Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أزمة نفطية ومالية بين كردستان والحكومة العراقية

تهديد الإقليم بقطع التخصيصات المقرة له في الموازنة العامة لعام 2019

اذا لم تلتزم كردستان بتعهداتها النفطية ستواجه مشاكل مالية (رويترز)

يبدو أن ملامح أزمة جديدة تظهر في الأفق بين الحكومة المركزية العراقية ونظيرتها في إقليم كُردستان العراق، إذ هدد رئيس الوزراء عادل عبد المهدي في مؤتمره الصحافي الأسبوعي أمس (21/05/2019)، حكومة إقليم كردستان بقطع التخصيصات المقرة لها في الموازنة العامة لسنة 2019، إذا لم تلتزم بتعهداتها بتسلم كمية النفط المُتفق عليها حسب قانون الموازنة. هو أول موقف تصعيدي من قِبل رئيس الوزراء تجاه الإقليم مُنذ حصول حكومة عبد المهدي على ثقة البرلمان قبل سبعة أشهر. فالأجواء كانت إيجابية وتوافقية بين الحكومتين مُنذ ذلك الحين. أتى موقف عبد المهدي بعد مداولات مطولة خاضها مع رؤساء الكُتل البرلمانية الكُردية في البرلمان المركزي، شدد فيها على أن حكومته لن تلتزم بتسليم المخصصات المالية للإقليم في ما لو بقيت حكومة الإقليم مصرة على عدم تسلم الكميات المُتفق عليها (250 ألف برميل نفط يومياً) للشركة الوطنية لتسويق المُشتقات النفطية (سومو). بدورها، طالبت الكُتل الكُردستانية من رئيس الوزراء استثناء رواتب موظفي الإقليم وقوات البيشمركة من ذلك الاستقطاع، وأن تكون مسألة الرواتب خارج أي خلاف سياسي بين الحكومتين الإقليمية والمركزية، وقد كان جواب عبد المهدي أن حكومته ستلتزم بالقانون في ذلك الاتجاه.

حصة من الموازنة العامة

وتنص المادة العاشرة من قانون الموازنة على أن إقليم كُردستان يجب أن يُسلم 250 ألف برميل يومياً لشركة سومو ليحصل على حصته من الموازنة العامة، والبالغة عشرة تريليون و800 مليار دينار عراقي سنوياً (9 مليار دولار)، مع التزام آخر من الحكومة المركزية، يعتبر أن رواتب ومصاريف قوات البيشمركة الكُردية هي جزء من المصاريف السيادية العامة المُلزمة للحكومة المركزية. بدأت الأزمة قبل شهر تقريباً، حين أعلن وزير النفط العراقي ثامر السبهان في 24 أبريل (نيسان) 2019 أن حكومة إقليم كُردستان لن تُسلم النفط المطلوب، وأن الميزانية الاتحادية تدفع للإقليم بدون أن تحصل على شيء، وأن الحكومة ستتخذ إجراءات خاصة عما قريب، وأن الحكومة المركزية لن تدخل أية مفاوضات مع إقليم كُردستان في ذلك الاتجاه. اللافت أن تلك التصريحات جاءت على لسان وزير النفط، على الرغم من أن هذا الملف تابع عملياً لوزارة المالية المركزية، لكن الأخيرة يترأسها وزير المالية ونائب رئيس الوزراء فؤاد حسين، الشخصية الكُردية المُقربة من الحزب الديمقراطي الكُردستاني، ما يُشير إلى وجود خلاف داخلي ضمن حكومة عادل عبد المهدي.

 ردود كُردية

ردت حكومة إقليم كُردستان العراق والأحزاب السياسية الكُردية على ملامح التصعيد هذه على أكثر من مستوى. وأعلن الناطق الرسمي باسم حكومة الإقليم سُفيان دزيي أن حكومته ليس لديها مانع من تسليم الحكومة المركزية الكميات المُتفق عليها من النفط، لكنه استدرك أن ذلك الأمر وحده لن يحل الموضوع. فالشركات النفطية العالمية تستثمر في القطاع النفطي في إقليم كُردستان بمئات الملايين من الدولارات، وحكومة الإقليم مُلزمة بدفع مستحقات تلك الشركات الاستثمارية، وإذا سلمت حكومته هذه الكمية النفطية إلى الحكومة المركزية، فعليها أن تعرف أولاً من سيدفع تلك المبالغ للشركات العالمية! ودعا إلى عقد جلسات تفاوضية بين الطرفين لحل مثل هذه الإشكاليات. يسعى إقليم كُردستان العراق إلى عقد مفاوضات خاصة مع الحكومة المركزية حول الملف النفطي، بشكل منفصل عن كامل المداولات والقضايا السياسية العالقة بين الطرفين، وهو  ما لم تستجب له الحكومة المركزية حتى الآن. فالإقليم يتطلع إلى حصول اتفاق بينه وبين الحكومة المركزية حول تفسير المواد الدستورية الخاصة بالقطاع النفطي، إذ ثمة خلاف شديد بشأنها،  وتصر الحكومة المركزية على أنها الجهة الوحيدة المخولة للاستثمار في القطاع النفطي في جميع مناطق العراق، بينما يفيد إقليم كُردستان بأن  الاستثمار في القطاع النفطي هو حق شرعي لحكومة وبرلمان الإقليم في مناطق الإقليم، وحسب الدستور. القوى السياسية الكُردية ردت بدورها على نظيرتها العراقية. فبعدما أعلنت النائب هدى سجاد عن ائتلاف النصر الذي يتزعمه رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي نيتها رفع دعوى قضائية ضد رئيس الحكومة المركزية عادل عبد المهدي ووزير المالية فؤاد حسين، تتهِمُهما بمخالفة قانون الموازنة العامة، على اعتبار أنها بقيت تُسلم مبالغ مالية لإقليم كُردستان، من دون أن تتأكد من التزام الإقليم بواجباته حسب ذلك القانون، رد الحزب الديمقراطي الكُردستاني عبر بعض قيادته، موضحاً أن ما تم تسليمه للإقليم هي رواتب الموظفين فحسب، وهذا الملف منفصل عن حصة الإقليم من واردات الميزانية المركزية.

 إحساس كُردي بالقوة

ثمة اعتقاد من قبل القوى السياسية الكُردية أن مسار التوازنات الداخلية والإقليمية الخاصة في العراق تسير لصالح الإقليم، وأن التمهل في عقد التوافقات مع الحكومة المركزية سيكون لصالحهم، خصوصاً في الملف النفطي. فإقليم كُردستان يرى كيف أن الحكومة المركزية العراقية لم تعد قادرة على تصدير النفط من حقول منطقة كركوك عبر إيران، وأنها بالتالي ستحتاج للإقليم لتتمكن من تصدير نفط تلك الحقول بواسطة أنبوب نفط الإقليم عبر ميناء جيهان التُركي. في سياق متصل، يتحسس الإقليم رغبة الحكومة المركزية العراقية في تعويض تُركيا ما ينقصها من حاجات نفطية، بعد توقف الصادرات النفطية الإيرانية إليها. وهذا الأمر أيضاً لن يتم إلا عبر الإقليم. فالعقوبات الأميركية ضد إيران ستربك المشهد السياسي الداخلي العراقي بشكل استثنائي، وستدفع إيران إلى إقناع القوى السياسية العراقية المركزية القريبة منها بتقديم تنازلات لإقليم كُردستان، حتى تضمن تعاوناً مقبولاً من حكومة إقليم كُردستان تجاه تلك العقوبات. يُلاحظ الإقليم كيف أن الخلافات بين القوى السياسية المركزية الرئيسة المُشكلة للحكومة إنما هي أكبر مما كان مُتصوراً في الأسابيع الأولى لتشكيل هذه الحكومة، وأنه بعد مرور سبعة أشهر من عُمرها، فإن رئيس الوزراء لم يستطع إقناع هذه الأطراف السياسية بالتوافق على شخصيات مُحددة لتولي الوزارات الشاغرة، وتحديداً الوزارات السيادية الأمنية الحساسة منها، الدفاع والداخلية. 

المزيد من اقتصاد