Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الأميركية ماري هاولاند تدخل المرأة كاتبة وبطلة إلى عالم المدن الفاضلة

"ابنة أبيها" على خطى الاشتراكيين الخياليين بنكهة نسوية أواخر القرن 19

الكاتبة الأميركية ماري هاولاند (Le giardiniere milano)

منذ القرون الوسطى، بل منذ أفلاطون وما قبله في منظور ما، كثُر حديث المبدعين عموماً والفلاسفة بوجه خاص، عن تلك العوالم الخيالية التي لا توجد في أي مكان بشهادة الترجمة الحرفية للاسم العام الذي أُطلق على ذلك النوع من الكتابة، "اللامكان" في الترجمة العربية، لكلمة "يوتوبيا" حتى إن كان العرب قد آثروا استعارة تعبير الفارابي "المدن الفاضلة" تعريباً للاسم، مضفين على ذلك النوع كله مدلولاً أخلاقياً من دون أن يحيدوا عن المدلول الأصلي، الذي كان يتعلق برؤية حملوها متطابقة مع المدلول الإغريقي والأوروبي، الذي يفيد بأن ما يصفونه في روايات أو نصوص فلسفية وما شابه ذلك، إنما هو تلك المدن والمجتمعات التي تسود فيها العدالة وشتى أنواع الفضائل، كبديل منشود لما هو قائم في بلدانهم.

تقدم من دون نساء

ونعلم أن معظم تلك النصوص التي لا مكان هنا لإيراد لوائح بها جميعاً، كانت تنم بصورة عامة عن عدم رضا أصحاب الكتابات عن الأحوال في بلادهم، بالمقارنة مع تلك البلاد التي يتخيلونها ويصلون أحياناً إلى حد التأكيد على أنهم قد زاروها بالفعل، وينصحون اليوم مواطنيهم بالعمل على محاكاتها. مهما يكُن من أمر، لا بد هنا من الإشارة إلى أن الغالبية العظمى من تلك النصوص كُتبت وظلت تُكتب من قبل مفكرين رجال، وتعكس نظرة ذكورية تستبعد النساء من تلك المدن الفاضلة، وفي أحسن الحالات تتحدث عنهن إنما بوصفهن عضوات ثانويات في تلك العوالم المنشودة. بالتالي، بقيت المسألة على الدوام مسألة ذكورية حتى إن كان في مقدورنا أن نلاحظ في القرن العشرين مثلاً، أن باحثات نساء كنّ أكثر اهتماماً بالنوع من زملائهن الذكور في الجامعات، ولكن دائماً من دون أن يحاولن سدّ النقص الحاصل ولا حتى الاحتجاج عليه. ولكن كذلك، من دون الالتفات بصورة جدية إلى نص نادر بين تلك النصوص يتميز بخاصيتين أساسيتين تسيران عكس التيار: أولاً كونه مكتوباً من قبل امرأة، وثانياً يجعل من القضية النسوية عموداً فقرياً له، في زمن كانت المسألة النسوية قد بدأت تطل برأسها فيه، فكرياً وبقوة على أية حال. ونعني بذلك النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

نزعة أوروبية

ونتحدث هنا تحديداً عن كتاب عنوانه "ابنة أبيها"، صدر في نيويورك عام 1874 بتوقيع كاتبة شابة لم تكُن معروفة حينها كأديبة، وإن كانت تعرفها الأوساط الاشتراكية الأميركية المبكرة والمتأثرة بالأفكار الأوروبية – وكان ذلك التأثر ميزة نيويوركية حينها من الصعب القول إنه يجد ما يضاهيه خارج حدود ولايات الساحل الشرقي في الولايات المتحدة، ومن الضروري هنا الإشارة إلى أن الكاتبة ماري هاولاند (1836 – 1921)، صاحبة الكتاب كانت أوروبية النزعة والثقافة ومن هنا كثيراً ما نُظر إلى "ابنة أبيها" بوصفه كتاباً أوروبياً. وهو على أية حال عمل روائي أوروبي يحمل من الأفكار ما نقلته الكاتبة عن احتكاكها، الغريب يومها على المجتمع الأميركي، بتلك الفلسفة السياسية التي كانت منتشرة في فرنسا وبريطانيا بصورة خاصة على يد جماعات تتبع مبدأ الفرنسي شارل فورييه والإنجليزي أوين ومن بعدهما السان سيمونيين، وكلهم من أصحاب الفكر الاشتراكي القريب أحياناً من الواقع والغائص أحياناً أخرى في الخيال. ونعرف أن ذلك الفكر كان الممهد الاجتماعي للفكر الماركسي الذي جرّ "اليوتوبيا" إلى عالم الواقع، لكن هذا يخرج عن موضوعنا هنا.

رواية النساء اليوتوبية

موضوعنا هو رواية ماري هاولاند التي حملت عنواناً مستقى من الاسم الذي كانت بطلة الرواية كلارا فوريست توقّع به مجموع الرسائل التي كانت تبعث بها إلى أبيها، واصفة له حياتها وتفاعلها مع مجتمعات ذلك العالم اليوتوبي الذي انضمت إليه، آملة في أن تتمكّن من خلال انضمامها من تغيير عوالمها المعهودة. ولعل من شأن القارئ أن يدرك حين يقارن بين ما تعيشه كلارا في الرواية وبين ما سيكتشفه من تفاصيل حياة ماري هاولاند، وجود تطابق كبير بين الشخصيتين، وكأن ماري شاءت من كلارا أن تكون "أناها/الأخرى". بل حتى شاءت من كلارا أن تعيش الحياة نفسها التي كانت هي الأخرى قد عاشتها في صباها المبكر. فماري التي كانت تحمل في الأصل اسم ماري ستيفنز، وُلدت كبطلتها كلارا في ماساتشوستس، ورُبيت يتيمة لتخوض حياة العمل والكفاح منذ كانت في عمر 12 سنة وتعرف كل أصناف القهر، لكنها سرعان ما تعلّمت وهي تعمل لتتحول إلى مدرّسة وتتزوج من المناضل الراديكالي إدوارد هاولاند، الذي ستتوجه معه إلى أوروبا كي يكملا نمط الحياة الذي كانت هي قد بدأته في وطنها، حيث فيما كانت تشتغل بالتعليم، عاشت وسط مجموعة من مناضلين اشتراكيين تتبع أفكار الاشتراكيين الخياليين الأوروبيين. وهي حين قصدت أوروبا مع زوحها إنما واصلت هناك نمط العيش ذاته.

أب فريد من نوعه

هذا كله تصفه هاولاند في الرواية، ولكن من خلال كلارا التي نراها تتبادل الرسائل مع أب يبدو من الواضح أن مخيلة الكاتبة أعادت اختراعه هنا على الشاكلة التي كانت تتمنى لو كان أبوها يتّسم بها. ومن هنا أتى النص الروائي منتمياً في جزء كبير منه إلى ما يُسمّى في لغة التصنيفات الأدبية بـ"أدب روايات الرسائل". ولئن كانت كلارا هي هنا الشخصية المحورية، فلا تقلّ عنها شخصية الأب الذي ما إن يتلقف واحدة من رسائل ابنته حتى يكتب لها رداً مسهباً. غير أن التطابق بين كلارا وماري كان لا بد من أن يتوقف ذات لحظة بالنظر إلى أنه لئن كانت الأفكار متشابهة بينهما، وهي ما كان يهمّ الكاتبة أصلاً، فإن السياق الروائي يفترق تماماً من حيث مجريات حياة كل واحدة منهما. فلئن كانت ماري قد توجهت إلى أوروبا مع زوجها شريك حياتها ونضالها وظلت مرتبطة به، هو الذي كان يقاسمها أفكارها بما في ذلك جوهر فكرها النسوي، الذي لا بد من التنبيه إلى أنه كان يبدو "طارئاً" على الفكر اليوتوبي المعهود، فإن كلارا تنفصل عن زوجها قبل توجهها إلى أوروبا بحثاً عن "الفراديس الاشتراكية"، مع صديقة لها لا تقل عنها نسوية ونضالاً هي سوزي دايكس وهي بدورها ابنة طبيب، لكنها أكثر اهتماماً بشقيق كلارا منه بالنضال الاشتراكي.

ما قاله الشاعر العربي

أما كلارا، فإن علاقتها الأكثر عمقاً تبقى مع أبيها، الذي جعلته الكاتبة مراسلها والمعبّر عن عمقه الفكري، هو الذي تخبرنا ماري منذ البداية أنه كان يتطلع منذ سن كلارا المبكرة إلى أن يربيها تربية شديدة الخصوصية، جاعلاً منها فريدة بين البشر، لا سيما فريدة في اعتزازها بأنوثتها، على عكس ما كانت عليه مناضلات ذلك الزمن، بخاصة النسويات منهن من اللواتي يخلطن بين وضعيتهن الأنثوية التي يرفضن ما جعلها عليه المجتمع، وبين ما ينبغي أن يحرصن عليه من تمسك بأهداب ذلك الخيار الطبيعي، الذي قد يتماشى مع ما قاله الشاعر العربي: "فلا التأنيث في اسم الشمس عيب - ولا التذكير فخر للهلال". ومن هنا، لم يكُن من قبيل الصدفة أن تختار ماري هاولاند عبارة "ابنة أبيها" توقيعاً من كلارا لرسائلها، وعنواناً للكتاب الذي إلى نسويته المفرطة والتي لا غبار عليها لدرجة أنها سوف تكون المظفرة في نهاية الأمر، يعترف للذكر، الأب هنا، بأنه هو الذي صنع تلك الفتاة ومكّنها من أن تكون ذاتها وتفخر بأنوثتها.

قوة استثنائية

في هذا المجال، كان "ابنة أبيها" ويبقى كتاباً فريداً من نوعه، حتى ولو أنه لم ينَل من الشهرة المستحَقّة إلى حد كبير، ولو جزءًا مما قُيّض لكتب يوتوبية أخرى مرت على مجرى الفكر ومجرى التاريخ من دون أن تتنبه إلى تلك الأمور البالغة الأهمية والرهافة، التي تنبّه إليها "ابنة أبيها"، فكانت ميزته ونقطة قوته وربما جماله أيضاً.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة