Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ميقاتي يتجنب مواجهة "حزب الله" وتدوير الزوايا لم يعد ينفع

معارضون يعتبرون أن سطوة نصر الله تتجاوز مواقف الحكومة ويطالبون بالاستقالة ومؤيدون يستبعدون المطلب في الوقت الراهن

رئيس الوزراء اللبناني نجيب ميقاتي يتحدث إلى الرئيس الفرنسي ماكرون خلال مؤتمر الأمم المتحدة لتغيّر المناخ  (أ ف ب)

من مؤتمر المناخ في اسكتلندا، تابع رئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي انهيار المناخ السياسي في لبنان، ولم يقطع زيارته التي بدأها من لندن ليعود إلى بيروت، معولاً مرة جديدة على أسلوب تدوير الزوايا الذي اشتهر به، وعلى لقائه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، على هامش مؤتمر المناخ، بعدما استنجد بالفرنسيين للتدخل لدى السعودية لحل الأزمة المستجدة. لكن ميقاتي الذي حاول أيضاً أن يتوسط مع المملكة عبر أحد السفراء العرب الموجودين في بريطانيا ولم ينجح، اكتفى باتصالات المعالجة عن بعد، وأبقى خطوطه مفتوحة مع القصر الجمهوري، لكن محاولاته اصطدمت ولا تزال بحائط منيع رصّه "حزب الله" في وجه كل من يطالب وزير الإعلام جورج قرداحي بالاستقالة، بينهم رئيس الجمهورية وميقاتي والبطريرك الماروني وغيرهم من الشخصيات السياسية المحذرة من خطورة خروج لبنان عن هويته العربية لصالح مشروع إيران في المنطقة.

فرض "حزب الله" معادلة جديدة على الحكومة، المعطلة أصلاً بفعل شروطه بإقالة المحقق العدلي في انفجار المرفأ، فباتت المعادلة الجديدة التي نقلها مسؤولون في الحزب إلى المعنيين في الدولة ومنهم ميقاتي، أن" إطاحة قرداحي ستطيح الحكومة".

وهكذا عجز ميقاتي مرة جديدة أمام سطوة "حزب الله" على حكومته، ولم يتمكّن من إقناع وزير في حكومته بالاستقالة لمصلحة البلد، في وقت وقف الوزير المعني خلف الخطوط الحمر التي رسمها الحزب، وخاطب عبر الإعلام مطالبيه بالاستقالة ومنهم رئيس الحكومة بـ"لا" حازمة، وقال "استقالتي غير واردة".

وفي مشهد عكس تخبّط الحكومة التي لم يمر على تكليفها شهران، تحولت مساحة التوتر إلى حلبة ردود وأخرى مضادة بين الوزراء، على خلفية موقف زميلهم، فتكرّست بذلك حقيقة انتمائهم السياسي وسقطت عنهم صفة المتخصصين والمستقلين.

أما وزير الخارجية الذي كلّفه رئيس الحكومة مع خلية أزمة وزارية تكثيف الاتصالات الدبلوماسية والاستعانة بالأميركيين لإجراء وساطة مع السعودية، فهو أيضاً رفع العشرة معلناً فشل مهمته، بعدما رفض أي من دول الخليج الرد على اتصالاته. ولم يتمكّن الفرنسيون من إحداث خرق في الموقف السعودي والخليجي. وحسم وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان موقف بلاده بعد لقائه نظيره الأميركي أنتوني بلينكن، إذا قال إن "السعودية لم تعُد ترى أي جدوى من التعامل مع لبنان في ظل هيمنة وكلاء إيران عليه". وفي رسالة واضحة، دعا بن فرحان الحكومة اللبنانية إلى صياغة مسار للمضي قدماً بما يحرر البلاد من الهيكل السياسي الحالي الذي يعزز هيمنة "حزب الله". فهل ميقاتي مستعد لتحرير لبنان؟

ميقاتي و"حزب الله"

عندما عُيّن نجيب ميقاتي عام 2011 رئيساً للحكومة التي شُكّلت بعد انقلاب "حزب الله" وحليفه التيار الوطني الحر على حكومة سعد الحريري، مثّل خروج الحزب عن المألوف حينها سابقة عبر تسميته لميقاتي في الاستشارات النيابية، إذ لم يحدث أن سمّى مرشحاً لرئاسة الحكومة منذ عام 2005. وعندما سئل الرئيس ميقاتي حينها عن مدى التزامه بمواقف الحزب بعد تسميته له، أجاب الصحافيين أن "التسمية من قبل حزب الله طبيعية. ولا تُلزمني في الوقت الحاضر بأي موقف سياسي يلتزمه الحزب سوى التمسك بحماية المقاومة الوطنية".

بعد مرور عشرة أعوام، عاد ميقاتي رئيساً لحكومة لبنان خلفاً للحريري أيضاً، وبواسطة مولد كهرباء أحضره "حزب الله" إلى قصر اليونيسكو حيث عُقدت جلسة الثقة، حصل ميقاتي بعد وصوله برافعة مشتركة إيرانية فرنسية، على ثقة برلمانية بما فيها ثقة نواب الحزب. وعندما سئل عن تمثيل الأخير في حكومته، كان جوابه "حزب الله كحزب سياسي موجود في لبنان لا يمكنني تجاوزه".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 رفض تجاوز الحزب، فتخطّاه "حزب الله" الذي ربط عمل الحكومة بتوقيته هو، وصارت حكومة "معاً للإنقاذ" بحاجة إلى الإنقاذ، بعدما باتت مسيَّرة من قبله، وهو ما أكدته الأزمات المتلاحقة بدءًا من دخول المازوت الإيراني إلى لبنان بصهاريجه، مروراً بقضية المحقق العدلي طارق البيطار وتعطيل الحكومة حتى إقالته، ثم حادثة عين الرمانة التي كادت تصل بالبلد إلى حرب أهلية، وصولاً إلى أزمة وزير الإعلام جورج قرداحي التي وضعت لبنان في مواجهة مع دول الخليج. في كل هذه الأحداث، ظهر ميقاتي عاجزاً عن حسم أي منها، بحيث اعتمد كما دائماً مبدأ تدوير الزوايا، مكتفياً تارة بالتعبير عن الحزن لخرق سيادة لبنان والتسليم بتعطيل حكومته وهو الذي أعلن بعد تشكيلها أنه "لن يقبل بأن يبقى المعطلون داخل الحكومة وسيطلب منهم البقاء خارجها".

هل يتبرأ المسلمون السنة من ميقاتي؟

يؤكد أستاذ الدراسات الإسلامية في الجامعة اللبنانية رضوان السيد أن "رئيس الحكومة نجيب ميقاتي أتى بشروط حزب الله، ولهذا السبب هو عاجز عن معالجة أي أزمة تحدث بدءًا من مشكلة القاضي البيطار، مروراً بحادثة عين الرمانة، وصولاً إلى قضية قرداحي. هو سلّم بشروطهم ومعه رئيس الجمهورية بأن يخضعا لقرار الحزب وما يريده حسن نصر الله". يتهم السيد "ميقاتي بالتحايل على الفرنسيين والأميركيين للبقاء رئيساً للحكومة تجنباً لقرار الاستقالة"، نافياً أن يكون الفرنسيون هم الذين طلبوا منه عدم الاستقالة، بل هو الذي أصر على أن "الاستقالة تخرب البلد وتطيح الانتخابات". وينتقد أداء ميقاتي، معتبراً أن "التهرب من المسؤولية وتدوير الزوايا وتبويس اللحى ليست ضمن عمل رئيس السلطة التنفيذية"، داعياً إياه إلى "الاستقالة كحل وحيد لإنقاذ الوضع الذي وصلت بيروت إليه".

كان على نجيب ميقاتي ألا يقبل بتولّي رئاسة حكومة، القرار فيها لـ"حزب الله"، يقول السيد، مذكّراً بأن "مهمة رئيس مجلس الوزراء ليست فقط القبول أو الرفض، بل تقضي باتخاذ القرارات بدلاً من أن يترك لغيره المهمة كما وقع في حادثة الطيونة، بحيث اضطر البطريرك الماروني إلى البحث عن حل، وكما فعل في قضية البيطار بحيث ظلت تصريحاته غامضة يتحدث فيها عن مراعاة الدستور بدلاً من تطبيق القوانين".

الحل ليس بالاستعانة أو الاستغاثة

"أين دور رئيس الحكومة في كل ما يحدث؟"، يسأل أستاذ الدراسات الإسلامية في الجامعة اللبنانية، "هل بات دوره يقتصر على التنكر أو الاستعانة أو الاستغاثة؟ أليس من المعيب أن يقود الاتصالات لحل أزمة لبنان مع دول الخليج وزير الخارجية؟ وأن نطلب وساطة الفرنسيين والأميركيين للتواصل مع السعودية؟".

 ورداً على تأكيد ميقاتي وتمسّكه بأفضل العلاقات مع الدول العربية الشقيقة، يجيب السيد، "هو يقول ذلك لكنه لا يفعل شيئاً لإثبات هذا الأمر".

يذكّر السيد باستقبال رئيس الجمهورية في الرياض و"كيف أن المملكة عرضت على لبنان 22 اتفاقية، لم ينفذ منها واحدة". ويضيف، "لن تتزحزح الأزمة ميلاً واحداً، إلا باستقالة ميقاتي، فلا أمل بغير ذلك لأن وجوده مثل عدمه، حتى استقالة قرداحي لم تعُد مفيدة"، مستطرداً "لم يعُد ينقصنا سوى تضامن خامنئي معه. أما إذا لم يستقِل فالذنب ذنبه، وسنتخذ نحن المسلمين الآخرين خلال 24 ساعة موقفاً نعلن فيه تبرّؤنا منه". واعتبر أنه "كان يمكن لميقاتي أن يعلن موقفاً لو شكلياً بإقالة قرداحي، على اعتبار أن إقالته تحتاج إلى ثلثي مجلس الوزراء، لكنه لم يفعل".

 بأسف، يتحدث السيد عما يصفه "بتخاذل السنة منذ اتفاق الدوحة حتى اليوم، ومنهم رؤساء الحكومات الذين تعاقبوا على رأس السلطة التنفيذية، بحيث شاركوا الحزب وعون في السرقة وفي اجتياح الدولة. نحن أمام خيار أي لبنان نريد؟ فإما نختار مصالح الشعب اللبناني أو مصالح الإيرانيين وحزب الله في لبنان".  

مصادر ميقاتي: الاستقالة خارج البحث الآن

ترفض مصادر مقربة من رئيس الحكومة "كل الاتهامات المساقة ضده، التي تتهمه بالانصياع إلى شروط حزب الله". وتعلن "استقالته غير واردة حالياً. وأي قرار، سيتخذه بعد عودته من مؤتمر المناخ كنتيجة للاتصالات واللقاءات التي يجريها هناك وأبرزها مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ومع وزير خارجية أميركا أنتوني بلينكن".

ورداً على من يدعوه إلى الاستقالة كحل وحيد متبقٍّ، تجيب مصادر ميقاتي، مؤكدة "إننا في خضم المعركة، وقبل أن ينهي ميقاتي لقاءاته مع كل قادة العالم لبحث الأزمة اللبنانية، لا يجوز التسرع والإقدام على أي خطوة ربما تكون نتائجها سلبية على البلاد".

 الأزمة التي تصفها مصادر ميقاتي هي الأصعب التي يمر بها لبنان، وتحتاج إلى تروٍّ وتفكير وكثير من الاتصالات قبل اتخاذ أي قرار. لا تبدو مصادره متفائلة بإمكان معالجة الأزمة ولكن لا خيار سوى المحاولة، وتؤكد "أننا دخلنا مرحلة جديدة عنوانها المواجهة بعد المسايرة عام 2005 والمبايعة عام 2014"، لكن السؤال ما خيارات المواجهة وبأي إمكانات؟

المزيد من تقارير