Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

السوري الأرمني هراير سركيسيان يصور أطياف أناس عبروا

"الوجه الآخر للصمت" معرض فوتوغرافي عن ساحات الموت التي باتت فارغة

صورة من معرض الفوتوغرافي هراير سركيسيان في الشارقة (الخدمة الإعلامية للمعرض)

في سلسلته الفوتوغرافية التي أنجزها بتكليف من مؤسسة الشارقة، تحت عنوان "الإطلالة الأخيرة"، يأخذنا الفنان السوري الأرمني المقيم في لندن، هراير سركيسيان، في جولة عبر أماكن مختلفة. المشاهد التي يصورها سركيسيان في هذه المجموعة تشبه هذه الصور التي تعلق في ذاكرة كل منا، والتي نستعيدها حين نشعر بالحنين إلى أماكن بعينها. هذا الأثر العالق بين الحنين والإحساس بالوحشة والاغتراب، هذا الشعور الدافئ الذي يعترينا حين نستدعي تلك الصور في المخيلة، هو ما يلتقطه سركيسيان ويحرص على التأكيد عليه في صوره تلك، وأغلبها صور داخلية لحجرات معيشة تسكنها أنفاس من سكنوها، أو ممرات ودرج عبرنا عليها دون أن نلتفت إلى قدرتها على التسلل إلى ذاكرتنا على هذا النحو. هي صور خالية من البشر، أو من الحضور المباشر لهم، غير أن أطيافهم لا تزال تحوم حول المكان، تذكرنا بمشاعر الغياب والعودة، والحنين إلى التفاصيل والعلاقات الدافئة.

هذه المجموعة الفوتوغرافية وغيرها تعرض حالياً في مؤسسة الشارقة للفنون حتى نهاية يناير (كانون الثاني) المقبل، ضمن معرض شامل يسلط الضوء على تجربة هراير سركيسيان، ويقدم لمتابعيه فرصة التعرف على ملامح مختلفة من تجاربه السابقة كأحد أبرز المصورين "المفاهميين" المعاصرين. يقام المعرض تحت عنوان "الوجه الآخر للصمت"، ويستعرض كما يقول البيان المصاحب للعرض "طرقاً مختلفة لسرد التواريخ المتنازع عليها وتوزيعها بين الصور". يأخذ المعرض زواره في رحلة إلى ساحات حلب واللاذقية ودمشق، وعبر سماء تدمر، والمناظر الطبيعية للمناطق المغطاة بالثلوج في أرمينيا المعاصرة، من خلال مجموعة واسعة من الصور الفوتوغرافية والأعمال الصوتية والمرئية التي أنتجها الفنان على مدى السنوات الخمس عشرة الماضية.

ساحات الإعدام

من بين مجموعات الصور التي يتضمنها المعرض مجموعة بعنوان "ساحات الإعدام"، وهي سلسلة من 14 صورة. تقدم لنا هذه المجموعة رؤية مختلفة لأماكن أخرى عالقة في ذاكرة الفنان، ولكن هذه المرة لا تحمل الصور مشاعر الحنين التي كانت تميز المجموعة السابقة، إذ يعود الفنان إلى هذه الأماكن التي تركت فيه أثراً لا يمحى من الرهبة والاضطراب، وهي الساحات التي تنفذ فيها أحكام الإعدام علانية في سوريا قصاصاً على جرائم مثل الخيانة العظمى والقتل. تقع هذه الساحات في قلب مدن ثلاث، وهي حلب، واللاذقية، ودمشق، حيث يمارس الناس أنشطتهم اليومية المختلفة. ويرتبط الوجود المنطقي لهذه العقوبة بارتكاب جريمة محددة، كما يقول الفنان، ويأتي إنزالها بمرتكب الجرم ليكون عبرة للعامة بالمقام الأول، كما أنها تعتبر قصاصاً ينتقم للضحايا وذويهم.

ينظر إلى عمليات الإعدام هذه كأحداث عامة، فيصبح المارة شهوداً - شاؤوا أم أبوا - على إنهاء حياة المجرم. حينما كان هراير سركيسيان في سن المراهقة يقصد المدرسة، رأى ثلاث جثث معلقة في إحدى هذه الساحات، وأصبح شاهداً صامتاً كما يقول. يعود الفنان بعد زمن إلى هذه المواقع، ويوثق الساحات الخاوية عند الفجر، وهو توقيت تنفيذ عمليات الإعدام، في مسعى منه لمحو تلك الصدمة من ذاكرته. يرسخ سركيسيان تلك المشاهد من خلال تصوير هذه الساحات في سياق تاريخي، وذلك عبر تأسيس أرشيف لها. كما تكشف المباني البهية والمضاءة بأشعة الشمس في هذه الصور عن تناقض هش بين جمال وهدوء هذه المواقع والحقائق السياسية والاجتماعية الكامنة وراءها.

من دمشق إلى هولندا

خطا سركيسيان إلى عالم الفوتوغرافيا عبر بوابة استوديو التصوير الخاص بوالده في دمشق، ثم سافر إلى هولندا لدراسة الفنون البصرية، حيث واصل التصوير الفوتوغرافي التناظري متخذاً منه وسيطاً رئيساً، ومختبراً لإمكاناته من خلال سعيه الدؤوب نحو استجلاء السرديات غير المرئية الماثلة في الصراعات العالقة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقد تطورت الصور الفوتوغرافية التي أنتجها سركيسيان باستخدام كاميرا ذات إطار كبير، وواصل إنتاجها على امتداد حياته، مجسداً انشغاله بدور الصدفة في التقاط سرديات متوارية، كما لو أنه منقب آثار وقاصٍ في آنٍ. يوظف الفنان كذلك الأساليب الفوتوغرافية في استحضار المناظر التي تكشف النقاب عن الصدمات التاريخية، بحيث تعتمد أعماله على الذاكرة الفردية والجمعية، وتخوض في القصص التي تعجز السجلات والمصادر الرسمية عن روايتها، بما يتيح للمتفرج عبر مشاهد مصممة ومصاغة مسبقاً التفكير في الجوانب الشكلية للصورة، وتقييم احتمالات ما هو كامن تحت سطحها.

تطورت ممارسة سركيسيان خلال العقدين الماضيين لتشمل صور التحريك والنحت والصوت والأعمال التركيبية، ليخلق مشاهد حالمة تأملية حيناً، ومشاهد موت أحياناً أخرى، أو ربما مواقع خفت صوتها وغاب عن إطار الصورة ليتيح مساحة كافية للتنفس. يكشف "الوجه الآخر للصمت" عن استكشاف الفنان لتاريخ الاختفاء وهندسة العنف وقضايا مغيبة في فجوات بعيدة عن السجلات الرسمية أو التاريخ.

المزيد من ثقافة