Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

متى تتوقف مسيرة الإفلات من العقاب في لبنان؟

التحقيق العدلي في انفجار مرفأ بيروت بين إصرار البيطار ومحاولات العرقلة

أساليب متنوعة قانونية وغير قانونية يلجأ إليها المتضررون من إجراءات القاضي البيطار في تحقيقات انفجار مرفأ بيروت (اندبندنت عربية)

"القبع"، "التنحية"، "الرد"، أو حتى "الفتوى الدستورية"، الوسائل متعددة، ولكن الهدف واحد، وقف أو تأخير التحقيق في انفجار مرفأ بيروت، وتتنوع الأساليب القانونية وغير القانونية التي يلجأ إليها المتضررون من الإجراءات التي يقوم بها المحقق العدلي طارق البيطار، والتي يرون فيها مساساً بامتيازاتهم وحصاناتهم الدستورية والقانونية بحكم موقعهم الوزاري أو النيابي، في وقت يرى أهالي الضحايا وتيار حقوقي واسع أنها عرقلة لمسار العدالة، وتعزيز لسياسة الإفلات من العقاب.

هذا الخلاف في النظرة إلى مسألة ملاحقة شخصيات تتولى الشأن العام، خلقت نوعاً من الجدل القانوني وخلافاً في تفسير النصوص الدستورية، بين من يعتقد بشمول الحصانة كل أعمال الوزير والنائب انطلاقاً من صفته، وبالتالي حصرية محاكمته أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، ومن ثم عدم صحة الإجراءات التي يقوم بها القاضي البيطار. في المقابل، ينطلق معارضو هذا الطرح من محدودية الحصانة، وبالتالي إمكانية ملاحقة هؤلاء أمام القضاء العادي في الجرائم والجنايات التي يقترفونها خارج إطار الخطأ الوظيفي.

يتفرع عن هذا الخلاف في حدود الصلاحية، خلاف على شرعية إجراءات البيطار واستدعاءاته، وصولاً إلى الطلب من مجلس الوزراء التدخل لوضع حد له، والتهديد بخطوات استباقية للقرار الظني. وبين هذا وذاك، يدور التساؤل حول صلاحية الحكومة في التدخل بعمل القضاء انطلاقاً من أن "من يعين يمتلك صلاحية الإقالة"، أو أن ذلك يتعارض مع مبدأ "فصل السلطات".

يقود الاختلاف بالهدف إلى تباين في تأويل النص القانوني والدستوري، ومن ثم الحكم على أعمال قضاء التحقيق في معرض تقديم رواية للمواطنين وأهالي الضحايا حول كيفية وقوع الانفجار في الرابع من أغسطس (آب) 2020.

جريمة العصر

ينطلق الخبير القانوني خلدون نجا في تحديد موقفه من إجراءات البيطار من توصيفه جريمة انفجار مرفأ بيروت، "فهي ليست جريمة عادية وإنما فاجعة عالمية، وبالتالي فإن التعامل معها يجب أن يكون على قدر حجمها"، وبالتالي "لا بد من ملاحقة الفاعلين الأساسيين، والشركاء والمتدخلين في الجريمة، إضافة إلى كل من ارتكب خطأ مسلكياً أو إدارياً، حتى المخالف ومرتكب الجنحة فإن جريمته عظيمة، فكيف الحال بمرتكب الجناية في هذا الانفجار وهذه المجزرة بحق أبرياء ووطن لن تقوم له قائمة بعد عشرات السنين".

لذلك، يرفض نجا دعوات التعامل مع هذه الجريمة بخفة، من هنا يقول، "في ملاحقة هذه الجريمة يجب ألا تكون مقيدة، ولا بد من إعطاء الأولوية للضحايا وذويهم، وليس للمتمسكين بالحصانات"، وعليه، يدعو نجا السياسيين للذهاب إلى التحقيق وإعطاء شهاداتهم، بدلاً من البحث عن فتاوى واجتهادات لعرقلة الحقيقة، لأنه "لن يتم توقيف شخص غير مرتكب"، معبراً عن ثقته بأن "القاضي لن يوقف حتى المدعى عليهم في حال براءتهم".

تفعيل القوانين

ويؤكد نجا أن "الناس يحتاجون إلى تفعيل القوانين التي تحميهم وتكرس حقوقهم، لا قوانين تحمي السياسيين"، من هنا، يقول النقيب السابق للمحامين، الذي يمتهن المحاماة منذ 63 عاماً، "لتسقط الحصانات كافة من أعلى المراكز إلى أدناها"، داعياً مجلس النواب إلى "إقرار رفع الحصانات" وأن "يكون زميله نبيه بري (رئيس مجلس النواب) في مقدم المنادين برفع الحصانات وهو رجل قانوني يمتلك المخارج للقضايا الإشكالية، للسماح للقاضي بوضع يده على القضية بالكامل".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويبدي نجا ثقته بحكمة وعلم القاضي طارق البيطار الذي يعتبره "مشروعاً استشهادياً" لأن من يقبل التحقيق في قضية من هذا الحجم يضع نفسه وسط مخاطر كبيرة، ويقع على عاتقه إنصاف الدماء البريئة وإنقاذ وطن بأكمله، "عاصرنا المحقق العدلي عندما كان رئيساً لمحكمة الجنايات، وهو من بين أكثر القضاة نزاهة، ولا يمتلك أي خلفية سياسية، لذلك لن يصدر عنه أي قرار بخلفية سياسية أو انتقائية"، ويستبعد النقيب نجا اعتماد عنصر القصد الاحتمالي في وصف الجرائم الناتجة عن الإهمال الوظيفي.

سقف الحصانة

من جهتها، تؤكد غيدة فرنجية المحامية في المفكرة القانونية أن هناك أسئلة عدة ينتظر أن يجيب عنها التحقيق القضائي، "كيف دخلت النيترات إلى لبنان؟ من المسؤول عن إنزالها وحفظها؟ ولماذا انفجرت في الرابع من أغسطس؟"، وتعتقد أن كل الفرضيات تبقى قائمة، ولا بد من التعاون مع التحقيق من أجل الوصول إلى الحقيقة، وتوضح فرنجية أن تجربة المحكمة الخاصة بلبنان لم تنعكس إيجاباً على القضاء اللبناني، وما أدى إلى اللجوء للتحقيق العدلي أمران، "عدم وجود حماسة دولية لتحقيق دولي أو محكمة دولية مجدداً"، و"القرار الحكومي بإحالة القضية إلى القضاء العدلي لقطع الطريق عن اللجوء إلى القضاء العسكري".

وتشدد على أن استقلالية القضاء أولوية للإصلاح السياسي في البلد ومنع الإفلات من العقاب، معتبرة، في الوقت عينه، أن المنهجية المعتمدة من القاضي البيطار، ومن قبله القاضي فادي صوان، والإصرار على التحقيق مع كبار الموظفين والمسؤولين السياسيين، "تشكل رافعة لإصلاح القضاء اللبناني، وتعيد ثقة المواطن اللبناني بالقدرة على المحاسبة"، وتشير إلى أن الجزء الذي يشهد خلافاً اليوم يتعلق بالمسؤولية عن "تخزين النيترات في المرفأ" لأنها الشق الظاهر من التحقيق.

مفهوم الحصانات

وتركز فرنجية على مفهوم الحصانات فهي "موجودة في القانون من أجل حماية المرفق العام والدولة، والهدف منها ليس حماية الأشخاص أو منع المحاسبة"، لذلك، فهي ترى "أن التحوير في مفهوم الحصانات هو سبب في عرقلة التحقيق وتكريس الزبائنية السياسية والطائفية"، ورداً على سؤال يتعلق بآليات تبديل المحقق العدلي، تجيب فرنجية، "هناك إجماع على ألا صلاحية لمجلس الوزراء في تغيير المحقق العدلي، لأن دوره ينتهي عند إحالة القضية إلى المجلس العدلي"، مذكرة أن النواب "قاموا بتنحية القاضي فادي صوان من خلال محكمة التمييز الجزائية، إلا أنهم لا يقومون بهذه الخطوة، ويرفضون الدخول في نقاش عقلاني بين رجال ونساء القانون أمام مرجعية قانونية صاحبة صلاحية في حال وجود ارتياب مشروع، وهي تمتلك البت في الخلاف، إلا أنهم يلتفون على الآليات القانونية كافة".

ولفتت فرنجية إلى أن عدم تجاوب "المسؤولين" مع طلبات قاضي التحقيق يترجم بطرق مختلفة، من رفض منح الأذونات بالملاحقة، أو الامتناع عن تنفيذ قراراته، وعلى سبيل المثال، "التهديد بإزالة القاضي" والوسائل غير المشروعة في الشارع وتجييش العصبيات الطائفية، مشيرة إلى أن التحقيق سري ولا بد من انتظار القرار الاتهامي لمناقشته من الناحية القانونية.

الحصانات المتعددة

ويمكن التمييز بين أنواع من الحصانة الممكنة، المؤقتة والحصرية، ففي حالة رئيس الجمهورية، فإن صلاحية ملاحقته حصرية للمجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، الذي يتألف من ثمانية قضاة وسبعة نواب، أما في ما يتعلق برؤساء الوزراء والوزراء، فإن الصلاحية ممكنة لهذا المجلس في حالات الخيانة العظمى والإخلال بالموجبات الوظيفية فقط في حال اتهامهم من قبل النواب، إلا أن التحقيق في الأفعال التي لا تتصل بهذه الجرائم، فيمكن أن تتم ملاحقتهم بها أمام القضاء العادي، أما بالنسبة للنواب فإن حصانتهم مؤقتة، وتتطلب إذن مجلس النواب خلال انعقاد المجلس، وبالنسبة للقضاة، فإن الاختصاص الإلزامي للملاحقة محصور في محكمة التمييز مهما كانت الجرائم. وفي ما يتعلق بالموظفين العموميين، فإن الملاحقة تتوقف على إذن من الإدارة التي يتبع لها أو النائب العام التمييزي، وبالنسبة للمحامين، فإن الإذن بالملاحقة يعطى من نقابة المحامين في الملاحقة المرتبطة بممارسة مهنة المحاماة.

المزيد من متابعات