نساء كردستان يطالبن بتحصيل حقوقهن في التمثيل الحكومي

خلق دور فعال للكُردستانيات في صناعة القرار السياسي في الإقليم

رئيس وزراء إقليم كردستان والناشطة الكردية اليزيدية ناديا مُراد الحاصلة على جائزة نوبل في العام 2018 (الموقع الرسمي لحكومة إقليم كردستان العراق)

أطلقت مجموعة من الناشطات المدنيات في إقليم كُردستان العراق حملة لزيادة تمثيل النساء في تشكيلة حكومة إقليم كُردستان العراق، المتوقعة بعد أيام قليلة. وركزت الحملة على المُطالبة بنسبة الـ30 في المئة للنساء من الوزراء في التشكيلة الجديدة، بشكل يكون موازياً لنسبة تمثيل النساء في برلمان الإقليم، لتُرفع إلى هذه النسبة في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، بعدما بقيت لسنوات عند حدود الـ25 في المئة.

تانيا طلعت كلي، الناشطة المدنية البارزة والعضو السابقة في البرلمان العراقي، أكدت لـ"اندبندنت عربية" أن "هذه الحملة تهدف إلى خلق دور فعال للنساء الكُردستانيات في صناعة القرار السياسي في الإقليم، وفقاً للاتفاقات والمواثيق الدولية". وأضافت كلي "نظمت هذه الحملة بعدما لاحظت الناشطات النسويات والمدنيات في إقليم كُردستان غياب المناقشات والمفاوضات بين الأحزاب والقوى السياسية في الإقليم، بشأن تشكيل حكومة جديدة، تخلو من مرشحات تملكن حظوظاً واضحة للتوزير في التشكيلة الجديدة. فالقوى والأحزاب السياسية لا تعتبر أن قضية تمثيل النساء ذات أهمية، مقارنة ببقية القضايا التي يجري تداولها في ما بينها".

تُضيف كلي قائلة "حملتهم الراهنة هي واحدة من حملات عدة تقوم بها مختلف التنظيمات النسوية في الإقليم، وهي ليست المرة الأولى التي تقمن بمثل هذه الحملات. فقبل تشكيل الحكومة الراهنة نظمت حملات مماثلة، للمُطالبة بأن تُمثل النساء بنسبة الثُلث في التشكيلة الحكومية، ثماني وزيرات من أصل 24 وزيراً، إلا أن الحملة لم تنجح إلا بإيصال وزيرة واحدة للكابينة، هي نوروز مولود، وزيرة البلديات والسياحة".

وختمت كلي حديثها بالقول إن "الحملة هدفت إلى إجراء لقاءات موسعة مع القوى والأحزاب السياسية كافة في الإقليم، وكذلك المؤسسات المسؤولة مثل رئاسة البرلمان، كلها أبدت اهتمامها وتأييدها لتوجهات الحملة"، لكن كلي شككت في إمكان تحقيق النتائج المرجوة بشكل كامل، فكل القوى وعدت بطرح هذه المطالب على المكاتب السياسية لأحزابها، مثلما تفعل عادة، مُعتبرة أن "مستوى المنافسة والمزاحمة على المراكز الوزارية لا يترك فرصة حقيقية لأي من النساء المُرشحات".

مواقع للنساء

لا تمنع القوانين العامة في إقليم كُردستان العراق استلام النساء لأي منصب حكومي أو تشريعي أو قضائي، وهي تفرض نسبة تمثيل للنساء في برلمان الإقليم بما لا يقل عن 30 في المئة، إلا أنها لم تُحدد أية نسبة للتمثيل في التشكيلات الوزارية، أو في المؤسسات العامة، خصوصاً في المراكز العُليا من تلك المؤسسات.

مقابل ذلك، للنساء هيئة ومجلس أعلى لشؤون المرأة في كردستان، في غياب قانون ناظم لهذه الهيئة العليا للمرأة. كذلك فإنه ليس من ضمن اللجان البرلمانية في إقليم كُردستان أية لجنة خاصة بالنساء.

النساء في الإقليم لم تصلن من قبل إلى أي من المناصب السيادية الرئيسية في الإقليم، مثل رئاسة الإقليم ورئاسة الوزراء، ولا حتى كمُستشارات لمثل هذه المناصب. لكن الدورة البرلمانية الأخيرة أفضت إلى انتخاب البرلمانية عن الحزب الديمقراطي الكُردستاني فالا فريد لرئاسة البرلمان، والبرلمانية التُركمانية مُنى قهوجي نائبة أولى لها.

الناشطة المدنية البارزة لانجا عبدالله أوضحت أن "المشكلة الأساسية لعدم تمثيل النساء في التشكيلات الحكومية تكمن في غياب القانون الواضح الفارض لذلك، أسوة لما يُطبق في قانون برلمان الإقليم". وأضافت عبدالله أن "أحد أوجه الخلاف هو صراع بين الرجال والنساء على المناصب الحكومية، ولا يُعقل أن تبقى النساء تطالبن بحقهن في التمثيل من الجهة التي تتنافسن معها على ذلك".

الناشطة لانجا عبدالله هي عضو في تجمع مدني يضم ناشطات وسياسيات يعكسن آراء مختلفة ومن جميع الجهات والمناطق في الإقليم، يهدف (التجمع) إلى تحقيق المساواة الجندرية في التشكيلة الحكومية، تقول لـ"اندبندنت عربية"، "كل الأحزاب السياسية في الإقليم شبه متساوية في موقفها من مسألة موقع وتمثيل النساء في المواقع الحكومية والمؤسسات العامة، وكلها ساهمت في تعطيل مسودة القانون الذي عُرض على البرلمان السابق، والتي كانت تستهدف إصدار قانون يحدد نسبة النساء في التشكيلات الحكومية والمؤسسات العامة بحدها الأدنى". وعن أسباب ذلك، تُضيف عبدالله أن "القوى السياسية في الإقليم لا تملك إرادة واضحة في ذلك الاتجاه، إضافة إلى ما تُمارسه من مُرآة للقوى السياسية الدينية والمُجتمعية المُحافظة". وتؤكد عبدالله بأن "فريق عملهم يسعى لاستحصال تعهدات وتواقيع مختلف القوى السياسية في الإقليم على ميثاق شرف يُعدونه، يعتبر المساواة الجندرية من أهم المعايير والأهداف، التي ستسعى هذه الأطراف إلى تحقيقها".

الحياة المدنية

تسمح طبيعة الحياة العامة في إقليم كُردستان بحرية العمل والنشاط للحركات والتنظيمات النسوية بشكل واسع، وهي تنظيمات منوعة، بين محلية وإقليمية ودولية، تمارس نشاطاتها وأدوارها وتُصدر تقاريرها بحُرية معقولة. فلم يسبق لأي من الفعاليات أو التنظيمات النسوية في إقليم كُردستان أن تعرضت لمُضايقات من قِبل السُلطات الحاكمة، وهو أمر تؤكده مُجمل التقارير الصادرة عن الجهات الدولية، تحديداً ممثلية الأمم المتحدة في العراق.

الكثير من الأسئلة تُطرح من جانب الناشطات المدنيات الكُرديات بشأن عدد من المؤسسات والجهات العامة التي قد تمس موقع النساء وحقوقهن في الحياة العامة في الإقليم.

وعلى الرغم من حرية النساء في المجال العام، إلا أن الناشطات المدنيات تُطالبن بمزيد من المُراقبة والمُتابعة الحكومية للمؤسسات الدينية، خصوصاً مؤسسات الإفتاء وخُطاب المساجد وحلقات التدريس في الجوامع، وضبط تجاوزها لقيم الإسلام والتدين الاجتماعي الوسطية، لا سيما الجهات غير الخاضعة للمؤسسات الحكومية العامة.

كذلك فإن الناشطات تطرحن قضية صورة النساء ووضعهن في المناهج التعليمية في الإقليم، الأمر الذي له دور رئيسي في تحديد مُستقبل أحوال النساء في الإقليم. الأمر نفسه يُطرح بشأن حقوق النساء في القوانين الجنائية والمدنية والعامة في الإقليم، وكذلك في ما خص موقع النساء وحقوقهن في المساواة بالرجال في القطاع الاقتصادي، العام والخاص.

عُنف ضد النساء

تُشير أرقام العُنف الذي تتعرض له النساء في إقليم كُردستان العراق إلى أن صورة النساء في الحياة العامة، السياسية والمدنية، لا تُعبر عن الأحوال الحقيقية التي تعيشها نساء القواعد الاجتماعية الأوسع في الإقليم.

فالتقرير الأخير الذي أصدرته المُديرية العامة لمُناهضة العُنف ضد المرأة في إقليم كُردستان، يقول "إن 38 امرأة تعرضن للقتل في الإقليم جراء العُنف الأسري خلال عام 2017، وإن 58 امرأة انتحرن في العام ذاته، كرد فعل لما يتعرضن له من أشكال العُنف والتضييق الاجتماعي والأسري".

ويعرض التقرير أرقاماً فاجعة عن أحوال النساء في الإقليم، وهي وفق المعايير المقارنة بمجموع السُكان في الإقليم، إنما تُعتبر من أعلى نسب العُنف الذي تتعرض له النساء في العالم. فمثلاً عمليات الحرق طالت 166 امرأة في عام واحد، إذ أقدمت 68 منهن على حرق أنفسهن، بمعدل مخيف، أي بما يقارب تعرض خمس نساء للحرق أسبوعياً.

وعلى الرغم من الانخفاض البسيط في نسب الضحايا، تكاد تلك الأرقام تتكرر بوتيرة شبه متساوية كُل عام، فثمة قُرابة سبعة آلاف شكوى تتقدم بها نساء الإقليم سنوياً، جراء ما تتعرضن له من عُنفٍ وتعذيب أُسري.

المزيد من العالم العربي