Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

نظرة في خطة جونسون الاقتصادية بعد بريكست

يكتب شون أوغرادي قائلاً إن نسخة رئيس الوزراء من النهج النقدي، في شكلها الحالي، تعني أنه لا يكترث لإضاعة أموال الآخرين إذا حمى ذلك إرث بريكست وسمعته هو نفسه

 إعادة الكرة: في حين يدعو بوريس جونسون إلى جولة جديدة، ريتشي سوناك هو من يسدد الثمن (أ ب)

حين ألقى ريتشي سوناك عظته الشخصية القصيرة في نهاية خطابه عن الميزانية – كان ذلك بحد ذاته عملاً غير معتاد من أي وزير للمالية – طرح سؤالاً مباشراً: "لكن الآن لدينا خيار. هل نريد أن نعيش في بلد تكون فيه الاستجابة إلى كل مسألة كما يلي: “ماذا ستفعل الحكومة في هذا الشأن؟”. أم هل نختار الإقرار بأن العمل الحكومي له حدود، ويجب أن تكون له حدود؟".

رسمياً، كان السؤال موجهاً إلى النواب الجالسين حوله، لكن من الممكن جداً أنه كان موجهاً مباشرة إلى الرجل الجالس وراءه مباشرة، أي بوريس جونسون. فالميل الغريزي للسيد جونسون إلى التدخل ونهجه البراغماتي جداً إزاء الشؤون المالية العامة أطّرا معظم الإجراءات الواردة في الميزانية ومراجعتها المرفقة للإنفاق. ويمثل ذلك خطوة أخرى في تحول حزب المحافظين وتخليه الهادئ عن اقتصاديات السوق الحرة. وأكد ذلك، في لحظة صراحة نادرة، كبير أمناء المالية، سيمون كلارك. فكلارك، النجم الصاعد الذي يتشارك بعض الميزات (بالمعنى الإيجابي) مع أحد كبراء أمناء المالية السابقين، جون ميجور، يقر بالأمر كله: "كان وزير المالية منفتحاً جداً على أن ما يجري عبارة عن تحول في الفلسفة الاقتصادية. فما نريد أن نراه هو تقوية الاقتصاد، وإطلاق الإنتاجية، وتحقيق النمو في شكل أكثر تعادلاً في مختلف أرجاء المملكة المتحدة. وهذا يتطلب بعض الإنفاق المسبق".

بعبارة أخرى، هذا سعي إلى النمو من النوع الذي تخلت عنه قبل زمن بعيد الحكومات المحافظة بقيادة مارغريت ثاتشر وميجور وديفيد كاميرون وتيريزا ماي الذين وضعوا إلى هذا الحد أو ذاك التعقل المالي العام والتخفيضات الضريبية قبل القضايا الرائجة الحالية الخاصة بـ"خدمات عالية المستوى" والاستثمار والإنتاجية. ففي عهد ثاتشر وبعده، اعتُبِرت هذه القضايا إلى حد كبير شأناً من شؤون القطاع الخاص والشراكات بين القطاعين العام والخاص.

وهكذا يكون العبء الضريبي عند أعلى مستوى له منذ عهد رئيس الوزراء كليمنت أتلي، والدين الوطني متضخماً كما كان في عهد رئيس الوزراء هارولد ماكميلان، والإنفاق العام عند مستويات غير مسبوقة منذ عهد رئيس الوزراء جيمس كالاهان، وليست لهذه الوقائع لدى رئيس الوزراء الحالي قيمة سوى أنها مثيرة للفضول. فجونسون يمتلك طموحات رائعة وكبيرة لبريطانيا بعد بريكست لأن لديه فكرة يريد إثباتها ولديه مصلحة راسخة واضحة في إنجاح بريكست. وهكذا ينتهج في الشؤون المالية العامة اللامبالاة نفسها التي يبديها في شؤونه المالية الخاصة. فنسخة رئيس الوزراء من النهج النقدي (monetarism)، في شكلها الحالي، تعني أنه لا يكترث لإضاعة أموال الآخرين إذا حمى ذلك إرث بريكست وسمعة رئيس الوزراء نفسه. وفي حين فرضت جائحة كوفيد موقفاً يشبه اقتصاد الحرب، أمكن التغاضي بسهولة عن تفاصيل كهذه. لكن الآن تعاود البروز أسئلة من النوع الذي أثاره سوناك.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أدرك أخيراً النواب المحافظون، الذين نضج كثر منهم سياسياً في ظل حكومات ثاتشر ويظلون ثاتشريين مكرسين، أن الرجل الذي انتخبوه لقيادتهم قبل سنتين يمثل رجعى إلى تقليد أقدم من تقاليد المحافظين. ولو أن المرأة الحديدية لا تزال رئيسة للوزراء، من المستبعد أن تمنح جونسون منصباً في حكومتها، ولاسيما منصب يضعه في أي مكان قريب من أموال دافعي الضرائب. وليس من قبيل المصادفة أن جونسون أشار بنبرة انتقاصية إلى "النموذج الاقتصادي المعطل" في بريطانيا، في تقريع مبطن للسنوات الليبرالية الجديدة الثاتشرية، ووصف نفسه بأنه "هيزا ميال إلى بريكست"، في إشارة إلى السياسات المؤيدة لتدخل الدولة في الصناعة التي رفع لواءها مايكل هيزلتاين (سياسي محافظ ملقب بهيزا)، وهو الرجل الذي أخرج السيدة ثاتشر من السلطة عام 1990.

وعلى حد وصف الناطق الوقور باسم حزب العمال لشؤون الخزانة، تبدو ميزانية سوناك، في أي حال، أشبه بميزانية "هيثية" (نسبة إلى رئيس الوزراء إدوارد هيث) – ميزانية يحدها نمو قليل مزمن وتضخم مرتفع ودين كبير، تماماً كحين عانت بريطانيا لمواكبة البلدان المنافسة لها في سبعينات القرن العشرين. فبعد بريكست، ومع تراجع استثمار القطاع الخاص، تتمثل الطريقة الوحيدة للخروج من النسخة الحالية من الفخ في استثمار عام ضخم في البنية التحتية والمهارات، ولاسيما في المناطق التي تعاني من عمالة ناقصة ("تحقيق المساواة")، إلى جانب سلسلة من الرهانات على التكنولوجيات الفائقة من خلال وكالة البحث المتقدم والاختراع المنشأة حديثاً. وبمرور الوقت، يُؤمَل أن يعزز ذلك الاتجاه الأساسي لمعدل نمو اقتصاد المملكة المتحدة، وأن يعطي البلاد الميزة التنافسية التي تحتاجها خارج الاتحاد الأوروبي – بدلاً من تقليص الضرائب والخدمات العامة لبناء "سنغافورة بحرية" جديدة. والأمر قريب من المقامرة.

وعلى غرار ما حصل في عهد حكومة هيث في أوائل سبعينات القرن العشرين وحكومة ماكميلان في الستينات، تواجه بريطانيا مشكلة اقتصادية تتمثل في استثمار تاريخي يؤدي إلى إنتاجية منخفضة، تحقق بدورها تحسينات مخيبة للآمال في معايير المعيشة. فقد كان من المفترض أن يمثل الإنفاق المالي العام الخجول، الذي تفرضه هذه الأيام الرغبة في انضباط سعر صرف العملة والخوف من التضخم، عدو بريطانيا الجديدة والديناميكية، لكن في ظل حكومات متعاقبة، فشل "الاندفاع إلى النمو" – أي الحفز [التحفيز المالي] الضخم الممول بالاقتراض لتحقيق انفراجة. والمفارقة أن الحكومات المحافظة والعمالية في ذلك العصر لجأت بدلاً من ذلك إلى المجموعة الأوروبية القائمة آنذاك باعتبارها جزءاً آخر من الحل للمشكلة الاقتصادية البريطانية، في حين عمدت حكومة ثاتشر إلى تقوية تكامل الاتحاد الأوروبي من خلال الدفع باتجاه السوق الموحدة، وهي مبادرة تخص السوق الحرة تماماً. ربما يقرر جونسون وسوناك لمرة أن الاتحاد الأوروبي لم يكن المشكلة في نهاية المطاف.

© The Independent