Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

يوم ودع غونتر غراس قراءه والعالم بنصوص تتصالح مع الحياة

الكاتب الذي قاس تابوته في الحانوت ضاحكاً ساخراً من موته المقبل

غونتر غراس (غيتي)

قبل رحيله بأعوام قليلة، كان الكاتب الألماني غونتر غراس (1927 – 2015) قد أقام أوساطاً أوروبية عدة ولم يقعدها حين خُيّل للذين قرأوا واحداً من كتبه الأخيرة، وهو بالتحديد كتاب "تقشير البصل" الذي يروي فيه عدداً من فصول حياته، أنهم "اكتشفوا" وعلى لسانه كونه انضم ذات فترة من شبابه الباكر بل من صباه حين كان مراهقاً في الـ17 من عمره إلى شبيبة "الحزب النازي". وهكذا علا الصراخ واندلعت "الفضيحة" وتراكمت الأخبار، وراح الكاتب الكبير الذي كان حينها يقترب من الـ90 من عمره ويعيش أيامه الأخيرة ويكتب على الرغم من مرضه وآلامه، لمجرد رغبته بأن "يعرّي ذاته"، تاركاً للخلَف نوعاً من وصية سياسية لا تخلو من الصراحة، راح يتلقّى الهجمات من هنا وهناك بدهشة ساخرة. وسبب تلك الدهشة بسيط جداً في الحقيقة، إذ كان عدد من متابعي أعمال غراس يعرفون تلك الحقيقة منذ عقود وعلى لسان غراس نفسه، الذي لم يفوّت مناسبة إلا وتحدث فيها عن "غلطة صباه" تلك، ساخراً من نفسه ومن تلك الظروف التي فرضت عليه أواسط ثلاثينيات القرن العشرين أن يفعل فعل ملايين الفتيان من دون أن يفقه شيئاً عن النازية، التي نعرف أنه سوف يكرّس لاحقاً معظم أدبه لفضحها.

حكاية عبثية

كانت حكاية غونتر غراس مع "غلطة ماضيه" من أكثر حكايات الأدب إثارة للسخرية، ولا شك في أنها أمتعت هذا الكاتب الكبير وسط آلام أعوامه الأخيرة، خصوصاً أنها وكما حال كل "رقابة" رسمية كانت أو اجتماعية، جعلت اسمه يتصدر واجهة الحياة الثقافية الأوروبية، ما دفع أجيالاً جديدة إلى قراءته والاستمتاع بأدبه، على عكس ما كانت تتوخى تلك اللوبيات التي أثارت ما يمكننا الآن تسميته "زوبعة في فنجان". بالتالي لم تحبط تلك الحكاية غراس ولم تقلل من شأنه، بل يبدو على العكس من ذلك، أنها دفعته إلى العمل، لا سيما على كتاب أخير له أنجزه خلال فترة في ذلك الحين، لكنه لم ينشر إلا بعد رحيله، فكان له استقبال يفوق ما كان لأي واحد من كتبه الأخيرة، من قبل قراء خيّل إليهم أنه يحمل بعض المفاجآت. غير أن المفاجأة الحقيقية كانت في خلوّه من أية مفاجأة، بل اقتصاره على نصوص بديعة هادئة لا تسعى إلى خوض أية معارك ولا إلى الدفاع عن الكاتب. غير أن هذه النصوص لم تشغل سوى نصف صفحات الكتاب، أما النصف الثاني من الصفحات، فخُصص لعدد كبير من رسوم أنجز غراس بعضها خلال تلك المرحلة بالذات، فيما كان رسم البعض الآخر قبل ذلك.

على خطى النهضوي دورر

كالعادة أتت رسوم غراس التي ضمها هذا الكتاب بديعة، يكاد كل رسم منها يروي حكاية، وتؤكد في مجموعها على قدرات هذا الكاتب الفنية، لا سيما في الرسم الواقعي، الذي غالباً ما تكون مواضيعه مهتمة بتصوير رؤوس حيوانات أو مناظر طبيعية، تذكّر في أحيان كثيرة على ما يمكننا الافتراض بتلمذة غراس في هذا النوع من الفن على مواطنه وسلفه النهضوي الكبير ألبريخت دورر، الذي لم تكُن رسومه التخطيطية التي كانت تُطبع وتُوزع بآلاف النسخ عند بدايات المطبعة، توازي غالباً في قوة تعبيرها والحكايات التي "ترويها" لوحاته الزيتية الكبرى. والحقيقة أن جمال لوحات غراس هذه، التي لم تأتِ مفاجئة إذ نعرف أن غراس كان يرسم دائماً أغلفة كتبه بنفسه، إضافة إلى رسوم داخلية كانت تصور بعض مشاهد الروايات، دفع بعض المتحمسين إلى التساؤل عما إذا لم يكُن قد حان الوقت بعد لإصدار كتاب ضخم، يجمع رسوم هذا الكاتب الكبير الذي حقق لألمانيا خلال أعوام ما قبل رحيله جائزة نوبل أدبية لواحد آخر من كبار كتابها، هي التي حاز مبدعوها على تلك الجائزة وغيرها بأعداد استثنائية طوال القرن العشرين.

في حانوت التوابيت

وعلى الرغم من فرادة هذا الكتاب وعنوانه "عن النهاية" في مجال وفرة احتوائه على الرسوم، فإن نصفه الآخر، والأساسي على أية حال، يبقى بالغ الأهمية والطرافة أيضاً. وهل ثمة ما هو أطرف من كتاب يروي فيه كاتبه في واحد من نصوصه وبالتفاصيل المرحة واللغة التي تدنو من أعلى درجات السخرية من الذات، كيف دخل يوماً إلى حانوت يبيع التوابيت برفقة زوجته بهدف اختيار كل منهما تابوتاً لنهايتهما، فراحا يتجولان داخل الحانوت ويقيسان أي واحد من التوابيت المعروضة يناسب قياس الواحد منهما، وكأنهما يقيسان بذلة عند خياط قدير، فيما الباعة يسجلون القياسات بمرح متبادل ويتضاحك الجميع من دون أن تبدو على الراحل قريباً، غراس، أية علامة من علامات الأسى. كان واضحاً، وبحسب ما يمكن أن يستشفّ من بين سطور النص، أنه يستمتع بتلك الجولة استمتاع طفل في محل للحلوى، ولا يورد أي تعليق يحمل ذرة من الحزن!

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ميت يحتفل بالحياة

مهما يكن، من الغريب أيضاً أن تلك الروح المرحة أتت منسحبة على الكتاب كله، بحيث خلا تقريباً من الإشارة إلى فكرة الموت بعينها ومن التعبير عن إحساس الكاتب بأن نهايته باتت قريبة. بل إنه استنكف هنا عن الإشارة حتى إلى أية واحدة من تلك القضايا الكبرى، التي كثيراً ما كانت شغله الشاغل في كتابته، سواء كانت روائية أو لم تكُن. صحيح أنه لم يستطِع إلا أن يمرر هنا بين صفحة وأخرى بعض الأمور التي تنم عن أنه لم ينسَ صراخه التاريخي ضد تجار الأسلحة، مشعلي الحروب ومسببي القتل على صعيد العالم كله، وضد الطائرات المسيّرة (الدرون) التي يعتبرها من أكثر أسلحة الغدر فتكاً وقذارة، أو ضد الأسواق المالية وجرائمها في حق البشر في زمن العولمة، ولكن كان من الواضح أن غراس لم يكن راغباً حقاً في نصوصه الأخيرة، أن يزحم كتابه بمعارك يرى أنه قال في شأنها كل ما كان يريد أن يقول غير ساهٍ عن أن كل ما قاله لم يُجْدِ نفعاً.

مواقف عابرة للذكرى فقط

بالتالي، ها هو يفضل الآن بعد بعض الجمل والمواقف العابرة التي بالكاد يمكن رصدها، ها هو يفضل خلال ما تبقى له من وقت، أن يقول وداعاً لأمور أكثر جمالاً. فالكاتب الذي بحسب مقال نشر عن كتابه في صحيفة "دويتشه تسايتونغ"، التي كانت دائماً في مقدمة المدافعين عنه والمهتمين بأدبه، كان يعرف تماماً "أن ما تبقى له في هذه الحياة الدنيا ليس سنوات بل مجرد أشهر، بمعنى أنه يعرف تماماً أن الفترة التي تفصله عن كل ما يتسم بجمال في هذا العالم الفاني، لم تعُد كافية لرؤيته مرتين". وهكذا نجده هنا في بعض الصفحات الأكثر جمالاً، يقول وداعاً للطبيعة وزهورها ونباتاتها، للحيوانات الطيبة التي لا تسعى إلى إلحاق الأذية بأحد، للغيوم وللنساء، خصوصاً للأجساد الأنثوية و"شفاه النساء كل النساء اللواتي عرفتهن واللواتي لم أعرفهن، بخاصة حين تكف عن الكلام". وأيضاً للكتب، كل الكتب، لا سيما كتبه التي كان يعرف تماماً أنها "بعد هذا الكتاب الأخير، سيصبح عددها ثابتاً إلى أبد الآبدين".

أنشودة للحياة

في نهاية الأمر، اعتبر كثر من النقاد هذا الكتاب أنشودة للحياة يلقيها شاعر وهو يستعد لاستقبال الموت بكل رواقية وتسلية. شاعر لم يعُد راغباً بأن يواصل حتى الرمق الأخير الدور الذي ظل يلعبه في حياته وأدبه كداعية أخلاقي، مفضلاً أن يتحول في ذاكرة قرائه ومحبيه إلى كاتب لطيف مفعم بالحيوية وبالدعة كما لم يكُن في أية لحظة من لحظات حياته، تلك الحياة التي زيّنها بعض أجمل قطع أدب كُتبت باللغة الألمانية خلال النصف الثاني من القرن الـ20 من "الطبل الصفيح" التي حوّلها مواطنه فولكر شلوندورف فيلماً بديعاً، إلى "الفأرة" و"سمكة التوربوت" و"قلب كلب"، وصولاً طبعاً إلى "تقشير البصل" على الرغم من مهاجميه الذين فضل ألا يضفي عليهم أية قيمة في أيامه الأخيرة ولو بالردّ عليهم.

المزيد من ثقافة