Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تقدم أميركا الاستقرار في السودان على القيم الليبرالية؟

من المرجح أن تلبي واشنطن مطالب المدنيين مع الإبقاء على علاقات غير رسمية بالمكون العسكري

قرارات البرهان أشعلت شوارع السودان بالتظاهر  (رويترز)

دعمت الولايات المتحدة في فترة ما بعد ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018 وإسقاط الرئيس السوداني السابق عمر البشير في أبريل (نيسان) 2019، الشراكة واتفاق تقاسم السلطة بين العسكر والمدنيين في السودان، وضمن "مجموعة الترويكا" المكونة من الولايات المتحدة وبريطانيا والنرويج، ظلت تراقب خطوات إجراءات نقل السلطة في البلاد إلى سلطة مدنية منتخبة، وتنادي في الوقت ذاته بتسليم الحكومة إلى إدارة مدنية. 

الآن شكلت التطورات الأخيرة ضبابية حول موقفها من هذه الأحداث، بوقوفها في منطقة وسطى بين الامتناع عن تسمية ما حدث بـ"انقلاب"، وبين التلويح بإيقاف المساعدات. كما طالبت بعدم استخدام العنف والتعرض للمتظاهرين السلميين، وأن أي إجراءات خارجة عن ذلك ستؤدي إلى تراجع فرص السودان في الاستقرار والتنمية والتحول الديمقراطي. وطالبت بإعادة السلطة إلى حكومة مدنية مع إعلان الرئيس الأميركي جو بايدن التزامه مساعدة الشعب السوداني على استكمال الانتقال إلى الديمقراطية.

استراتيجية أميركية

صيغت الاستراتيجية الأميركية في شأن السودان منذ 1958 بتأسيس مكتب أفريقيا والشرق الأوسط التابع لوزارة الخارجية الأميركية، وشهد عهد الفريق إبراهيم عبود تعاوناً كبيراً بين البلدين، وفي عهد جعفر النميري تطورت على نحو يراعي مصالحها العسكرية والاقتصادية، وكان بغرض إبعاد السودان ضمن دول أفريقية أخرى من المعسكر الشرقي والنفوذ السوفياتي الذي نشط في أفريقيا وتسرب من خلال حركات الاستقلال الأفريقية وظهرت ملامحه الأيديولوجية في الأدب الثوري لآباء الاستقلال الأفارقة.

حاول النميري في بداية حكمه المحافظة على التوازن بين الشيوعيين والعسكريين، إلا أنه تعرض لمحاولة انقلاب عسكري شيوعي بقيادة هاشم العطا في 19 يوليو (تموز) 1971،  وبعد عودته إلى السيطرة على البلاد بعد ثلاثة أيام وجد الفرصة سانحة للتوجه غرباً. 

وكان هناك استعداد لدى حكومة النميري لإعادة العلاقات الأميركية السودانية بعد انقطاعها بسبب حرب يونيو (حزيران) 1967، بين إسرائيل وكل من مصر وسوريا والأردن، وأدت إلى احتلال إسرائيل لسيناء وقطاع غزة والضفة الغربية والجولان. وكان السودان في تلك الفترة من أكبر الدول الأفريقية التي تتلقى مساعدات اقتصادية من الولايات المتحدة، قبل أن يتم تجميدها. ثم جاء انقلاب النميري، إلا أن العلاقات ظلت متوترة لنفس السبب، وهي المشكلة بين العرب وإسرائيل لأن السودان كان يسير على خُطى مصر، لكن كانت هناك بوادر لإعادة العلاقات الدبلوماسية مع أميركا. وبدأ الانفتاح على الولايات المتحدة على يد منصور خالد الذي كان سفيراً للسودان في الأمم المتحدة، قبل أن يعينه النميري وزيراً للخارجية في أغسطس (آب) 1971.

وفي تلك الفترة التي تحالف فيها النظام العسكري السوداني مع الولايات المتحدة، تمت أمركة التعليم العسكري، وإرسال ضباط للتدريب في الولايات المتحدة، وأسهمت واشنطن في مد السودان بمعونات تنموية كبيرة لم تنافسها إلا نظيرتها الصينية.

 مؤسسات ضعيفة

تدرك الولايات المتحدة أن الاستبعاد الكامل للجيش ليس منطقياً في بلد يفتقر إلى المؤسسات والقيم المدنية التي تجعله مؤهلاً لإقامة نظام ديمقراطي متكامل، ولكنها أيضاً ضد استيلائه على المؤسسات المدنية. وذلك ما قد يجعلها تنظر إلى تغليب حالة الاستقرار السياسي في مجتمع متحول من نظام عسكري تقليدي إلى نظام ديمقراطي حديث.

وسط ضجيج الفترة الانتقالية، أخفى علو صوت المؤسسات المدنية بعد قطف ثمار الثورة خارجياً، ضعفها وخلافاتها الداخلية في ما بينها، وهي نتيجة طبيعية لطول فترة حكم البشير الذي هيمن خلال ثلاثين عاماً على الحياة السياسية، لذلك ظهرت الأحزاب السياسية كمؤسسات ضعيفة لم تستطع قيادة الاحتجاجات سياسياً، وعندما سقط البشير بضغوط الشارع السوداني وإجباره على التنحي، قفزت أربعة أحزاب سياسية إلى مقاعد السلطة.

يعود مفهوم الوظيفة العسكرية لدى الجيش السوداني إلى ما أحدثته حركة المقاومة الوطنية ضد الاستعمار البريطاني، إذ هيأته للإمساك بزمامي الدورين السياسي والعسكري معاً. ومر هذا الدور بتجاذبات داخلية ودولية قوّته حيناً وأضعفته أحياناً أخرى خلال حكم الفريق إبراهيم عبود (1958-1964)، وحكم العقيد جعفر النميري (1969- 1985)، وذلك بخلاف فترة حكم البشير (1989- 2019) التي كانت فيه الحكومة منبوذة دولياً، وتدهورت العلاقات مع أميركا بشكل حاد ما أوقع السودان في عقوبات لا يزال يعانيها.

 بدأت نقطة التحول في اعتماد ثورة ديسمبر على الجيش كدعامة أساسية في تحقيقها وتأمين مخاطرها وحمايتها من جهاز الأمن للنظام السابق و"كتائب الظل"، الذي كانت بينه وبين مؤسسة الجيش خلافات عديدة. وبعد الثورة حاول المدنيون الاستغناء عن الجيش بعد تحقق مشروعهم الثوري، فبقدر ما كانوا يرغبون في نظام ديمقراطي، فإنهم يريدون أيضاً الاحتفاظ بالسلطة والاحتكار السياسي بأحزاب ضعيفة ومتشاكسة. ولكن السلطة العسكرية مع مشاركتها في آلية الدولة، حافظت على مركزية الجيش الداخلية. وأغرت مشاركة المكون العسكري المدنيين بتصوير السلطة العسكرية كأنها تابعة لنظيرتها السياسية، وقبل أن تسيطر هوية الأخيرة على الأولى، قطعت الطريق بحل الوثيقة الدستورية باعتبارها المستوى المؤسسي الذي يحكم عمل الطرفين.

إطار دبلوماسي

يمكن القول إن فكرة التدخل العسكري في السياسة السودانية بدأت بالتعبير عن مطالب داخل مؤسسة الجيش، وتولدت هذه الفكرة من شعور أعضاء المؤسسة بالدونية أمام الحركات المسلحة التي أفرد لها المدنيون مساحة كبيرة في جهاز الدولة، إذ يعتقد ضباط الجيش أن مسؤولية هذا التردي العسكري إنما يقع على عاتق السلطة السياسية، ومن ثم بدأ الترتيب لإطاحة المكون المدني.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبرر الموالون لتدخل الجيش، هذه الخطوة بأن العملية الديمقراطية والفترة الانتقالية الممهدة لها في هذا الظرف الذي يمر به السودان يقتضي مثل هذا التدخل، خصوصاً في ظل حالة الاستقطاب السياسي بين أحزاب معينة والمحاصصات التي قربت الحركات المسلحة وحاولت إبعاد الجيش. ولم يكن مجرد تقريب فقط بل درج المكون المدني على الاستقواء بموقفه المساند لمطالب الحركات المسلحة أمام المجتمع الدولي كونها حاربت النظام السابق، فدفع هذا الاستقطاب الجيش للقيام بهذا التدخل وتقريبه أيضاً حركتين مسلحتين هما العدل والمساواة، بقيادة وزير المالية جبريل إبراهيم، وحركة تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي، حاكم إقليم دارفور.

وفي المقابل يرى معارضون لتدخل الجيش بأنه على الرغم من تعدد الأسباب التي دفعت بفريق البرهان للقيام بهذه الخطوة، فإن السبب الرئيس وراءها لم يكن حماية الثورة أو دعمها، بل كان الرغبة في استعادة الجيش هيبته وسطوته، وتقليص تلك الحريات التي سمحت للسلطة المدنية بما سموه "إهانة" الجيش، ويمكن لهذه السيطرة العسكرية أن تنحرف عن هدفها المعلن في بيان البرهان ومؤتمره الصحافي وهو حماية الثورة، بل يمكن أن تسفر عن دستور جديد يقلص الحريات ومناخ الديمقراطية.

أدت عدة أسباب إلى اتخاذ التوتر القائم بين الجيش والسلطة أشكالاً لافتة في الفترة الانتقالية، وتبلور هذا في عدد من الأحداث والوقائع، وخلالها كانت الولايات المتحدة تكرر ضرورة تسليم السلطة لحاكم مدني. إلى هذا، يعد طلب بايدن من الكونغرس "تمديد مفاعيل قانون الطوارئ الوطنية في ما يتعلق بالسودان"، في إطار المحافظة على القيم الليبرالية، إطاراً دبلوماسياً للتأكيد على اختلافه في شأن السيطرة العسكرية، بينما يسمح بتجنب مواجهة مباشرة معها.  

خطوة مقبلة

 بدخول السودان مرحلة جديدة تشكلت وفقاً للأحداث الأخيرة، ستكون الخطوة المقبلة التي ستتخذها الولايات المتحدة هي المطالبة بتطمينات الجيش للمكون المدني قبل العودة للعمل معاً. وقد بدأت بالفعل اللجنة الوطنية للوساطة التي اقترحها الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، رئيس بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم المرحلة الانتقالية في السودان "يونيتامس"، فولكر بيرتيس بالعمل والتواصل مع الفريق عبد الفتاح البرهان وعبدالله حمدوك.

ونظراً لعدم أحقية العسكريين بتولي مواقع داخل المجلس التشريعي المرتقب، ولحرصهم على تقوية تمثيلهم داخل المجلس بتعديل قد يحول التمثيل العسكري إلى مؤسسي، فيُتوقع إما أن يظلوا في مهامهم العسكرية ويبتعدوا عن المجلس التشريعي، أو يباشروا مهامهم بعد خلع البزات العسكرية باعتبارهم مدنيين.

 وإزاءهذه التوقعات، ربما تحافظ الولايات المتحدة على خطابها الحالي بضرورة أن تكون أي محاولة للتغيير تتم بالتراضي بين المكونين المدني والعسكري وبدعم من الشعب. وبناءً على ذلك فستكون هناك اتجاهات أساسية في موقفها، أهدافه الأساسية، أولاً، إعادة ترتيب وضعية السلطة العسكرية وإضفاء بعض المشروعية عليها، مع العمل على الحد من تغولها على نظيرتها المدنية، ولكن في الوقت ذاته تُتاح لها الفرصة للتحول ضمن إطار دستوري يسمح بتدخلاتها في الشؤون السياسية من دون مواجهة. وثانياً، الحد من التشكيك في شأن نوايا العسكر وإضعاف قدرتهم على الانقلاب على السلطة في ما بعد مع الحرص على التأكيد على التكاليف الاقتصادية المترتبة على ذلك بحرمان السودان من المساعدات وإعفاء الديون وغيرها. ثالثاً، التأكيد على أن سياسة الولايات المتحدة لا تحيد عن دعم القيم الليبرالية، وستحاول تلبية مطالب المدنيين مع حرصها على الإبقاء على علاقات غير رسمية مع الجانب العسكري، إلى حين عودتهما إلى الشراكة فيسهل عليها التعامل معه ضمن حكومة واحدة.

المزيد من تحلیل