هل يُخرج خليفة تيريزا ماي بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بلا اتفاق؟

عواقب وخيمة وانعكاسات متوقعة على التجارة وحركة الأفراد... ومؤيدو "بريكسيت" متفائلون بأسواق جديدة

بوريس جونسون الخليفة المحتمل لماي في رئاسة الحكومة (أ.ب)

لا يعطي قرار استقالة رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي كثيراً من الوقت للزعيم الجديد في حزب المحافظين، الذي سيتولى تشكيل حكومة جديدة، تكون مهمتها إجراء مفاوضات مع قادة الاتحاد الأوروبي على تنظيم خروج المملكة المتحدة من الاتحاد.

ويرمي الموعد النهائي لبريطانيا لمغادرة الاتحاد في 31 أكتوبر (تشرين الأول) 2019، بثقله على السباق بين مرشحي "حزب المحافظين". المرشحان البارزان على زعامة "حزب المحافظين" بوريس جونسون ودومينيك راب، يأمل كل منهما أن يتمكَّن من إقناع قادة الاتحاد الأوروبي الـ27 بأن يكونوا أكثر مرونة في علاقتهم مع المملكة المتحدة، بحيث يكون جوهر صفقة الخروج اتفاقاً على التجارة الحرة بين الجانبين، وفق النموذج الكندي، مع المحافظة على كثير مما توصلت إليه تيريزا ماي في صفقتها، بشأن قضايا مثل حقوق المواطنين، وقانون الطلاق، والوصول إلى مؤسسات الاتحاد الأوروبي.

ويقول المرشح الأوفر حظاً بينهما بوريس جونسون، إنه "يتعين على بلاده مغادرة الاتحاد الأوروبي في أواخر أكتوبر (تشرين الأول)، بصفقة أو من دونها".

الأفراد والتجارة
لكن ماذا يعني الخروج بلا صفقة؟ منتقدو هذه الخطوة يرون أن عواقبها ستكون وخيمة أولاً على الشركات، ويتوقعون أن تسبب فوضى عارمة على الحدود نتيجة إعادة نقاط التفتيش ما سينعكس على حركة انتقال الأفراد والبضائع والتجارة، ويتخوفون من ارتفاع أسعار المواد الغذائية، وحصول نقص في سلع أساسية، إضافة إلى ذلك، يرون أنه لن تكون لمواطني الطرفين القدرة على قيادة سياراتهم على أراضي الطرف الآخر من دون تصريح خاص، وفي مجال الاتصالات سيصبح استخدام الهاتف الجوّال مكلفاً، وستخضع بريطانيا، في غياب اتفاق تجاري ثنائي بين لندن وبروكسل، لقواعد "منظمة التجارة العالمية"، بحيث تواجه صادراتها الضوابط الجمركية والتعريفات نفسها، التي تواجهها البلدان الأخرى خارج الاتحاد الأوروبي، ويتفق الخبراء على أن ذلك سيؤدي إلى زيادة أسعار بعض السلع، أو إلى نقص في البعض الآخر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتشير أبحاث أجرتها "إدارة بريكسيت" إلى أنه من دون اتفاق يتناول الجمارك والتجارة بين الطرفين، فإن أجزاء من بريطانيا ستشهد نفاد مواد غذائية، وحتى الأدوية، خلال أسبوعين من الخروج. وقد تحتاط حكومة المحافظين لفترة الطوارئ هذه من خلال تخزين مواد غذائية وأدوية وتحويل أجزاء ميناء في دوفر إلى مقر دائم لشاحنات النقل.

أمَّا فيما يتعلق بحقوق مواطني الجانبين، فلا بد من أن تتغير بشكل يجعل المواعيد النهائية لبقاء الوافدين أكثر تشدداً، ويصبح من الصعب على العائلات الانتقال السهل، وفيما يواصل مواطنو الاتحاد الأوروبي الموجودون في البلاد التمتع بحقوق مماثلة لتلك التي لديهم اليوم، لكن ذلك لن ينطبق على الوافدين الجدد بعد الخروج، والعكس صحيح بالنسبة إلى البريطانيين الموجودين في أوروبا.

مغادرة شركات
وفي المقابل، أصدرت شركات عدة تحذيرات عن خطط لخفض الوظائف في المملكة المتحدة أو تعزيز عملياتها الأوروبية، أبرز تلك الشركات "إيرباص"، التي توظّف 14 ألف شخص في بريطانيا، بما في ذلك 6 آلاف وظيفة في مصنع الأجنحة الرئيسي في بروتون شمال ويلز و3 آلاف في فيلتون، بالقرب من بريستول. وكان رئيسها التنفيذي توم إندرز حذّر قبل أشهر من أن الشركة ربما تضطر إلى البدء بإغلاق مصانعها في المملكة المتحدة، وهاجم حكومة تيريزا ماي على الفوضى وحالة عدم اليقين السائدة، قائلاً "إنه لأمر مخزٍ أنه بعد أكثر من عامين على نتائج استفتاء الخروج، لا تزال الشركات غير قادرة على التخطيط بشكل صحيح للمستقبل".

مصارف وشركات تأمين
شركة التأمين البريطانية "أفيفا" ثاني أكبر شركة تأمين أكدت أنها ستنقل أصولاً بقيمة 11 مليار دولار إلى إيرلندا في الوقت الذي تستعد فيه لـ"بريكسيت".

أما "بنك أوف أميركا ميريل لينش" الأميركي فقرر إنفاق نحو 400 مليون دولار على خطة نقل موظفين من لندن إلى باريس المقر الأوروبي الجديد له. وأعلن "اندماج شركتيه الفرعيتين البريطانية والإيرلندية في مايو (أيار) من العام الماضي، ونقل 125 وظيفة إلى دبلن".

 

وقال رئيسه إنه "حتى إذا قررت المملكة المتحدة عدم مغادرة الاتحاد الأوروبي، فستبقى دبلن المقر الأوروبي لـBAML، كذلك بنك (باركليز) البريطاني الذي عمد إلى 216 مليار دولار أميركي من أصول عملائه إلى العاصمة الإيرلندية، وخصص نحو 150 مليون جنيه إسترلينياً تحسباً لفوضى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي"، متوقعاً "تباطؤاً في النمو الاقتصادي بنسبة 0.3%، وارتفاعاً في معدل البطالة بنسبة 5.7%".

أما بنكHSBC  فحذَّر رئيسه التنفيذي جون فلينت من أنه "كلما كانت لدينا حالة من عدم اليقين، فسيكون الأمر أسوأ بالنسبة إلى العملاء، الذين يؤجلون كلياً قرارات الاستثمار. وهذا جزءٌ من هذا التباطؤ الذي تشهده المملكة المتحدة".

وأفادت تقارير أن البنك السويسري العملاق "كريدي سويس" نقل قرابة 250 مصرفياً من لندن إلى مراكز مالية أوروبية أخرى، وكان بنك "غولدمان ساكس" أعلن قبل عام أنه وضع خطط طوارئ لخروجه من بريطانيا.

مصنّعو السيارات
"جاكوار لاند روفر" أكبر شركة مصنعة للسيارات في المملكة المتحدة، التي تملكها شركة "تاتا" الهندية، أعلنت في يناير (كانون الثاني) أنها ستخفض 4500 وظيفة في المملكة المتحدة، وتوظف الآن قرابة 44 ألف عامل في 6 مصانع داخل المملكة. وحذت حذوها شركتا "بي أم دبليو" و"تويوتا"، وحذّرت شركة صناعة السيارات الأميركية "فورد" قبل نحو شهرين من أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بلا صفقة سيكون "كارثياً" على أعمالها، وسيعرض الوظائف في مصانعها في بريدجند وداغنهام وهالوود للخطر.

وأكدت شركة "هوندا" للسيارات اليابانية، أنها ستغلق مصنعها في "سويندون" في السنة 2021، ما يعني إنهاء 3500 وظيفة، وتطول لائحة الشركات لتشمل "نيسان" و"ميشلين" و"باناسونيك" و"فيليبس" و"سوني" و"يونيلفر" وغيرها.

مؤيدو "بريكسيت"
هل الصورة على هذا النحو من السوداوية؟ ديفيد بيرنز رئيس "مجلس الأعمال الإنجليزي" في الإمارات له رأي آخر. قال لـ"إندبندنت عربية" إن "الشركات الأجنبية التي تهدد بمغاردة بريطانيا في حال عدم التوصل إلى اتفاق، تسعى من خلال هذا التهديد إلى استغلال الوضع القائم لتحسين شروطها من حيث الضرائب والتكلفة، فهذه الشركات موجودة عندنا، لأن بلادنا تمتلك بيئة آمنة وقوة عاملة ممتازة وتوقعات إيجابية فيما يتعلق بمستقبل التجارة".

 

وتساءل بيرنز، "إلى أين ستذهب الشركات الأجنبية، التي تُحدث منذ عامين كثيراً من الجلبة والضجيج وتهدد بمغادرة أراضينا؟ هل تغادر إلى فرنسا، التي تعاني مشكلات واضحة، أم إلى إسبانيا، التي لديها مصاعب مالية؟".

وأضاف، "أوروبا بكاملها تواجه مشكلات، وبالتالي الاتحاد الأوروبي يحارب في آخر معركة له في محاولة لإبقاء بريطانيا في كنفه بسبب حجم الأموال الكبيرة، التي تقدمها المملكة المتحدة إليه، وكذلك الدعم التجاري، وبالتالي فإن الأوروبيين يستخدمون كل تكتيك ممكن للإبقاء على بريطانيا، وهذا متوقع. لكن الأفضل لنا أن نخرج، لأن شركاتنا ستصبح قادرة بعد مغادرة بريطانيا الاتحاد الأوروبي، على دخول مزيد من الأسواق في العالم".

بريطانيا والخليج
ويشير رجل الأعمال الذي يترأس منذ العام 2017 المجلس المرتبط بنحو 50 ألف شركة إنجليزية، إلى أن "المملكة المتحدة دول ثرية مقارنة بالدول الأوروبية الأخرى، وهذه الثروات يجب أن توظّف في أسواق الدول التي ترتبط معها بريطانيا بعلاقات وثيقة، وأبرزها دول الخليج، وفي مقدمتها دولة الإمارات العربية المتحدة، في ظل الفرص الكبيرة، التي بإمكان الاستثمارات البريطانية الاستفادة منها في الأسواق الخليجية".

وتوقع أن "تستفيد أسواق أخرى في العالم من الاستثمارات البريطانية، لا سيما الدول التي دعمت بريطانيا في الأوقات العصيبة"، مستبعداً أن تتوجه "الأموال البريطانية الاستثمارية إلى دول أوروبية مثل فرنسا وإسبانيا".

المزيد من اقتصاد