Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"ساردانابال" كما صوره بايرون في مسرحية ألهمت ديلاكروا لوحته الشهيرة

ملك لا يحب سفك الدماء لكن نهايته الفجائعية كانت له بالمرصاد

دراسة عن وفاة الملك ساردانابال (1827-1828) رسمها يوجين ديلاكروا (1798-1863) (غيتي)

ليس واضحاً تماماً ما جعل الشاعر الإنجليزي الكبير لورد جورج بايرون (1788 – 1824) يهتم خلال الأعوام الأخيرة من حياته بحكاية تعود إلى زمن الآشوريين في بلاد ما بين النهرين كانت تبدو منسية إلى حد ما في بطون كتب التاريخ وتتحدث عن الملك ساردانابال، ويقرر إهداء نص المسرحية حين نشره في عام 1821 إلى الكاتب والمفكر الألماني الكبير وولفغانغ غوته. ومن ثم ينطرح هنا سؤال آخر: لماذا كتبها في رافينا الإيطالية تلك المدينة الساحرة التي لا توحي إلا بالجمال فإذا بالمسرحية تطلع من بين يدي بايرون فجائعية دامية مليئة بالقتل والنار والموت وما شابهها؟ مهما يكن، يعرف تاريخ الأدب أن بايرون كان ذا حياة ومزاج مفعمين بالنزوات وكانت تلك بالتأكيد واحدة من نزواته. لكنها كانت نزوة بديعة ستعرف لاحقاً كيف تلهم فنانين كباراً في مجالات فنية متنوعة.

بين ديلاكروا وبرليوز وليست

فمن ناحيته سيستوحي الرسام الرومانسي الفرنسي أوجين ديلاكروا من مسرحية بايرون هذه واحدة من أقوى لوحاته التاريخية. كما أن الموسيقي الفرنسي أيضاً هكتور برليوز سيقتبسها في مغناة تعتبر عادة من أعماله الكبيرة، ومثله سيفعل موريس رافيل وفرانتز ليست. بيد أن علينا أن نتنبه هنا على أي حال إلى أن ثمة وقبل بايرون بزمن طويل، مبدعين اهتموا بدورهم بالحكاية التاريخية نفسها ومنهم الموسيقي الإيطالي فريسكي (1640 – 1690). أما الفرنسي جانسيير فقد اشتغل أواسط ستينيات القرن التاسع عشر على أوبرا مقتبسة من نص بايرون نفسه عرضت للمرة الأولى في باريس عام 1867. ولم يكن هؤلاء سوى بعض المبدعين الذين ألهمتهم تلك الحكاية نفسها، فأسهموا جميعاً في إعادة حكاية "سارادانابال" إلى الحياة كدرس تاريخي لا يجب أن ينسى وكعمل تراجيدي يحمل كل المكونات اللازمة للتراجيديا في بعدها الأكثر قتامة والأكثر ارتباطاً بالشرف في الآن عينه.

من بطون الكتب

والحقيقة أن يايرون حين مسرح تلك الحكاية التاريخية التي عثر عليها في أكثر من مرجع واحد، لا سيما في الكتاب المسمى "المكتبة التاريخية" من تأليف الكاتب النهضوي ديودور الصقلي، لاحظ من فوره كيف أن شخصيتها المحورية الملك ساردانابال تتيح له في كلامه عن الماضي أن يتحدث عن الحاضر كما عن رؤيته للتاريخ والأخلاق، بصورة عامة. ولكن تتيح له أيضاً أن يتخذ من الملك الآشوري وحبيبته اليونانية ميريا نموذجين للقوة ونكران الذات والرغبة في التحول إلى قربان في هذه الحياة، يعكسان ما تصور أنه صورته هو نفسه، أي بايرون مع حبيبته الكونتيسة تيريزا غويتشيولي التي كانت في رفقته في رافينا حين كتب المسرحية. ولعل في هذا الواقع الأخير ما يجيبنا وإن مواربة على السؤال الذي طرحناه أول هذا الكلام. بيد أن هذا يبقى افتراضاً ضئيل الأهمية أمام المآل العظيم الذي انتهت إليه تلك المسرحية التي حملت ببساطة عنوان "سردانابال" أو بالأحرى "ساردانابالوس"، بحسب النطق الإغريقي لاسم ذلك الملك.

خيانات وسذاجة

فما الحكاية بعد كل شيء؟ ما هو ذلك الموضوع الذي أثار فضول بايرون جارا معه ديلاكروا وعدداً لا بأس به من موسيقيين وفنانين آخرين؟ المسرحية التي تنطلق في فصلها الأول من رجل الحاشية في قصر الملك الآشوري ساردانابال، سالمينيس وهو يعبر في نوع من مناجاة يشكو فيها من إهمال صهره الملك لحكمه لارتباطه بعشيقته اليونانية ميريا، وإهماله زوجته والرفاهية التي يصر على العيش فيها، تشهد على الفور دخول الملك الذي لا يتورع سالمينيس عن اتهامه بقسوة بالافتقار إلى أي طموح عسكري وخيانته لزوجته، محذراً إياه من احتمال قيام تمرد ضده يحضر له عدد من الخونة داخل القصر وخارجه. هنا في البداية يعترض الملك متذرعاً بأنه لن يسعى أبداً إلى استباق الأحداث وسفك الدماء، لكنه في نهاية الأمر يعطي صهره الإذن بكشف المتآمرين والاقتصاص منهم. وهنا إذ يغادر سالمينيس القاعة تدخل ميريا التي إذ يقترح عليها الملك أن يمضيا سهرة ممتعة على ضفة الفرات تعترض قائلة، إن الخوف ينتابها من أن يكمن له المتآمرون خارج القصر. وفي اليوم التالي نرى الفلكي الكلداني بيليسيس يتنبأ بقرب سقوط ساردانابال "بحسب ما أخبرته النجوم" ثم إذ يلتقي بالمدعو آرباسيس سنكتشف أن الاثنين معاً من بين المتآمرين على الملك لإطاحته. وفي هذه اللحظة يلتقيهما ساليمينس الذي يكتشف أمرهما ويتعارك معهما سعياً منه لاعتقالهما، لكن دخول ساردانابال في تلك اللحظة بالذات يوقف العراك فيما يبدو الملك غير مصدق أن هذين "الوفيين" له يمكن أن يكونا في عداد المتآمرين!

الملك يفيق متأخراً

وانطلاقاً من هنا تتابع الأحداث التي سرعان ما سيكتشف الملك مع بداية انكشاف هوية المتآمرين فيها وتضاؤل عدد المخلصين له الباقين من أنصاره، أن بساطته نفسها قد مكنت أعداءه من خداعه ولم يعد أمامه الآن إلا أن يستعد لمعركة بات يشعر أنها سوف تكون الأخيرة، وأنه مهما بذل فيها من جهد لن يتمكن من الانتصار والحفاظ على عرشه. وبالتالي لم يعد أمامه إلا أن يحافظ على أسرته كما على شرفه. فنراه هنا تحت تأثير محظيته ميريا يقرر أن يخوض المعركة الأخيرة وقد ارتدى كل دروعه وتمنطق بأقوى أسلحته لكنه في لفتة أخيرة إلى وسامته وعيش الرفاه الذي أمضى حياته غائصاً فيه، يلقي على صورته في المرآة نظرة إعجاب أخيرة كما لو أنه يريد أن يودع نفسه قبل أن يودع أي شخص آخر. والحقيقة أن هذا المشهد كما كتبه بايرون بدقة وطرافة وتحنان في المشهد الأخير من مسرحيته هذه بدا منطقياً ومستحقاً وقد أضفى على الملك سمات إنسانية تتكامل مع الصورة التي كانت قد قدمت لنا عنه كإنسان عاشق بل حتى غير مهمل لعائلته.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

نهاية قاسية لملك كبير

فحتى هنا، في اللحظات الأخيرة وإذ أيقن أنه سوف يهزم في معركته لا محالة وسوف تحل نهايته، يقرر أن يأمر زوجته بالاختباء مع أطفالهما بحيث يصبحون في مأمن من غدر المتآمرين. ثم بعد أن يخوض قتالاً أخيراً مشرفاً يتوجه مع ميريا، محظيته، إلى حيث كان قد أمر بنصب محرقة كبيرة أحاطها بعدد من عبيده وأعوانه المخلصين، ثم أمر بإشعال النار في المحرقة التي أحاطت بعرش اعتلاه مع ميريا ليموتا معاً محترقين بالنار... في مشهد مريع لكنه لا يخلو من بطولة تراجيدية تليق بذلك الملك الذي تحول مع الزمن إلى أسطورة شرقية حتى وإن كان سينسى بعد ذلك طوال قرون عديدة، وبالتحديد حتى جاءت مسرحية بايرون لتوقظه من النسيان.

أفضل من شكسبير!

الطريف أن بايرون الذي راهن على هذه المسرحية كثيراً كي تعيد إليه مجداً مسرحياً كان قد بدأ يفتقده في سنواته الأخيرة، كان من أشد المعجبين بمسرحيته تلك، إعجاباً لا يضاهيه إلا إعجاب ساردانابال بنفسه حين شاهد صورته في مرآة المشهد الأخير، إذ يقول لمن أحبوا أن يسمعوا تعليقه على المسرحية من دون أي قدر من التواضع: "لقد كان هدفي من كتابة هذه المسرحية أن أحذو حذو الكتاب الإغريقيين في إضفاء بعد درامي على التاريخ، أو بالأحرى أن أفعل بالتاريخ ما كانوا هم يفعلونه بالأسطورة. وأنا على يقين من أنكم سوف تجدون مسرحيتي متغايرة تماماً مع كل ما كتبه شكسبير، بل بمعنى من المعاني ستجدونها أفضل من نتاجات شكسبير هذا الذي أقول لكم إنني أنظر إليه بوصفه أسوأ مثال يحتذى، حتى وإن كنت أعترف له بأنه الأكثر استثنائية بين الكتاب". لسنا ندري كيف استقبل مستمعوه يومها هذا الكلام لكننا لا بد من أن نشير إلى أن ما من أحد حتى من بين أكثر المتحمسين لـ"ساردانابال" حماسة وافقه على أن هذه المسرحية أفضل من كل ما كتب شكسبير!

المزيد من ثقافة