Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

طرابلس تراهن على الانتخابات اللبنانية للتغيير في عام الانتفاضة الثاني

يختلف المواطنون بشأن جدواها ومخاوف من التلاعب بالمال السياسي لحسم نتائجها

لقبت مدينة طرابلس اللبنانية بـ"عروس الثورة"  (اندبندنت عربية)

بين تغيير ديمقراطي وتطويع سلطوي، تعيش طرابلس سباقاً محموماً في الذكرى الثانية لانتفاضة تشرين اللبنانية. فهذه المدينة الواقعة شمال البلاد عاشت أياماً من الزهو والانتصار مع حشود ضخمة وغير مسبوقة، لتستحق معها لقب "عروس الثورة"، ولكن ما لبس الفتور أن دب بعد الفشل في التغيير، والانقسام في أسلوب التعبير والتغيير بين شعاري السلمية إلى النهاية، والعنفية النهج والطريق لاقتلاع تحالف المال والسياسة. وزاد منسوب العجب وأحياناً اليأس مع إعادة تماسك الفريق الحاكم، وتشكيل حكومة محاصصة بين الأحزاب التي انتفض الناس في وجهها.

أمام هذا المشهد، يبرز انقسام كبير بين من يعتقد أن الانتخابات المقبلة ستكون سبيلاً للتغيير، وأن الغالبية الصامتة والمؤيدة للثورة ستقلب المعادلة، وبين يائسين بسبب التراخي في الحراك وخروج الناس من الساحات بالرغم من تفاقم الأزمات المالية والاقتصادية، وتجاوز الدولار لعتبة 20 ألف ليرة لبنانية في ظل صمت المواطنين.

أثمان باهظة

حققت طرابلس مكاسب كثيرة في أعقاب انتفاضة تشرين، فعادت مقصداً لكثير من اللبنانيين بعد أن أكدت هويتها الوطنية ومركزيتها في الخطاب التغييري. ولكن في المقابل، في الذكرى الثانية لا بد من الالتفات لأوجاع أهالي الضحايا والموقوفين في السجون.

كانت طرابلس سباقة في بذل الدماء، إذ سقطت مجموعة من الضحايا في مقدمتهم، أحمد توفيق وعلاء السمان وأحمد طيبة في حوادث منفصلة. حتى اليوم، ينتظر الأهالي جلاء الحقيقة لما جرى مع أبنائهم، والحصول على رواية رسمية. يقول فاروق طيبة والد الضحية إن "هناك تمييعاً للتحقيق"، ويتساءل "هل يعقل بعد أكثر من 10 أشهر من التحقيقات ألّا يصدر القرار الظني في الملف بعد؟". لذلك يعتقد أن "هناك ميلاً لدفع الأهالي إلى اليأس والتوقف عن المطالبة بالعدالة على غرار ما يجري معهم، إذ يُبلّغ المحامي في كل مرة يراجع فيها بأن الملف لم يصل بعد إلى المحكمة". ويشير إلى أن "الانتخابات المقبلة هي محطة مفصلية، فإما تقوم الناس بالتغيير والتصويت ضد السلطة، أو ترضخ لعمليات التطويع وعندها سنكون أمام نهاية لبنان وعلى الدنيا السلام".

في موازاة ذلك، تستمر الملاحقات بحق عدد كبير من الناشطين على الساحة الطرابلسية، وحالياً ما زال 3 شبان هم نور شاهين وشوقي مراد ورامي الجعيدي قيد التوقيف. ويطالب الأهالي القضاء بالإسراع في إخلاء سبيلهم على غرار ما جرى مع أكثرية الموقوفين، والتجاوب مع مطالب المحامين.

التحركات مستمرة

على خلاف بقية المناطق، استمرت طرابلس بالتحرك على الأرض وفي مناسبات مختلفة. وآخرها كان التحرك أمام منزل وزير الداخلية القاضي بسام المولوي، حيث اعتصمت مجموعة من الشباب والناشطين أمام منزله للمطالبة بوقف عرقلة التحقيق في جريمة 4 أغسطس (آب)، ومنح الأذونات لملاحقة الموظفين التابعين لسلطته، ومن ثم التأكيد على الرابط بين طرابلس والمطالب اللبنانية العامة.

أحد المشاركين في التحرك أمام بيت وزير الداخلية هو الناشط نزار سقاط الفول، الذي اختبر لعبة الميدان باكراً مع "طلعت ريحتكم عام 2015" ومن ثم الانتفاضة في ساحة الشهداء. يقول إن "التحركات على الأرض تعني لهم كثيراً، للتخلص من حكم الميليشيات"، مضيفاً "لا يمكنني ترك الميدان والدرب الذي بدأته منذ 6 أعوام". يُقدّر نزار ظروف الناشطين المنكفئين، فهو "واحد من الذين شغلتهم الحياة والظروف الشخصية عن بعض التحركات"، معلناً تمسك الناشطين في "مقاومة السلطة التي دمرت وحرقت وفجرت شعبها".

التعويل على القضاء

يبرز التعويل على القضاء في خطاب الانتفاضة والحراك في طرابلس حيث يشدد عبد السلام طالب (العسكريين المتعاقدين) على مركزية دور القضاء في الحفاظ على هيبة الدولة، مشيراً إلى أنه "ليس مطلوباً من القاضي أن يكون منحازاً للثورة وإنما أن يطبق القانون وينصف الناس".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويذكّر طالب بالدور الذي لعبته طرابلس في الانتفاضة، وصولاً إلى تلقيبها بـ"عروس الثورة". ويرى أن "هذا الدور ما زال مستمراً بالرغم من الظروف المعيشية والحياتية وكورونا التي دفعت الكثير منهم إلى الخروج من الساحات من أجل تأمين لقمة العيش، إلا أن الثورة في قلب كل ثائر حتى لو كان موجوداً في منزله".

من جهته، يؤكد الناشط أحمد تركماني ضرورة توحيد صفوف الثورة في "مجلس قيادة الثورة على مستوى لبنان"، و"اللجوء إلى أساليب سلمية جديدة وعدم الاعتداء على الأملاك العامة أو الخاصة".

ثورة وعي

يحضر في طرابلس اليوم الخطاب السياسي التقليدي الذي يحظى بتمثيلها في البرلمان، في مقابل نظيره التغييري البديل الذي دخل في الانتخابات الماضية في منازلات غير متكافئة سياسياً ومالياً.

في المقابل، يتطرق الناشط يحيى مولود، عضو مكتب سياسي في "حزب لنا"، إلى "محاولة الأحزاب التقليدية إعادة تجديد دورها من خلال إحياء الانقسام العامودي في البلاد بين المكونات الطائفية، وإعادتنا إلى الاحتقان الذي أعقب جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 2005 بين تجمع 8 و14 آذار من أجل البقاء في السلطة".

ويراهن مولود على "الوعي المجتمعي الذي بدأ مع ثورة 17 تشرين ومستمر إلى اليوم"، رافضاً حملات إشاعة أجواء غير تفاؤلية في البلد والقول إن الوضع عاد كما كان. ويلفت إلى "انكسار صورة الزعامات في عقول الناس، ونظرتهم إلى الدولة ودورها، وإلى فكرة المواطنة".

وينوه مولود إلى تأسيس أحزاب تغييرية وتشكيلات سياسية تقدم طروحات بديلة للمشكلات الراهنة وإعادة تعريف السياسة لبناء الدولة الجديدة، لافتاً إلى أن "البرنامج الذي يطرحه يقوم على تقديم معاش ثابت لكافة المواطنين الذين لا يعملون والتأمين الصحي وكذلك التعليم".

يجزم مولود أن الطرح السياسي البديل موجود وحاضر في طرابلس، فقد سبق له أن خاض المواجهة في انتخابات 2018، وفي 2019، وصولاً إلى 17 أكتوبر (تشرين الأول)، مركزاً على الدور المركزي للشعب المنتفض في عملية التغيير، إلى جانب جهود اللبنانيين المنتشرين في أنحاء العالم كافة.

التنظيم ضرورة قبل الانتخابات

يعاني أنصار الانتفاضة في طرابلس بعض الضياع، ولا يتردد هؤلاء بالقول إنهم "لن ينتخبوا" أو إنهم "لن يشاركوا إلا في حال وجود قائمة موحدة للمعارضة". أيقنت المجموعات المختلفة ضرورة الوصول إلى تشكيل تنظيمي موحد، وظهر أخيراً على الساحة الطرابلسية "الشمال ينتفض".

ويشدد الناشط مصطفى عويك على مركزية الاستحقاق الانتخابي المقبل في إحداث التغيير وتحصيل حقوق العاصمة الثانية للبنان، وينطلق من أنه "لطالما تخلّت السلطة المركزية عن طرابلس لأسباب تاريخية وطائفية اقتصادياً وسياسياً". كما "عانت من أحزابها وقياداتها التي كانت تتعاطى مع مواطنيها كأرقام انتخابية فقط، ولا تتذكرهم إلا قبل شهر من الانتخابات وتنساهم في ما بعد".

ويشير العويك إلى أن "المدينة تصالحت مع تاريخها وصورتها الحقيقية في ظل الثورة، وبرهنت للداخل والخارج أنها مدينة تحب الحياة، ومحورية تضم الكثير من الطاقات". كما يتطرق إلى الدور الذي لعبته السلطة في شيطنة الانتفاضة وتخفيف وهج التحركات، قائلاً، "السلطة تجيد اللعب الأمني والترهيب. بسطت ذراعيها في ساحات الاعتراض وحوّلت ثورة الطرابلسيين إلى مآتم يوم عملت على شيطنة الثورة وإحراق البنوك والبلدية والمحكمة الشرعية، فخافت الناس وتراجعت".

يرجع العويك "غياب الرؤية الموحدة لمجموعات الثورة في المدينة إلى غياب التجربة السياسية والحزبية لديهم، منهم من راح يكتشف تجربته الأولى في ساحة النور"، مضيفاً أن المجموعات ليس لديها ترف الوقت، ولا بد من تقديم البديل الذي يمكن التعويل عليه من قبل الناس". ويجزم أن "التغيير في طرابلس ممكن وليس مستحيلاً، وذلك يتطلب مشروعاً سياسياً واقتصادياً واضحاً للمدينة تلتف حوله مجموعة شبابية شفافة ونزيهة، تخوض الانتخابات"، و"المطلوب تحرير المدينة من سطوة الأمن ونفاق الأحزاب وتجارتهم بها في السوق السياسية، وتقديم رؤية جديدة تشكل مدخلاً لعودة المدينة إلى حضن الدولة اللبنانية بشكل سلس".

الفقر ينتخب

تواجه الطروحات التغييرية مخاطر واقعية عدة، في مقدمتها اتساع رقعة الفقر والحاجة. وتتخوف الناشطة مهى مقدم، "من أن التغيير لن يحصل في طرابلس، لأن النسبة الأكبر من الناخبين من الفقراء، كما أن نسبة هؤلاء في تزايد". وتخشى من أن "الدولار الانتخابي سيفعل فعله في ظل الوضع الاقتصادي السيّء". كما تحذر من "عدم اتفاق مجموعات الثوار مع بعضهم البعض في الانتخابات، إذ سيكون هناك مرشحون من كل حدب وصوب، مما سيضيع الأصوات"، كما تلفت إلى احتمال "انكفاء النخب عن الترشح والتصويت".

المزيد من تقارير