موسم هجرة الصالات العربية الفنية الى بروكسيل تفتتحه اليس مغبغب

موقع جذب لفنانين عالميين وسوق منافسة

 لوحات فنية في غاليري أليس مغبغب في بروكسيل (اندبندنت عربية) 

منذ أواخر القرن العشرين، أخذ المشهد الفنّيّ يتّجه شيئاً فشيئاً نحو معقل جديد له، فبرزت "هجرة" الفنّانين المعاصرين نحو العاصمة البلجيكيّة بروكسل. حركة "هجرة" فعليّة للفنّ المعاصر وأهله، من مدن الفنّ المتعارف عليها كباريس وبرلين ولندن ونيويورك إلى العاصمة الشماليّة الخضراء والهادئة بروكسل. ولا يَعجَبُ متتبّع ديناميكيّة الفنّ المعاصر من حضور بروكسل المتألّق في المشهد الفنّيّ، ففي عاصمة الاتّحاد الأوروبّيّ ما يربو على الأربعمئة صالة عرض وآلاف الفنّانين والناقدين وجامعي التحف واللوحات والكنوز المعاصرة الخفيّة، جميعهم هنا يتابعون ويبدعون ويشترون ويتبادلون الخبرات والتجارب والرؤى.

تحوّلت بروكسل إلى سوق محوريّ للمعارض الفنّيّة وللفنّانين المتوافدين من جميع أصقاع العالم. فقد ذاع صيت بروكسل منذ المنتصف الثاني للقرن العشرين بفضل أجواء الإلفة والحميميّة والثراء الفنّيّ التي تقدّمها للنازحين إليها، لتتحوّل بروكسل إلى "برلين الجديدة" أو "برلين القرن الواحد والعشرين" بحسب محبّي الفنّ المعاصر ومتتبّعيه. ويبرّر الفنّان البلجيكيّ الخمسينيّ باسكال كورسيل حضور بروكسل الطاغي على ساحة الفنّ المعاصر، قائلاً "إنّ السبب وراء استقطاب بروكسل هذا الكمّ الهائل من الفنّانين والجامعين، هو ثراء المدينة الفنّيّ والظروف الاقتصاديّة المستقرّة والمزدهرة في الآن نفسه التي تتيح للفنّانين فرصة الإقامة فيها والعيش والإبداع. لقد باتت بروكسل ملتقى الفنّانين والصحافيّين والنقّاد والجامعيين الذين يرغبون في نسج شبكة أوسع من العلاقات في هذا الوسط. وبروكسل تربّي أهلها على حبّ الفنّ. فروّاد صالات العرض هم طلاّب وشبّان وأطفال يأتون مع أهلهم. يأتي روّاد صالات العرض في بروكسل من مختلف الأعمار والخلفيّات والمجالات ويشاركون في خلق هذا المشهد الثقافيّ الجميل والمتنوّع."

ويقول رودولف جانسن، مؤسّس إحدى أهمّ صالات العرض البلجيكيّة في بروكسل العام 1991، إنّ بروكسل تمتلك مساحة فنّيّة معاصرة جميلة هي في الوقت نفسه أليفة وودودة وغير مدّعية بتاتاً. وقد تبرّر هذا التصنيف الأسعار المنطقيّة جدّاً للّوحات والمعروضات. فأسعار الأعمال الفنّيّة المعاصرة تقع ضمن إمكانيّات كلّ هاوٍ وكلّ جامع للتحف، ليكون الفنّ في متناول الجميع وليس حكراً على طبقة ثريّة أو أرستقراطيّة.

ولا تتميّز بروكسل بصالات العرض الكثيرة وحدها، إنّما أيضاً بمهرجانات الفنّ المعاصر التي تُقام فيها، مثلBrussels Gallery Weekend  و Art 1030.ففي هذين الحدثين اللذين يمتّدان أيّاماً، يلتقي هواة الفنّ المعاصر والفنّانون والنقّاد حول مأدبة الإبداع والجمال.

وسط حاشد

وفي وسط حشد هائل من أبرز صالات العرض الأوروبّيّة والأميركيّة مثل  Albert Baronian Gladstoneو Xavier Hufkens و Rodolphe Janssenو Keitelman Galleryو Almine Rech Gallery وغيرها، يظهر اسم اللبنانيّة أليس مغبغب التي افتتحت صالة عرض لها مطلع هذا العام (13 كانون الثاني 2019) في سوق الريفولي ببروكسل وهو يعدّ سوقاً للفنّ المعاصر يجمع حوالى أربع عشرة صالة عرض هي من أهمّ صالات عرض الفنّ المعاصر.

افتتحت أليس مغبغب صالة عرض جديدة لها في العاصمة البلجيكيّة بروكسل وها هي تخوض غمار هذه التجربة مع معرض فنّانتها الثالثة التي تستضيفها. فبعد إيتيل عدنان الفنّانة والكاتبة والشاعرة اللبنانيّة الأميركيّة، استضافت مغبغب أعمال كليمانص فون لونين النحّاتة البلجيكيّة، وقد افتتحت أخيرا معرض فنّانتها الفرنسيّة أوريلي سالافير. واعتبرت مغبغب في حديث خاصّ معها أنّ خطوة افتتاح صالة عرض لها في بروكسل إنّما هي خطوة طبيعيّة ومنطقيّة ومتوقّعة، فهي تعمل مع بروكسل منذ حوالى عشرين سنة وكان لا بدّ من خوض هذه المغامرة وافتتاح صالة عرض تكون توأماً لصالة العرض الموجودة أصلاً في بيروت. وأكّدت مغبغب بثقة وتصميم أنّها تحرص في صالتيها، في بيروت وفي بروكسل، على المحافظة على هويّتها الفنّيّة الواحدة، فهي لن تغيّر خطّ عملها ولن تتخلّى عن الركائز التي ميّزت نمطها في اختيار فنّانيها.

ووصفت مغبغب مشهد الفنّ المعاصر في بروكسل بأنّه "مشهد شاب وواعد" يستقطب الفاعلين من مختلف أطراف عالم الفنّ المعاصر من هواة إلى محترفين مروراً بجامعي التحف الفنّيّة. يأتون من باريس، من سويسرا، من لندن، من الشرق الأوسط، يستقرّون هنا بفضل التسهيلات الاقتصاديّة، ويشاركون في هذه النشاطات الكثيرة، من تنظيم المعارض إلى الأمسيات الفنّيّة فالعروضات فالمزادات العلنيّة، وذلك يداً بيد وبجوّ من الإبداع وحبّ الفنّ. وتضيف مغبغب "الفنّ في النهاية هو لغة عالميّة، اللغة العالميّة الوحيدة التي تلمس كلّ كائن بشريّ بغضّ النظر عن جنسيّة صانعه أو هويّته أو انتمائه."

وترى مغبغب أنّ بروكسل باتت خليّة نحل ديناميكيّة نشطة تجتذب إلى وسطها كلّ مهتمّ في هذا المجال، فبروكسل هي وريثة باريس وبرلين ومكان اللقاء الذي لا بدّ من المرور به في يومنا هذا، بروكسل تحدٍّ كان يجب أن تقبل به لتكسر الحواجز الجغرافيّة ولتنطلق إلى السوق العالميّة. وفي سؤال حول الفارق بين مشهد الفنّ المعاصر في بروكسل وذاك الذي في لبنان، تبدي مغبغب قلقها حول الفنّ المعاصر في لبنان، قائلةً "يمدّ الفنّ جسوراً بين مختلف الأفراد مهما كان انتماؤهم أو مستواهم العلميّ أو الاقتصاديّ، فالفنّ للجميع. إنّما بات شراء لوحة فنّيّة في لبنان مظهراً من مظاهر البذخ والثراء والترف. فبينما الفنّ المعاصر هو في الواقع للجميع، بات في لبنان حكراً على طبقة ثريّة أو طبقة بلغت الثراء حديثاً. وراح الناس اليوم في لبنان يشترون اللوحات بحسب ما يسمعونه عنها وعن أسعارها. لقد تحوّل سعر اللوحة إلى المعيار الذي يحدّد قيمتها الفنّيّة في لبنان، وهذا أمر طالما حاولتُ الهرب منه. في صالتي، أحاول التوجّه نحو الفنّ المعاصر الذي يقع في متناول الجميع. أحاول تقديم فنّانين يملكون شيئاً جديداً، يرون العالم بنظرة جديدة من دون أن يكون فنّهم حكراً على طبقة معيّنة من المجتمع، وهذا هو تماماً ما يقوم عليه المشهد الفنّيّ في بروكسل: فنّ معاصر شيّق وشاب وثريّ يتنقّل بسهولة وسلاسة بين الجامعين وعشّاق الفنّ من مختلف أنحاء العالم ضمن أسعار مقبولة ومنطقيّة وفي متناول الجميع."

في نهاية المطاف، كلمة حقّ يجب أن تُقال. تتجلّى بروكسل من بعد جولة سريعة في صالات العرض التي فيها العاصمة الجديدة للفنّ المعاصر ووريثة أكبر العواصم الأوروبّيّة. فمَن يسير في شوارع بروكسل يشعر وكأنّه يمرّ في كلّ دقيقة في مهرجان للفنّ. بين رسومات لبطل الرسوم المتحرّكة Tintin، ومعارض الفنّ المعاصر، والمتاحف الموزّعة في كلّ زوايا العاصمة البلجيكيّة، لا يسع المرء إلاّ أن يقف مذهولاً أمام الأهمّيّة البارزة التي تمنحها هذه المدينة للفنّ. أوليس الفنّان السرياليّ البلجيكيّ رينيه ماغريت هو القائل "إنّ الفنّ وحده يلمس اللغز الوجوديّ الذي من دونه لم يكن العالم ليكون"؟

المزيد من فنون