Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

السودانيون يخشون دخول بلادهم في عزلة دولية مجددا

مراقبون: لا خيارات أمام البرهان سوى التنازل لصالح الوطن والعقوبات الدولية واردة حال التعنت

قرارات عبد الفتاح البرهان تضع السودان في مهب الريح  (أ ف ب)

دفع السودانيون على مدى الأعوام الـ30 الماضية من حكم الرئيس السابق عمر البشير (1989- 2019)، ثمناً باهظاً لما أصابهم من عزلة خارجية بسبب رعاية النظام السابق للإرهاب من خلال استضافته لزعيم تنظيم "القاعدة" أسامة بن لادن منتصف تسعينيات القرن العشرين، وعدد من قيادات الإخوان المسلمين المطلوبين في بلدانهم، فضلاً عن اتهامه بتقديم الدعم المالي والتقني لمنفذي تفجير المدمرة "كول" الذي وقع قبالة ميناء عدن عام 2000، وكذلك تفجير سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا عام 1998، لكن إطاحة نظام البشير بثورة شعبية أسهمت في تسوية القضيتين بمساعدة واشنطن، فدفعت الحكومة السودانية مبلغ 335 مليون دولار لأُسر وضحايا الحادثتين، ما أدى إلى إزالة اسم البلاد من قائمة الدول الراعية للإرهاب نهاية عام 2020، وبالتالي عادت علاقات الخرطوم مع مختلف دول العالم، بخاصة مع الولايات المتحدة الأميركية إلى مجراها الطبيعي بجهود ومثابرة الحكومة الانتقالية التي أعلنت حسن نوايها ورغبتها بالانفتاح على العالم، وفق سياسة تراعي المصالح المشتركة بعيداً من المحاور والتدخل في شؤون الدول. 

وما إن أعلن رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان قراراته الممثلة بالطوارئ وحل مجلسي السيادة والوزراء وتعطيل عدد من مواد الوثيقة الدستورية، التي قابلها كثير من دول العالم بالرفض التام من منطلق أنها بمثابة انقلاب على السلطة المدنية، بدأت مخاوف كثير من السودانيين من دخول بلادهم في عزلة دولية من جديد، نظراً إلى المواقف التي اتخذتها غالبية دول العالم ضد قرارات البرهان. فكيف تكون علاقات السودان الخارجية في ظل هذه التطورات والمواقف المعارضة لتوجهاته؟ 

روسيا والصين 

يقول السفير السابق في وزارة الخارجية السودانية عبد الوهاب الصاوي، "أصبحت الآن الأمور والمواقف واضحة لكثير من دول العالم الرافضة لهذا الانقلاب، بخاصة واشنطن وألمانيا وإنجلترا والنرويج ودول الترويكا، فجميعها يسير في اتجاه واحد، بالتالي لا خيار أمام البرهان غير أن يتراجع ويقدم شكلاً من أشكال التنازلات حتى تنفرج الأزمة لصالح الوطن والحفاظ على مكتسباته التي حققتها ثورة ديسمبر (كانون الأول)، وإلا سيواجه السودان تراجعاً في علاقاته مع غالبية بلدان العالم، خصوصاً أن حكومة رئيس الوزراء عبدالله حمدوك وقّعت اتفاقيات مهمة مع دول عدة، مما يُعدّ اختراقاً كبيراً بعد العزلة التي شهدتها البلاد لأكثر من عقدين، فلا سبيل غير حل هذه المشكلة السياسية بالتوافق والحوار". 

وأضاف، "السودان في حاجة لكل دول العالم، لأن لديه من المشكلات التي تحتاج إلى المساعدات الخارجية، بخاصة المشكلة الاقتصادية التي تتطلب معالجات وخبرات وتكنولوجيا لاستغلال موارده في مجالات الزراعة والتعدين وغيرها، فمن دون ذلك، ستدخل البلاد في دوامة العزلة والانهيار الاقتصادي، وهو أمر وارد وسيكون وبالاً على الشعب. فمن المتوقع أن يصدر مجلس حقوق الإنسان قرارات ستكون مرجعية لأي دولة لالتزامها، وهي بلا شك ضربة قوية لا يُستهان بها في علاقات السودان مع العالم". 

واستبعد حدوث قفزة في علاقات بلاده مع روسيا والصين في حال استمرار الوضع الجديد، فالتجربة من واقع حكم البشير الذي كان متحالفاً مع هاتين الدولتين (روسيا والصين)، أثبتت فشل هذه العلاقات، باعتبارهما لن تكونا بديلتين لواشنطن وحلفائها في العالم، بخاصة الأوروبيين. فالصين ظلت تطالب بديونها باستمرار وتحت الضغط المستمر من دون مراعاة لأي ظروف اقتصادية، كما أن روسيا بدأت  تطالب بالقاعدة البحرية، لافتاً إلى "أن كل المؤشرات تؤكد أن العلاقات السودانية الدولية في ظل توجه البرهان الانقلابي ستضعف وربما تسوء". 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

فشل النخب 

ويرى السفير السوداني الصادق المقلي أن "ما حدث في السودان يعبّر عن فشل النخب منذ خمسينيات القرن العشرين، والآن يُسأل المكونين العسكري والمدني عن أي تبعات لقرار إعلان حالة الطوارئ، لأنهما شريكان في المسؤولية، إذ لم تكُن لديهما رؤية لمواجهة الأزمة التي عصفت بالبلاد، بل لجأ الاثنان إلى شخصنة القضايا بكل أسف على حساب الوطن، ما عرّضه لمخاطر وعقوبات تعيده إلى المربع الأول. فالإجراءات التي صدرت عن أميركا والاتحاد الأوروبي والمؤسسات الدولية لا تبشّر بخير، وستكون هناك انتكاسة وعزلة دولية حقيقية بعدما خرجنا من الدائرة الجهنمية التي كان نظام البشير السابق سبباً فيها، لكن حالياً تتجدد المخاوف بإلغاء المجتمع الدولي جميع المساعدات المالية والعينية، فضلاً عن إعفاء الديون الخارجية، إلى جانب توتر العلاقات الدولية بعدما حقق السودان انفتاحاً غير مسبوق، ليعود بسبب هذا الانقلاب إلى نقطة الصفر". 

وأضاف، "نأمل في أن تسهم الجهود الدولية بغض النظر عن السيناريوهات وردود الأفعال، بلعب دور كبير من أجل إحداث توافق بين أطراف الصراع، وهذا هو الحل الوحيد، وأعتقد أن السعودية مؤهلة للقيام بهذا الدور. لكن معروف أن العقوبات التي أُعلنت بوقف المساعدات الخارجية وغيرها هي مواقف أولية للضغط على المكون العسكري، ممثلاً بالبرهان، فواشنطن ليست في مصلحتها القطيعة مع السودان، لكن إذا ذهبت الأوضاع في اتجاه السيطرة العسكرية على الحكومة الانتقالية، فليس لدى أميركا خيار غير استمرارها في العقوبات، وهي ليست عقوبات أحادية، بل ستكون شاملة، بخاصة أن واشنطن تسيطر على مؤسسات التمويل الدولية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ويؤدي هذا إلى فقدان الخرطوم العون الأميركي الثنائي، والرجوع إلى مربع القطيعة من جديد". 

صوت العقل 

وأشار المقلي إلى أن "دعم أميركا للسودان وحكومته الانتقالية ينطلق من قانون يتبنّاه الكونغرس لدعم الديمقراطية، بحيث يتضمن البند 11 منه، أن يقدّم الرئيس الأميركي جون بايدن في يوليو (تموز) المقبل شهادة أمام الكونغرس تفيد بأن السودان حدث فيه بالفعل تحوّل ديمقراطي، مما يستوجب المضي قدماً في مساعدته، وإلا سيكون الأمر صعباً بإيقاف أي شكل من أشكال الدعم نهائياً". وأكد أنه "على ضوء هذه المعطيات، فلا يوجد خيار غير تحكيم صوت العقل والعودة إلى التوافق الوطني العريض، فالمعادلة ليس فيها خاسر لأي طرف من الأطراف". 

ونوّه المقلي إلى "أنه إذا لم تحدث تنازلات من المكونين العسكري والمدني، فسيكون الاستقرار والأمن في مهب الريح، ولا بد من أن يضع المكون العسكري في باله مسألة المساعدات الخارجية، وما سيتعرّض له السودان من عزلة خارجية إذا أراد الاستمرار في مخططه الانقلابي".

المزيد من تقارير