Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تحتمل "جدة التاريخية" سباق سيارات الفورمولا بين مبانيها المتهالكة؟

أثار استعراض دعائي قامت به اللجنة المنظمة للسباق الدولي في "البلد" جدلاً حول احتمال المنطقة لنشاط كهذا

صورة من الاستعراض الدعائي الذي تم تصويره في منطقة جدة التاريخية (تويتر مشروع برنامج جدة التاريخية الرسمي)

مع بدء العد التنازلي لسباق السيارات السريعة "فورمولا 1"، الذي تستضيفه مدينة جدة الشهر المقبل، ظهرت سيارة سباق "الفورمولا" في إعلان نشر على مواقع التواصل الاجتماعي، وهي تتجول بسرعة وسط المنطقة التاريخية في جدة، بين حاراتها القديمة ذات الأزقة الضيقة وأسواقها الشعبية ومبانيها العتيقة الآيلة للسقوط.

هذا العرض دفع كثيرين لطرح تساؤلات كان أبرزها، هل تستطيع تلك الأحياء بأزقتها القديمة الصمود وسط صخب هدير المحركات؟ وهل يعد قيادة سيارات يصعب السيطرة عليها بين مبانيها المتلاصقة مهدداً لسلامة المباني ذات القيمة التاريخية المهمة فيما لو تعرضت لحادث؟ لا سيما أن عمر تلك المنازل والمباني تتراوح أحدثها بين 100 و200 عام، منها ما هو معرض للانهيار، وآخر سبق أن تم ترميمه بعد سقوطه.

دعاية وليس سباقاً

ووصفت "جائزة السعودية الكبرى"، اللجنة المنظمة لسباق "فورمولا" المرتقب في ديسمبر (كانون الأول)، استعراض السيارات المقتضب الذي صوّرته في البلد، بأنه كان "دعاية لاستعراض "ريد بول" الذي تم تنظيمه في الواجهة البحرية بكورنيش جدة، الجمعة 12 نوفمبر (تشرين الثاني)"، ولم يكن سباقاً.

إلا أن مؤرخين مهتمين بالآثار قالوا، إن دخول سيارة السباق لتلك المنطقة يعد تهديداً لسلامة مبانيها وشوارعها وأرصفتها، التي يمكن أن تتعرض للدمار بسبب الضوضاء والاهتزازات المنبعثة من السيارات، أو انزلاقها بسبب سرعتها.

وقال عمرو درويش، المهندس المعماري، عضو اللجنة الوطنية السعودية للمجلس الدولي للآثار والمواقع "إيكوموس"، هناك "خطر كبير على مباني جدة التاريخية من الصوت الصادر من سيارات السباق والاهتزازات التي تحدثها، وكان من الخطأ تجول السيارة داخل أزقة جدة التاريخية".

ويعلل ذلك بأن تلك الأزقة "مرصوفة بحجارة معينة وتحتها رمل مضغوطـ، وليس هنالك إسمنت في الأسفل ليحمي تلك الأزقة من الانهيار"، واستطرد "بخلاف الأزقة الحجرية التي تتميز بها منطقة البلد، فإن الأبنية الأثرية تم إنشاؤها من دون أساسات إسمنتية، إذ تم بناؤها على الأرض مباشرة واستخدم فيها الحجر المنقبي، الذي كان يستخرج من البحر الأحمر، ومن ثم قصه وتهذيبه، ثم يرص فوق بعضه بعضاً، ويربط بحوامل من الخشب ومن ثم يستخدم الطين لسد الفجوات".

ولفت إلى أن سقوف تلك المباني تستخدم فيها عروق الخشب مع الألواح الخشبية، وبعدها يصب فوقها ما يعرف بـ"النورة" وهو طين لزج.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويرى درويش أن طرق تشييد تلك البيوت تتطلب صيانتها وترميمها للحفاظ عليها، والتعامل معها بحساسية، وحمايتها من العوامل الخارجية التي يمكن أن تتسبب لها بضرر.

واستدرك بالقول "من غير المتوقع أن يحدث انهيار للبيوت التي تم ترميمها، ولكن على المدى البعيد ستتأثر من الاهتزازات التي تحدثها تلك السيارات".

السيارات ممنوعة في البلد

ويتفق معه سمير برقة، المؤرخ في مدينة جدة ومنطقة الحجاز، ويتساءل "كيف يسمح لسيارات السباق أن تدخل المنطقة التاريخية، في حين أن دخول السيارات الخاصة إليها ممنوع للمحافظة عليها"، لافتاً إلى أن مبرر المنع بينهما واحد.

في المقابل، لا ينفي عدنان عدس، المتخصص في التراث المعماري ومدير إدارة تطوير جدة التاريخية سابقاً، الضرر الذي يمكن أن تسببه أنشطة كهذه، لكنه يقلل من تأثير هذا النشاط بالتحديد بالنظر إلى محدوديته. ويضيف "تجول سيارة الفورمولا داخل جدة التاريخية ليس منه ضرر على المباني، لأنها صغيرة الحجم وخفيفة الوزن ولا يمكن أن تتسبب زيارة واحدة في ضرر على المباني التاريخية".

لكنه يلفت إلى أن الأوساط التاريخية في مدن العالم لا تسمح عادة بدخول السيارات بسبب "التأثيرات السلبية المحتملة على صحة المشاة من تلوث غازات العوادم، والتأثير على الأرصفة والبلاط الحجري من زيوت إطارات السيارات".

ولم ترد وزارة الرياضة السعودية بعد على تساؤلات "اندبندنت عربية" حول الأمر، وسيتم نشره فور وروده.

حوادث المباني

 تعرضت جدة التاريخية خلال السنوات الماضية لعدد من الحوادث أودى بمساحات منها، سواءً على شكل انهيارات أو حرائق.

إذ يسهم النمط المعماري في انتقال النيران، بخاصة وأنها تستخدم في بنائها أخشاباً في الأسقف والنوافذ والأبواب، إضافة إلى تلاصق المباني الذي يسهم بشكل كبير في انتقال الحرائق أو الانهيارات من مبنى إلى آخر.

فقد شهدت تاريخية جدة أشكالاً من الحوادث بين انهيارات وحرائق التهمت بيوتها ذات الواجهات الخشبية، كان أولها الذي التهم سبعة مبان في 2010، تبعه انهيارات جزئية في مبان مجاورة للبيوت المحترقة.

 

تلا ذاك الحريق الكبير حريق آخر في 2011، الذي كاد أن يودي بأحد أشهر البيوت "بيت نصيف" الذي يعد متحف المنطقة ومجلس استقبال رجال الدولة الرفيعين، لمكانته في تاريخ الدولة السعودية، إذ يشكل النمط المعماري للحي ذو البيوت المتلاصقة والنوافذ والسقوف الخشبية فرصة للنيران للانتقال من بيت لآخر بسلاسة.

في العام الذي أعقبه كانت جدة في موعد مع سنتها السنوية، لكن هذه المرة بحريقين اثنين.

واستراحت المدينة في 2013 من الحوادث، وهي تستعد للانضمام إلى قائمة التراث العالمي في 2014، إلا أن المناسبة العالمية ذاتها، المهمة بالنسبة إليها كانت موعداً مع حريق جديد التهم سقفاً خشبياً في بناية مطلة على دوار البيعة، أعقبه حادثان في 2016، وآخر في 2017.

ترميم المباني

وكان ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، قد أطلق أعمال مشروع تطوير  جدة التاريخية في سبتمبر (أيلول) الماضي على أن يستمر على مدار 15 عاماً، بهدف إبراز المعالم التراثية وصيانتها.

ويحتوى الموقع على أكثر من 600 منزل تراثي، و36 مسجداً تاريخياً، وخمسة أسواق رئيسة، إلى جانب الممرات والأزقة والساحات، إضافة إلى إعادة بناء وترميم الواجهة البحرية القديمة التي كانت طريقاً رئيساً للحجاج في الماضي.

ويراعي مشروع إعادة إحياء منطقة البلد أو جدة التاريخية قيمتها في السياق التاريخي، فهي كانت نقطة التقاء للشعوب والتجار وكذلك المثقفين، منذ أن تأسست في القرن الثالث قبل الميلاد كموقع لصيد السمك، وتحويلها ميناء بحرياً رئيساً خلال عهد الخليفة الإسلامي الثالث عثمان بن عفان.

المزيد من رياضة