Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

زيناتي قدسية يستعيد نص وليد إخلاصي وينحرف في مسرحته

نزع المخرج البعد السياسي والاجتماعي عن نص "مقام إبراهيم وصفية" مغرقاً في المأساوية

من جو المسرحية السورية (اندنبدنت عربية)

استرجع الفنان زيناتي قدسية نص "مقام إبراهيم وصفية" للكاتب وليد إخلاصي، ولكن وفق إعداد قام به بنفسه كمخرج وممثل في العرض الذي حمل عنوان "إبراهيم وصفية" مسقطاً، كلمة "مقام" من عنوان الإعداد الجديد. وأتى هذا الإسقاط من باب تقريب البطلين الشعبيين الحلبيين من عنوان مسرحية "روميو وجولييت" لوليم شكسبير، وكإشارة ربما إلى صراع الحب في وجه العائلة والعرف والتقاليد، وكيف يكون الصغار ضحية صراع الكبار على النفوذ والمال.

النسخة الجديدة من العرض الذي قدمه المسرح القومي بدمشق عام 1982 بتوقيع المخرج محمود خضور، كان قد تحول أيضاً إلى مسلسل تلفزيوني بعنوان "باب المقام" عام 2008 بتوقيع المخرج فهد ميري، وسيناريو محمد أبو معتوق، لكنه في إعداد المخرج الفلسطيني المقيم في سوريا فقد مشروعيته كمقترح فني، وذلك بعد أن نزع زيناتي قدسية الإطارين الاجتماعي والسياسي عن الأحداث التي يرويها النص الأصلي، والتي تجسد الصراع الدموي على السلطة بين التحالفات العائلية والأحزاب المتعارضة فترة الخمسينيات في سوريا.

تدور أحداث العرض الذي أنتجته مديرية المسارح والموسيقى حول قصة حب عذري بين صفية (صفاء الرقماني) ابنة الشيخ صالح (محمود خليلي) وإبراهيم (يوشع محمود) الشاب اليتيم أجير المطحنة، إذ يلتقي العاشقان خلسة عند باب مقام أثري يتبادلان عبارات الشوق واللهفة، وما إن يهم الشاب العاشق بالتقدم لطلب يد حبيبته للزواج، يقوم مرزوق بهلول الحي (زيناتي قدسية) بإفشاء سر العاشقين لأبي الروس (يوسف المقبل) تاجر المواشي، فيستغل هذا الموقف، ويطالب الشيخ صالح إمام جامع الحي بغسل عار ابنته الفاجرة، على خلفية رفض الشيخ تزويجه صفية. فهو الرجل الستيني الذي كان يحلم بالفتاة الحسناء كزوجة رابعة يضمها إلى زوجاته الثلاث، مما يدفع بالشيخ صالح إلى العزم على ذبح ابنته. ويتوارى إبراهيم عن الأنظار بعد أن لفق له أبو الكيف (قصي قدسية) تهمة الإتجار بالمخدرات، بالتعاون مع أكرم مساعد الشرطة (جمال نصار).

مواجهة أليمة

تمضي أحداث العرض متسارعة وصولاً إلى مواجهة أليمة بين الأب وابنته، التي ترفض أن تكشف عليها القابلة للتأكد من عفافها، مما يحمل أباها على ذبحها. وفي واللحظة التي يمسك الشيخ صالح بالسكين ليحز بها عنق ابنته البريئة، يظهر إبراهيم من بين جدران المقام القديم، مقسماً بأنه لم يمسس شرف صفية، وأنه كان يريدها له زوجة على سنة الله ورسوله، وأنه بريء من التهم التي لفقها له أهالي الحي، وما هي سوى مكيدة أدارها كل من أبي الروس وأبي الكيف للانتقام من رفض الشيخ تزويج صفية لأي منهما.

هنا يتداعى الأب باكياً والسكين في يده، مصغياً لصوت قلبه، ومسامحاً ابنته، فيؤوب إلى رشده، ويتراجع عن ذبحها، ويقوم بتزويجها لإبراهيم بعد أن يستدعي الشهود لعقد القران. أتى هذا المشهد في قمة الميلودرامية، والإغراق في البكائية والنحيب من قبل الممثلين، إلى أن ينتهي فجأة، وبشكل مبتور، بعد أن يفشي مرزوق مرة أخرى بخبر تراجع الشيخ صالح عن ذبح ابنته، مما يحمل الجميع على الصعود إلى المقام بمن فيهم المختار (سامر الجندي)، ومن ثم إطلاق النار من بنادقهم ومسدساتهم على العاشقين، وقتلهما داخل المقام الذي سيحمل اسميهما بعد ذلك تخليداً لذكراهما، ولمأثرة الحب العذري الملطخ بالدماء البريئة.

وبالعودة إلى النص الأصلي الذي صدر عام 1981 عن منشورات اتحاد العرب- دمشق، في كتاب تحت عنوان "عن قتل العصافير" وضم مسرحيتين، الأولى كانت بعنوان "فرح شرقي"، وأما الثانية فهي "مقام إبراهيم وصفية". ومهد الكاتب وليد إخلاصي للنصين حينها بالقول إنهما: "محاولة للحصول على شخصية محلية للمسرح العربي، وللاستفادة من الطاقة الروحية للطقس الاجتماعي في الغناء والفرح، وللاتكاء على مخزون الحياة السائدة من حكايا وأمثولات وأغنيات اعتادت الأذن العربية سماعها، وهي فرصة مناسبة لمسرحتها، ووضعها في الصيغة الدرامية المناسبة". كلام الكاتب إخلاصي يلخص هنا حجم الاختزال المتجني على النص الأصلي الذي قام زيناتي قدسية به، وأبرزها العناصر الفولكلورية التي يوردها الكاتب لصياغة طقس مسرحي، ومنها جوقة إنشاد الذكر والمدائح النبوية ابتهاجاً بعودة الحجاج، ومشاهد من مسرح خيال الظل، لا سيما فصل تضحية النبي إبراهيم بكبش افتداء لابنه إسماعيل، إضافة إلى رقص العصي (العراضة) وطقس كشف القابلة ونساء الحي على عذرية الفتاة.

خارج الإطار السياسي

هذا السلخ للإطار الاجتماعي، ولعناصر الطقس المسرحي، واكبه أيضاً سلخ الإطار السياسي للنص، الذي تجلى في المنافسة بين كل من أبي الروس وأبي الكيف في انتخابات المجلس النيابي. إضافة إلى استبدال شخصية الراوي بالبهلول مرزوق، التي قام زيناتي بأدائها من دون أن تغني عن وظيفة الراوي المعلق على الأحداث. بل جاءت شخصية البهلول هنا كاستعارة لشخصية "المضحك" والتي كانت رائجة في مجالس السلاطين والخلفاء في العصر العباسي، ومنها شخصية "مضحك المتوكل" الشهيرة، فبدلاً من الصراع على السلطة جاء الحل في إعداد زيناتي لنص إخلاصي بإجراء قرعة بقطعة نقد معدنية (طره ونقش) بين كل من أبي الروس وأبي الكيف، لإنهاء خلافهما حول من هو الأحق بالزواج من ابنة الشيخ صالح، مما جعل المسرحية تروي قصة حب عادية تنتهي نهاية مأساوية نتيجة الفساد والتسلط. وهي قصة اجترتها نصوص تقليدية عدة، مما أضعف البناء الدرامي المحكم الذي عمل عليه الأديب وليد إخلاصي، بغية المساهمة في تأصيل أصول المسرح العربي، والذي كان سائداً كهم ثقافي وفني في سبعينيات وثمانينيات القرن الفائت على خشبات المسارح القومية في كل من سوريا ومصر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

على مستوى آخر لعب الديكور (كنان جود) دوراً حاسماً في تبديل المناظر، والانتقال السلس بين ساحة الحي، ودار أبي الروس، والمقام، باستخدام كتلة من الخشب تتبدل وتطوى، متحولة بنا من مكان لمكان بحسب تحريكها، ووجهة نظر الجمهور نحوها. لكن في المقابل ظل تصميم الأزياء (كنان جود) غائماً وغير دقيق بالنسبة إلى ملابس السوريين داخل حي حلبي محافظ فترة الخمسينيات. فلقد جنحت إلى مقاربة أزياء تاريخية ذات طابع إسلامي أقرب إلى العباءة والقفطان الطالبانيين، ناهيك عن غطاء الرأس لصفية الذي ظل طوال العرض منسدلاً على كتفيها، وشعرها مرسلاً، على خلاف التصور السائد عن شخصية ابنة إمام جامع، مما أضعف من مصداقية الشخصية، ومن عنصر الإقناع الفني. وجاء متناقضاً مع الأحداث، وتزمت أهالي الحي إزاء الشرف الرفيع الذي لا يكون سالماً حتى تراق الدماء لغسله من العار.

وعوض مخرج العرض عن فرق الإنشاد وأعوان كل من أبي الروس وأبي الكيف بإعطاء أدوار الكومبارس والمجاميع لموظفي صالة مسرح الحمراء، الذين يظهرون في العرض وكأنهم عسس يطلون من مسلسل تاريخي، ومن دون تدريب أو تمرين جدي لهم كيف يقفون أو يمشون على خشبة مسرح. وهذا ما جعل المشهد الختامي عند قتل إبراهيم وصفية يبدو كاريكاتيرياً ومضحكاً، لا سيما حين يصوب هؤلاء بنادقهم ومسدساتهم في لحظة واحدة نحو العاشقين الشهيدين، لتأتي هذه اللحظة الميلودرامية وكأنها مشهد من فانتازيا كوميدية. وما ضاعف من ذلك هو طبيعة الموسيقى (قصي قدسية) التي جاءت طوال العرض كتعليق مباشر على الحدث، أو كمرافق صوتي حزين فاقم من الميلودرامية في أداء الممثلين، وعزز من التركيز على الحب كضحية مستلبة الإرادة، ودورها المرسوم لها منذ اللحظات الأولى من العرض.

المزيد من ثقافة