء والأيتام والمساكين وعابري السبيل والعاملين عليها".

المزيد من ثقافة