Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"في الإنعاش"... زيادة المخاوف من بلوغ الاتفاق النووي الإيراني حافة الانهيار

تواصل إيران التي تتمهل في العودة إلى طاولة المفاوضات توسيع برنامجها النووي

الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي يزور محطة بوشهر النووية في وقت سابق من أكتوبر الحالي (رويترز)

باتت الصفقة التي كان هدفها تقليص نشاط البرنامج الإيراني النووي وكبحه، أمام خطر الانهيار على خلفية تعنت الولايات المتحدة في رفض تخفيف وطأة العقوبات، وتناقضٍ في موقف إدارة متشددة في طهران بشأن اتفاق قد تعتبر مشاكله أكثر من فوائده.

في الوقت الحاضر، يبذل مبعوثو الدول المشاركة في "خطة العمل الشاملة المشتركة" [الاتفاق النووي الإيراني] كامل جهدهم للتوصل إلى صيغة تمكنهم من استئناف المحادثات التي أوقِفت في وقت سابق من العام الحالي. وينتظر المسؤولون المكلفون إعادة إحياء الاتفاق صدور أي إشارة إيجابية من إيران التي توسع نطاق برنامجها أبعد بكثير من الحدود التي ينص عليها الاتفاق النووي، وتعرقل عمل المفتشين الذي يعملون على استيضاح تفاصيل برنامجها.

وقال أحد المسؤولين الحكوميين في إحدى الدول المشاركة في المحادثات "لم تلفظ الصفقة أنفاسها ولكنها في الإنعاش". وقد تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته.

ويحذر الخبراء من أن الوضع الحالي غير قابل للاستمرار وأن انهيار الاتفاق بالكامل قد يؤدي إلى تصعيد عسكري. من جهتها، اتهمت الولايات المتحدة إيران بالتقاعس، فيما قال نيد برايس، المتحدث باسم وزارة الخارجية، للصحافيين، الثلاثاء، "لا يمكن أن يستمر هذا السلوك للأبد [على هذا المنوال]". وفي هذه الأثناء، حذر وزير المالية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان هذا الأسبوع من أن "المواجهة مع إيران ليست سوى مسألة وقت، وقت غير طويل".

كانت "خطة العمل الشاملة المشتركة"، التي تم التوصل إليها بعد أكثر من عشر سنوات من الجهود الدبلوماسية، تسير كما يجب إجمالاً إلى أن انسحب الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب من الاتفاق من طرف واحد في عام 2018، مطلقاً جملة من العقوبات المتشددة التي كان هدفها إرغام إيران على العودة إلى طاولة المفاوضات من أجل إبرام اتفاق يخدم مصلحة واشنطن وشركائها الإقليميين بشكل أفضل.

لكن هذا المخطط الذي وضعته مجموعة ضيقة من العاملين في السياسة في واشنطن، فشل. وكان أن عززت إيران برنامجها النووي ورفضت التعامل مع واشنطن وبدأت بالسعي إلى تحقيق استقرار اقتصادها. وفيما تعهد الرئيس جو بايدن بالعودة إلى الاتفاق بعد تسلمه منصبه في يناير (كانون الثاني)، استغرق مع ذلك أشهراً طويلة قبل أن يخاطب إيران. واستؤنفت المحادثات في فيينا، ولكن الانتخابات الإيرانية جاءت لتقطع عليها الطريق، وهي انتخابات وضعت السلطة في يد إدارة الرئيس إبراهيم رئيسي المتشددة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويقول فريق الرئيس رئيسي الذي استلم السلطة منذ مطلع أغسطس (آب)، إنه بحاجة لبعض الوقت لكي يستقر، مكرراً بذلك الرواية التي توسلت بها إدارة بايدن بهدف تبرير فترة التأخير التي استمرت ثلاثة أشهر قبل انطلاق المحادثات في وقت سابق من العام الجاري. ولكن المسؤولين الغربيين يشكون في أن إيران تتقاعس بهدف تعزيز قدرتها على الضغط عبر زيادة نقاوة وكمية مخزون الوقود النووي.

وقال المسؤول المشارك في المحادثات الإيرانية "لو كانوا يراوغون من أجل إطالة الوقت في الوقت الذي يوسعون فيه برنامجهم، سوف يتعين علينا تعديل مقاربتنا".

ولكن بشكل عام، ما زال الغموض يلف الحسابات الإيرانية. فعلى خلاف الإدارة المتشددة للرئيس السابق محمود أحمدي نجاد الذي استلم الحكم من عام 2005 وحتى عام 2013، يعتبر رئيسي هادئاً نسبياً، ولا يحدث كثيراً من الضجة عالمياً ولا تبدر عنه كثير من الإشارات التي تكشف نواياه.

واعتبرت صنم وكيل، خبيرة الشؤون الإيرانية في معهد تشاثام هاوس للأبحاث "إنهم يعملون بمشقة من أجل وضع استراتيجية والتوصل إلى توافق [إجماع]. يمكن النظر إلى مماطلتهم على أنها محاولة لتعزيز النفوذ ولكنها تعكس شللاً داخلياً كذلك".

وبالفعل، مثلما تخلى ترمب عن "خطة العمل الشاملة المشتركة" جزئياً من أجل تمييز نفسه عن سلفه الذي صاغها، باراك أوباما، يحتاج فريق رئيسي للعثور على صيغة تجعل من الاتفاق النووي صفقته الخاص، وتجنب أي شيء قد ينقذ إرث سلفه، إدارة حسن روحاني المعتدلة. كشفت نتائج استطلاع هاتفي للآراء أجرته شركة "غالوب" هذا الأسبوع أن رئيسي يحظى بدعم واسع النطاق للسياسات التي انتهجها حتى الحين، إذ أعطاه أكثر من 70 في المئة من الناس علامات إيجابية.

ويقول الخبراء، إن إيران ربما تتوجس من كلام واشنطن عن إلحاق العودة إلى "خطة العمل الشاملة المشتركة" بمفاوضات حول البرنامج الإيراني الصاروخي ودعمها الجماعات المسلحة في العراق وسوريا ولبنان واليمن. وقد وجهت إلى "خطة العمل الشاملة المشتركة"، التي قيدت البرنامج النووي الإيراني مقابل تخفيف العقوبات، انتقادات من إسرائيل والسعودية وصقور واشنطن بسبب عدم تطرقها إلى نشاطات إيران الأخرى. وإن اختارت الولايات المتحدة استخدام المحادثات النووية بهدف الضغط في اتجاه مفاوضات إضافية، قد تحسب إيران أن تقدمها على الصعيد النووي يعطيها نفوذاً.

ويرى علي أحمدي، الخبير في العلوم السياسية في جامعة طهران، أن "اعتقاداً يسود في إيران بأنهم سيعاودون دخول المفاوضات ولكنهم عازمون على بذل كل شيء لانتزاع صفقة أنجح".

وأضاف أن "تقدم التكنولوجيا النووية الإيرانية يضع الولايات المتحدة، أقله بشكل محدود، في الخندق نفسه مثل إيران من حيث عدم حصولها على ما ساومت عليه في عام 2015. قد يؤسس ذلك لاحتمال إبرام صفقة فيها المزيد مقابل الحصول على المزيد لاحقاً، أو أقله تحقيق تكافؤ للفرص إلى حد ما عند الانتهاء من اتفاق العودة إلى المفاوضات".

ضاعفت إيران مخزونها من اليورانيوم المخصب ليتخطى الحدود التي فرضتها "خطة العمل الشاملة المشتركة" أكثر من عشر مرات كما باشرت تخصيب اليورانيوم بنسبة تصل إلى 60 في المئة، وهي نسبة تفوق إلى حد كبير عيار المفاعلات المسموح به بموجب الصفقة والبالغ خمسة في المئة أو أقل. وبدأت كذلك بتشغيل أجهزة متطورة للطرد المركزي تنتج المزيد من المواد النووية بوتيرة أسرع، فيما صعبت عمل المفتشين الذين يسعون لمراقبة البرنامج بحسب اتفاق الضمانات الذي أبرمته مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وفي هذه الأثناء، ما زالت العقوبات التي فرضتها إدارة ترمب قائمة إلى حد بعيد. فقد جمدت المفاوضات التي جرت في فيينا في وقت سابق من السنة على خلفية المطالب الإيرانية بعدم استئناف العقوبات بعد رفعها، وبعدم قيام الكونغرس بإعادة فرض بعض العقوبات التي يلغيها البيت الأبيض.

وقال المسؤول المقرب من دوائر التفاوض "ما يريده الإيرانيون هو ضمانة مكتوبة. ويريدون ضمانات بألا تؤدي التغييرات في الإدارة إلى إعادة فرض العقوبات. ولكن ذلك غير ممكن في أي نظام ديمقراطي".

تقول إيران، إنها مستعدة لاستئناف المباحثات. ولكن خلال مقابلة تلفزيونية هذا الأسبوع، قال السيد رئيسي، إنه يشكك في جدية الولايات المتحدة في إعادة إحياء "خطة العمل الشاملة المشتركة". وأضاف، "الاستعداد لرفع العقوبات قد يشكل مؤشراً على جديتهم".

ولكن خلال الأشهر الأخيرة، بدأ المسؤولون الدوليون بالتفكير في ما قد يعنيه انهيار "خطة العمل الشاملة المشتركة" بالكامل. ويتساءل كثيرون، إن كانت العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على إيران حتى الآن كثيرة لدرجة أن البلد يفتقر إلى أي أدوات غير عسكرية. فالشركات الدولية لا تقرب إيران أساساً.  

ومع ذلك، استقرت العملة الإيرانية، ويعتقد أن الصين تدعم اقتصادها عن طريق شراء النفط. ومن ناحية ثانية، قمعت القوات الأمنية الإيرانية عدة موجات احتجاج على الاضطرابات الاقتصادية.

وقال السيد أحمدي "من الصعب التخيل بأن (العقوبات الأوروبية) أو حتى استعادة عقوبات الأمم المتحدة قد تخلف أثراً كبيراً. تحاول الولايات المتحدة دفع الصين إلى وقف علاقاتها التجارية مع إيران، ولكن ذلك غير مرجح حدوثه نظراً لتصاعد التوتر في العلاقات الأميركية الصينية. والتهديدات العسكرية موجودة ولكنها تتكرر منذ 20 عاماً".

أما بالنسبة لخطر وقوع هجوم عسكري إسرائيلي، فهو وارد بغض النظر عن إعادة إحياء "خطة العمل الشاملة المشتركة". وأوضح السيد أحمدي "من الأرجح أن التوصل لاتفاق لن يقلص من احتمالات وقوع هكذا خطوة بشكل كبير".

ومع ذلك، وعد السيد رئيسي بتقليص التضخم وتصحيح مسار الاقتصاد، وقد يواجه مشاكل في حال فشلت مساعيه. وحذر تقرير مسرب في أغسطس (آب) 2021 وضعته "منظمة التخطيط والميزانية" الإيرانية من أن اقتصاد البلاد قد ينهار مع قدوم عام 2027 إن لم يخفض البلد ديونه.

وقالت السيدة وكيل "بحسب تفكيرهم، يستطيعون النجاة من أي شيء يقابلهم لأنهم نجوا من كل شيء حتى الآن. ولكن هذا الحساب خطير. يظلون دائماً على حافة الهاوية من الناحية الاستراتيجية. وقد يؤدي ذلك إلى نتيجة خطيرة على الأمد البعيد. صحيح أنهم يحتكرون العنف. وصحيح أن الاقتصاد مضمد [متماسك على نحو يحول دون انهياره]، ولكن معدلات الفقر في ازدياد. والدين كذلك في ازدياد".

يعمل مسؤولو الاتحاد الأوروبي، ومنهم مسؤول السياسة الخارجية [المفوض الأعلى لشؤون الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي] جوزيف بوريل ونائبه إنريكي مورا، بشكل فعّال مع إيران في محاولة لتفادي بلوغ الأجواء الدبلوماسية درجة من السوء [التدهور أو أن تصبح سامة] تحول دون استئناف المباحثات. وينوي المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل ماريانو غروسي التوجه إلى طهران خلال الأيام المقبلة من أجل إقناع إيران بإعادة السماح للمفتشين بالدخول.

ولكن قلة الثقة تتعاظم في صفوف الجانبين. يبدأ الإيرانيون في التشكيك في قدرة إدارة بايدن، التي تواجه مشاكل متعددة في واشنطن وتكابد آثار الانسحاب الدرامي من أفغانستان، على إبرام صفقة مع إيران قد تكون المكاسب السياسية من ورائها جدلية. ومن جهتها، تشعر الدول الغربية بارتياب وإحباط متزايدين من تحركات طهران.

وقال المسؤول المعني بالمفاوضات "إن كان الإيرانيون يرغبون فعلاً بأخذ وقتهم، لماذا يستمرون بزيادة عدم التزامهم بالاتفاق؟ لم لا يجمدون عدم التزامهم [تنصلهم]؟ وإذا تخلوا عن الاتفاق، الخيارات أمامهم غير جيدة. يخطئون في التقدير إذا ما اعتقدوا أن أحداً لن يبالي" [مثل هذه الخطوة].

© The Independent

المزيد من دوليات