Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما الذي يتحكم في المشهد السياسي العراقي: السلاح أم مقاعد البرلمان؟

تمارس الجماعات والأحزاب الموالية لإيران "لعبة مزدوجة" ويبدو أن المتغيرات الداخلية أثرت بشكل كبير في قوة الفصائل الولائية

لا يبدو تأثير سلاح الميليشيات الموالية لإيران في المشهد السياسي العراقي في طريقه إلى الانحسار، الأمر الذي يثير العديد من التساؤلات حول جدوى الانتخابات في البلاد، وما إذا كانت الأدوات السياسية ستحسم خيارات تشكيل الحكومة المقبلة أم أن السلاح المتفلت سيعيد فرض معادلة التوافق والبيوتات الطائفية من جديد؟

ولعل ما جرى على الساحة العراقية، خلال الأيام القليلة الماضية، يعطي انطباعاً بأن سلاح الميليشيات لا يزال أكثر فاعلية من عدد مقاعد البرلمان والخيارات السياسية، إذ لا تكتفي الجماعات الولائية الخاسرة في الانتخابات التشريعية بتقديم الطعون، بل تتخذ من التلويح بالتصعيد وسيلة للوصول إلى تسوية مرضية، بحسب مراقبين.

وعلى الرغم من إعلان الإطار التنسيقي للقوى الشيعية، الذي يضم معظم التيارات السياسية ذات الأجنحة المسلحة الموالية لإيران، رفضه نتائج الانتخابات، فإن الأجواء السياسية خلال الأيام الماضية تشير إلى إمكانية قبول تلك الأطراف بتسوية تعيد المشهد السياسي إلى حالة التوافق مرة أخرى.

وتلعب الجماعات والأحزاب الموالية لإيران "لعبة مزدوجة"، إذ إنها بالتزامن مع دعواتها التصعيدية احتجاجاً على خسارتها في الانتخابات، مستمرة بالحديث عن وصول تحالفاتها إلى أعداد يصفها مراقبون بـ"المبالغ بها".

عودة إلى "القوة الناعمة"

وتشير الأجواء السياسية في البلاد إلى احتمال إرضاء الأطراف المسلحة من خلال إعطائها مساحة فاعلة في مفاوضات تشكيل الحكومة المقبلة، إلا أن مراقبين يستبعدون إمكانية العودة إلى هذا السيناريو مرة أخرى، خصوصاً مع عدم قدرة تلك الجماعات المسلحة على التصعيد أمنياً بالتزامن مع المفاوضات الإيرانية الجارية في المنطقة.

ويرى منقذ داغر، مدير منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مؤسسة "غالوب الدولية للأبحاث"، أن التحولات الكبيرة التي طرأت على البيئة العراقية والفاعلين الخارجيين "صعّبت احتمال العودة للاحتكام إلى السلاح لحسم المشهد السياسي في العراق".

ويبدو أن القوى الدولية والإقليمية الفاعلة في المشهد السياسي العراقي تضع مسألة الميليشيات الإيرانية في أعلى سلم أولوياتها خلال الحوارات الإيرانية السعودية الأميركية. ويشير داغر إلى أن هذا الأمر، "يدفع طهران للتفكير في العودة إلى القوة الناعمة في إدارة مشهد نفوذها في المنطقة". ويضيف أن ما يجري على الساحة العراقية من تلويح بالتصعيد من قبل الميليشيات الولائية يرتبط بـ"محاولات التغطية إعلامياً على تضاؤل تأثير السلاح على المشهد السياسي في البلاد".

تحولات أثرت في قوة ميليشيات إيران

لا يتوقف فقدان الميليشيات قوتها في البلاد عند حدود تغيير الاستراتيجية الإيرانية، إذ يبدو أن المتغيرات الداخلية التي حدث خلال السنة الماضية أثرت بشكل كبير على قوة الفصائل الولائية داخل هيئة "الحشد الشعبي"، وأبرزها انسحاب ألوية المرجعية الدينية من الهيئة، ما مثّل ضربة قوّضت القوة العسكرية للولائيين في العراق.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولفت داغر إلى أن كل تلك المتغيرات، بالإضافة إلى التحولات النوعية في القوات العسكرية العراقية، "قللت من تأثير تهديدات الميليشيات الموالية لإيران، الأمر الذي بدا واضحاً في آخر مواجهة بين الطرفين في مايو (أيار) الماضي، بعد محاولة الحشد الشعبي اقتحام المنطقة الخضراء بعد اعتقال القيادي في الحشد قاسم مصلح"، ولعل "إدراك الموالين لإيران بتأثير الانتخابات والمقاعد البرلمانية في المرحلة الحالية"، دفعهم إلى "استخدام كل وسائل التصعيد للوصول إلى تسوية تعيد ترتيب موازين القوى لصالحهم في البرلمان الحالي". وختم بداغر أن كل تلك القوى التي تلوّح بالتصعيد "سترضخ في النهاية للأمر الواقع".

اتهامات مباشرة للكاظمي

وتظاهر العشرات في عدد من المدن العراقية بعد ساعات من إعلان النتائج النهائية للانتخابات البرلمانية المبكرة، وقاموا بإحراق الإطارات في بعض المناطق في محافظتي البصرة وواسط.

وتأتي تلك التظاهرات إثر بيان لما تسمى "هيئة المقاومة العراقية" قالت فيه إن "من حق العراقيين الخروج احتجاجاً على كل من ظلمهم، ورفض الإذعان الى مطالبهم، وصادر حقهم، وعليه نحذر تحذيراً شديداً من أن أي محاولة اعتداء أو مساس بكرامة أبناء شعبنا في الدفاع عن حقوقهم، وحفظ حشدهم المقدس، فضلاً عن إخراج القوات الأجنبية من بلدهم، فإنها ستواجه برجال قلوبهم كَزُبَرِ الحديدِ، وقد خبرتهم سوحُ القتال، ولاتَ حين مندم".

ولم يتوقف التصعيد الذي تشنه الجماعات الموالية لإيران عند حدود التظاهر أو رفض نتائج الانتخابات، إذ كان المسؤول العسكري لميليشيات كتائب "حزب الله"، قد طالب في بيان، في 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2021، بمحاكمة رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، متهماً إياه بـ"الخيانة الكبرى التي ارتكبها بالتواطؤ مع الأعداء لتزوير الانتخابات".

وكان "الإطار التنسيقي الشيعي" الذي يضم معظم القوى الموالية لإيران قد أعلن رفضه نتائج الانتخابات النهائية قبل ساعات من صدورها رسمياً.

"سياسة حافة الهاوية"

وفي وقت تتباين فيه آراء المراقبين في شأن تأثير تهديدات القوى الموالية لإيران على الساحة العراقية، إلا أن الانسداد السياسي ربما يكون حاضراً خلال الفترة المقبلة، الأمر الذي قد يدفع الفاعلين السياسيين إلى العودة للتسويات التوافقية من جديد.

ويعتقد رئيس مركز التفكير السياسي إحسان الشمري، أن "اعتراض القوى المسلحة على الخسارة التي لحقت بها في الانتخابات تتسيد المشهد الحالي، الأمر الذي يعني استمرار تحكم السلاح على الرغم من وجود الانتخابات".

ويبدو أن تهديدات القوى المسلحة الموالية لإيران تندرج ضمن محاولات إحداث "انسداد سياسي كبير والتلويح بتهديد السلم الأهلي". ويشير الشمري إلى أن كل هذه التحركات تهدف إلى "تصفير معادلة الأرقام والعودة إلى سيناريو التوافق والبيوتات الطائفية".

وعلى الرغم من استبعاده تفاقم الأزمة والوصول إلى مواجهة مفتوحة، يعتقد الشمري أن الاحتكاكات ربما تكون حاضرة خلال الفترة المقبلة، "للوصول إلى تسوية تضمن عدم كسر معادلة المحاصصة السائدة منذ عام 2003".

وعلى الرغم من كل وسائل التصعيد التي تنتهجها الجماعات الموالية لإيران، فإن تأثيرها لا يبدو واضحاً على حراك التيار الصدري حتى الآن، وقال رئيس "الكتلة الصدرية"، حسن العذاري، في تغريدة على "تويتر"، "المفاوضات تسير نحو الأمام بأجواء هادئة".

في المقابل، قال الصحافي العراقي، أحمد حسين، إن ما جرى في البلاد خلال الأيام القليلة الماضية "يرجح معادلة السلاح على حسابات الأرقام"، و"على الرغم من وجود ثلاثة أطراف تمتلك ما يؤهلها للحصول على الأغلبية في البرلمان العراقي، فإنها تبدو مضطرة للاتجاه نحو حكومة تسوية، لأن الخاسر طرف مسلح"، مبيناً أن سيادة السلاح مثلت "أحد أبرز دوافع مقاطعة الانتخابات".

الوصول إلى تسوية؟

وأشار حسين إلى أن الهدف الرئيس من تلويح حلفاء طهران بالسلاح "الوصول إلى تسوية مرضية لحلفاء إيران، سواء في ما يتعلق بحسم منصب رئاسة الوزراء أو الحصص الوزارية وما دونها من الدرجات الخاصة".

وفي ما يتعلق بإمكانية أن تصدّر طهران رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي كواجهة جديدة لنفوذها في العراق، يعتقد حسين أن "إيران كانت تساند الدفع باسم المالكي قبيل الانتخابات، وتصدّره كبديل عن قادة الأطراف السياسية ذات الأجنحة المسلحة كهادي العامري وقيس الخزعلي بعد خسارة أسهمهم بشكل كبير بعد حكومتي عبدالمهدي والكاظمي، والمجازر التي حصلت بحق المحتجين والناشطين العراقيين"، وعلى الرغم من استبعاده إمكانية وصول المالكي إلى رئاسة الوزراء من جديد، يبين حسين أن الأخير يمثّل "ورقة ضغط يمكن لطهران أن تلعبها في وجه التيار الصدري والقوى الجديدة".