Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما خيارات أميركا بعد سيطرة العسكريين على السلطة في السودان؟

تجربة البشير- الترابي قد تتكرر مثلما حدث في أماكن أخرى في الشرق الأوسط

ظن الأميركيون أن القادة العسكريين في السودان لن ينقلبوا على شركائهم المدنيين خلال المرحلة الانتقالية، لاعتقادهم أن قادة الجيش سيواجهون مقاومة هائلة من المتظاهرين الذين أسهموا في إسقاط الرئيس السابق عمر البشير عام 2019، وأن المجتمع الدولي قد ينزع عنهم الشرعية، لكن ما استبعدته الولايات المتحدة حدث بالفعل، فماذا هم فاعلون، وهل يملكون من الخيارات الكثير؟

إحباط أميركي

لم تنجح تحذيرات جيفري فيلتمان المبعوث الأميركي للقرن الأفريقي خلال لقائه، السبت الماضي، 23 أكتوبر (تشرين الأول)، مع رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان ونائبه محمد حمدان دقلو، المعروف باسم حميدتي، من عواقب تعطيل عملية الانتقال إلى الديمقراطية، وبأن دعم الولايات المتحدة للسودان قد يتعرض للخطر إذا توقف الانتقال إلى الحكم المدني، فبعد يومين فقط من هذه التحذيرات، استولى الجيش على السلطة واحتجز كبار المسؤولين السياسيين المدنيين في عملية سريعة بدت بالنسبة للأميركيين نهاية لعملية الانتقال إلى الحكم الديمقراطي.

ومن الواضح أن المسؤولين في واشنطن شعروا بإحباط شديد عكسته تصريحات كبار المسؤولين في البيت الأبيض ووزارة الخارجية والكونغرس الذين تحولت تصريحاتهم من القلق مما جرى في السودان، إلى إدانة شديدة ورفض لما قامت به القوات السودانية من حل للحكومة الانتقالية، وطالب وزير الخارجية أنتوني بيلينكن بإعادتها على الفور، معتبراً أن اعتقال رئيس الوزراء عبد الله حمدوك وغيره من القادة المدنيين غير مقبول، وأن هذه الإجراءات تعد خيانة للثورة السلمية في السودان، بحسبما قال في بيان أصدره بعد تريث ودراسة للتطورات على الأرض في الخرطوم.

وبدأت واشنطن في حشد الجهود الدولية لمواجهة تصرفات العسكريين في السودان، وأصدرت مجموعة الترويكا المكونة من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والنرويج، التي وقعت اتفاقية جوبا للسلام في السودان عام 2020، بياناً أدانت فيه تعليق عمل مؤسسات الدولة وإعلان حالة الطوارئ وتعهدت بدعم الذين يعملون من أجل سودان ديمقراطي بحكومة مدنية شرعية بالكامل كأفضل ضمان لاستقرار البلاد والمنطقة على المدى الطويل.

لكن ما الذي تملكه الولايات المتحدة وحلفاؤها من خيارات إذا لم يمتثل الفريق عبد الفتاح البرهان وباقي القادة العسكريين للضغوط والتحذيرات الغربية؟

ضغط اقتصادي

أهم ورقة في يد الإدارة الأميركية الآن هي ورقة الدعم الاقتصادي، فقد استثمرت الولايات المتحدة كثيراً في السودان منذ الإطاحة بعمر البشير، وقدمت 337 مليون دولار هذا العام فقط لمساعدة الحكومة الانتقالية، ودعمت تخفيف ديون الخرطوم مع صندوق النقد الدولي، كما قدمت الوكالة الأميركية للمساعدات الدولية 56 مليون دولار كمساعدات إضافية للسودان قبل شهرين فقط، فضلاً عن أكثر من 600 ألف من لقاحات "كوفيد-19" الأميركية الصنع، وكانت إدارة جو بايدن تعتزم تقديم مساعدات مباشرة أخرى بـ700 مليون دولار، غير أن التطورات الأخيرة دفعت واشنطن إلى تجميد هذه الأموال وعدم الإفراج عنها إلا إذا أطلق القادة العسكريون السودانيون سراح رئيس الوزراء المحتجز والقادة المدنيين الآخرين في مكان غير معلوم، وإعادتهم إلى السلطة بشكل كامل والامتناع عن العنف ضد المتظاهرين.

عقوبات محتملة

ومن الواضح أن إدارة الرئيس بايدن، التي فوجئت بما وصفته بالانقلاب، تبدو مستعدة لتوقيع عقوبات ذات طابع سياسي اقتصادي، فقد أوضح نيد برايس، المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، أن الولايات المتحدة ستحاسب المسؤولين عن عرقلة طريق السودان نحو الديمقراطية، مؤكداً أنه من المحتمل، إعادة تقييم علاقة بلاده بشكل كامل مع ما وصفه بالكيان القائم الآن في السودان ما لم تتم إعادة السودان إلى المسار الانتقالي، ولم يستبعد احتمال فرض عقوبات جديدة رداً على استيلاء الجيش على السلطة، من دون أن يفصح عن نطاق وطبيعة هذه العقوبات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

غير أن بعض المراقبين في العاصمة الأميركية لا يستبعدون أن تتخذ إدارة بايدن موقفاً أكثر تشدداً مع السودان لأغراض تخص هيبة الولايات المتحدة ووضعها في العالم ، إذ إن هذه الأزمة تعد الأولى بعد كارثة أفغانستان التي أظهرت ضعفاً في إدارة الرئيس الأميركي وسوء تقديره للأمور، كما يتزامن التصعيد الحالي في السودان مع استمرار مماطلة إيران وعدم تحقيق أي إنجاز في ما يتعلق بالتزامها عدم تخصيب اليورانيوم والعودة للاتفاق النووي، وهو أيضاً يمثل ضغطاً آخر يُظهر إدارة بايدن على أنها أساءت التقدير في كيفية تعاطي طهران مع الإشارات الإيجابية التي قدمتها إدارة بايدن عند تسلمه السلطة في البيت الأبيض.

تحول عكسي

وإذا تشددت إدارة الرئيس الأميركي في اتخاذ مواقف صارمة ضد حكومة البرهان، فسوف يعد ذلك تحولاً عكسياً في علاقة الولايات المتحدة مع الخرطوم بعدما رفعت واشنطن اسم السودان من القائمة الأميركية للبلدان ذات الاهتمام الخاص في انتهاك حرية الأديان، كما رفعت اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب في 14 ديسمبر (كانون الأول) 2020، وساند الكونغرس الأميركي تشريعاً لدعم التحول الديمقراطي في السودان بعد أشهر عدة من مساندة واشنطن تحالفاً دولياً باسم "أصدقاء السودان".

لكن الورقة الاقتصادية على الرغم من أهميتها وتأثيرها في استقرار السودان قد لا تكون كافية وحدها من وجهة نظر الأميركيين، صحيح أنها كانت ورقة رابحة حينما قال المدنيون، إن العسكريين استخدموها خلال الأسابيع التي سبقت الإطاحة بهم، ونجحوا في تحميل حكومة حمدوك مسؤولية النقص في الخبز والمواد الغذائية والوقود في كل أنحاء البلاد، نتيجة حصار فرضه زعيم قبيلة "البجا" المعارض لحمدوك على ميناء بورتسودان قبل أن يُرفع الحصار بعد اعتقال رئيس الوزراء، إلا أن أي حكومة بديلة الآن في السودان يمكن أن تحصل على مساعدات من دول أخرى صديقة، كما يمكن لنظام محاصر في الخرطوم أن يتعايش مثل نظام عمر البشير ويصمد عشرات السنين بصرف النظر عن مدى تأثير ذلك على مستوى معيشة المواطنين.

حصار دبلوماسي

ولهذا، فمن المرجح أن تفكر إدارة الرئيس بايدن في تفعيل عدد من آلياتها الدبلوماسية لتشكيل ضغط دولي على الفريق البرهان ورفاقه في الحكم، والتلويح بمزيد من الحصار السياسي عبر التنسيق مع حلفاء أميركا في أوروبا وآسيا والاتحاد الأفريقي، بما يجعل النظام منبوذاً في المجتمع الدولي، غير أن هذا الخيار قد لا يكون فعالاً بشكل جزئي وقد يفشل في منظمة الأمم المتحدة التي تحتاج إلى دعم صيني وروسي في مجلس الأمن، حيث من غير المرجح أن تدعم موسكو وبكين اتخاذ أي إجراءات عقابية ضد السودان نظراً للمصالح التنافسية الجيوسياسية بين الدول العظمى في المنطقة.

تجنب الاضطراب

وهناك جانب آخر ينبغي أن تضعه واشنطن في الاعتبار، بحسب رأي بعض الخبراء، وهو تجنب مزيد من الاضطراب في القرن الأفريقي، وبخاصة مع توسع الصراع في إثيوبيا المجاورة ودخول صراع أديس أبابا و"جبهة تحرير شعب تيغراي" عامه الثاني، واستمرار النزاع الحدودي بين السودان وإثيوبيا بلا حل، وتواصل خلاف مصر والسودان مع إثيوبيا حول سد النهضة الإثيوبي الكبير على النيل الأزرق بالقرب من حدود السودان.

ترقب وتوجس

وما قد يجعل واشنطن تفضل عدم التسرع باتخاذ مواقف متشددة حيال حكومة البرهان، أنها ربما تنتظر أن تؤتي تهديداتها وتحالفاتها الدولية ثماراً مبكرة، تفرز ردود فعل إيجابية من القيادة السودانية، بما يؤشر على تخفيف قبضة الفريق البرهان على السلطة عبر إشراك مجموعة من المدنيين في الحكم، وهو ما قد يسمح لإدارة بايدن بتليين مواقفها نسبياً، وإن كان من السابق لأوانه الحكم بأنها قد تقبل فصيلاً مثل "ميثاق الوفاق الوطني" الذي تتهمه العناصر الرئيسة في قوى الحرية والتغيير بالانشقاق عنها وتأييد وتمويل التظاهرات المؤيدة للجيش.

ومع ذلك، فإن الولايات المتحدة تتوجس مما يقوله المتظاهرون المؤيدون للديمقراطية بأن القادة العسكريين السودانيين ما زالوا يحافظون على علاقات وثيقة مع الدائرة المقربة من الرئيس السابق عمر البشير على الرغم من ادعائهم أنهم طلائع للحركة التي أطاحت به، بخاصة وأن الحكومة المدنية وافقت على إجراءات تسليم البشير للمحكمة الجنائية الدولية من أحد السجون في السودان، لكن الجيش منع هذه الخطوة، في وقت يؤكد أنصار الديمقراطية أن البرهان وحميدتي وشخصيات عسكرية وشبه عسكرية بارزة أخرى خدموا في دارفور تحت حكم البشير وإن لم تبرز أي قضايا ضدهم.

إدراك للماضي

ويدرك الأميركيون أن التحول الديمقراطي في السودان واجه تحديات صعبة عبر التاريخ وأن المدنيين المتحالفين مع ضباط الجيش، كانوا ينقسمون في كثير من الأحيان، وينزع فريق منهم للتحالف مع العسكريين عندما تحتدم الخلافات بين النخب المدنية في سياق استقطاب سياسي مرير، وهي سمة لا تقتصر على السودان فقط، وإنما تنتشر في بلدان أخرى في الشرق الأوسط مثل سوريا والعراق واليمن، بحسبما تقول صحيفة "واشنطن بوست" في تحليل لها.

غير أن الصحيفة أشارت إلى أن هذه التكتيكات لا تخلو من العواقب، لأنها تتيح للضباط العسكريين ترسيخ مكانتهم في الصراع الداخلي، وتوفر فرصة لتوطيد سلطتهم على حساب المدنيين الحكوميين.

تجارب سابقة

ولم يكن ما يجري الآن في السودان غريباً عن تجارب سابقة، فعلى الرغم من ظهور البشير كوجه لانقلاب عام 1989، إلا أن الجبهة الوطنية الإسلامية المدنية بقيادة حسن الترابي ساعدت في تدبير المؤامرة، ففي البداية تولت حكومة مدنية- عسكرية بين البشير والترابي الحكم في السودان، ولكن سرعان ما ظهرت أزمة داخل الحكومة عندما انقسم القادة المدنيون حول تطرف الترابي في الشؤون الداخلية والدولية، وفي النهاية تحالف خصوم الترابي مع البشير لإقالة الزعيم المدني للحزب، ما سمح للبشير باحتكار السلطة السياسية.

وظهر هذا النمط في أماكن أخرى أيضاً، فعندما تولى أعضاء مدنيون وعسكريون من حزب البعث السوري السلطة في انقلاب مارس (آذار) 1963، نشأت صراعات مزمنة بين القيادة المدنية البعثية وفصيل مدني آخر يعرف باسم "الإقليميون"، وفي فبراير (شباط) 1966، قام "الإقليميون" والجنود البعثيون بانقلاب وطردوا قادة الحزب من الحزب والحكومة ومن كل أنحاء سوريا.

وبالمثل، استولى البعثيون العراقيون على السلطة في انقلاب عسكري في فبراير 1963، لكن الخلافات طويلة الأمد بين القادة المدنيين دفعت الضباط البعثيين إلى دعم أطراف مختلفة داخل الحكومة، وبعد تسعة أشهر، فقد القادة المدنيون السلطة على أيدي حلفائهم العسكريين.

ولهذا يدرك كثيرون الآن أن التاريخ قد يعيد نفسه في السودان، ومن المؤكد أن الطريق نحو المستقبل مليء بالشكوك وعدم اليقين.

المزيد من تحلیل