Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"محامي الرعب": اللعب على حبل مشدود بين السينمائي وموضوعه

الإرهابي بالنسبة إليك قد يكون بطلاً قومياً بالنسبة إلى الآخرين

جاك فرجيس في "محامي الرعب" (موقع الفيلم)

لم تكن مخطئة تلك المجلة الفرنسية التي كتبت، حين عرض المخرج باربت شرودر الفيلم الوثائقي الفرنسي "محامي الرعب" في تظاهرة "نظرة ما" خلال دورة العام 2007 لمهرجان "كان"، أنه لو كان تم اختيار هذا الفيلم في المسابقة الرسمية، لكان من المنطقي أن يفوز بطله بجائزة أفضل ممثل. للوهلة الأولى قد لا تظهر غرابة هذا القول واضحة للقارئ الذي لا يعرف شيئاً عن الفيلم المذكور أو عن بطله. بل حتى إذا قلنا إن "البطل" في الفيلم هو جاك فرجيس، سيكون أيضاً من العسير على قراء كثر أن يدركوا وجه الغرابة، لذا سنسارع لنشير إلى أن جاك فرجيس محام وليس ممثلاً، وأن الفيلم وثائقي لا تمثيل فيه، من الناحية المبدئية. ومع هذا، يعرف الذين يتابعون الحياة السياسية الفرنسية، من على شاشات التلفزة، منذ ما يزيد على عقود من السنين أن جاك فرجيس "ممثل" شديد البراعة، لديه حسّ متميز في لعبة "الميزانسين" كما في "سرقة" الكاميرا، إلى درجة أن كل ظهور له على الشاشة الصغيرة إنما يعتبر تلاعباً خطيراً في جمهور المشاهدين، أو هذا ما يؤكده خصومه - المرعوبون منه دائماً - على الأقل.

لعبة يتقنها المحامي

الوقوف أمام الكاميرا والتحدث عبرها إلى الناس، لعبة يتقنها فرجيس تماماً. ومن هنا حين ظهر في "محامي الرعب" أمام كاميرا مخرج قدير ويعرف ماذا يريد، مثل باربت شرودر، كان من الطبيعي للفيلم كله أن يتحول إلى أشبه بلعبة الفأر والقط بين ذاك الواقف وراء الكاميرا والآخر الواقف أمامها. أما الموضوع الذي جمعهما فهو "الإرهاب وكيفية الحديث عنه". وجاك فرجيس للقارئ الذي لا يعرف عنه أشياء كثيرة، وربما لا يعرف اسمه حتى، هو محام فرنسي، يقول عنه خصومه - وهم كثر - أنه يكاد يكون متخصصاً في الدفاع عن "الإرهابيين" سواء أكانوا مناصرين لقضايا التحرر الوطني، أو مسؤولاً نازياً سابقاً مثل باربي، أو حتى مجرماً عادياً تتم تبرئته في نهاية الأمر. ومن المعروف للأوساط اليسارية والنضالية في فرنسا أن فرجيس بدأ مساره المهني - النضالي، مدافعاً عن القضية الجزائرية ومرافعاً عن المناضلة جميلة بوحيرد يوم حوكمت بتهمة الإرهاب. وهو تزوجها لاحقاً لفترة من الزمن - بدا واضحاً في الفيلم أنه يحن حقاً إليها -، ثم بعد "انتهاء" القضية الجزائرية - قضائياً على الأقل - راح فرجيس يقف إلى جانب القضية الفلسطينية، عملياً وفي المحاكم، قبل أن يصبح محامياً عن النازيين، ذات حقبة من تاريخه.

شيء من اللامنطق

والحقيقة أنه إذا كان وقوف فرجيس، الشيوعي الاتجاه، إلى جانب الجزائريين والفلسطينيين، حتى لو اتهموا بـ"الارهاب"، واضحاً ومقبولاً بالنسبة إلى قطاعات عريضة من الرأي العام الفرنسي والأوروبي، فإن المشكلة تبدأ حين يقف فرجيس إلى جانب نازيين مفترضين، ما يحرك ضده معارك تقودها خصوصاً اللوبيات اليهودية والصهيونية التي تتهمه بمعاداة السامية. والحقيقة أن فرجيس لا يبذل جهداً كبيراً لإبعاد هذه التهمة الأخيرة عنه. قد يبدو هذا حقاً طبيعياً له، ولكن - في شكل موارب - ألا يمكننا اعتبار هذا الخلط لديه بين الدفاع "المؤدلج" عن الجزائريين والفلسطينيين، والدفاع "المهني" عن النازيين، مسيئاً إلى الأول؟ من الواضح أن الفيلم لم يعبأ كثيراً بمثل هذا الأمر. ما همّه أولاً وأخيراً هو أن يقدم صورة لمحام يوصف بأنه غريب الأطوار، غامض، متلاعب، محب للنجومية الإعلامية، معلّم في لعبة الاستفزاز، واثق من نفسه ومتعجرف. ومن شاهد "محامي الرعب" يمكنه أن يحس، لا سيما إذا كان محايداً في كل المسائل المثارة من حول جاك فرجيس، أن الفيلم حقق غايته إن كان رسم تلك الصورة هو الغاية. حقق غايته ولكن... من دون أن يقدم أي جديد لا يعرفه المتابعون لقضية فرجيس. كل ما في الأمر أنه قدم توليفة لأمور وحكايات ومواقف وتواريخ معروفة سلفاً لمن يهمه الأمر. وهو في المقابل فشل تماماً في نقطة أساسية: تتعلق هذه النقطة ببضع سنوات من حياة فرجيس "غامضة" تماماً. وكان الواضح أن فرجيس أذكى وأمكر من أن يقدم تفسيراً وتبريراً في هذا المجال كهدية لفيلم شرودر. بل كان من الواضح أنه في الوقت الذي كان هذا الأخير يعتقد أنه يتلاعب بـ "بطل" فيلمه كان فرجيس هو الذي يتلاعب بالمخرج، أو على الأقل يسعى لكي يجعل الفيلم كله في خدمته.

من وراء ظهره

لكنها لم تبدُ لعبة مملة في نهاية الأمر. فالفيلم ممتع، وخصوصاً لأن باربت شرودر، إذ أدرك منذ البداية أنه لن يكون قادراً على أن يحصّل من بطله، أكثر مما يريد هذا الأخير أن يعطيه، عرف كيف يلعب من وراء هذا البطل: جعله منطلقاً يستخدمه لتقديم فيلم عن تاريخ جزء من العالم، خلال السنوات الثلاثين الأخيرة. وإذا كانت القضايا الكبرى، وصولاً إلى قضية الإرهاب "المبرر" أحياناً بحسب فرجيس، أو "غير المبرر أبداً" بحسب الفيلم، هي ما سيطر على تاريخ العالم - وعلى التاريخ الشخصي لفرجيس بعد كل شيء - خلال العقود الأخيرة، فلا بأس أن يصبح الفيلم فيلماً عن تاريخ ما للإرهاب. ومن هنا راحت المشاهد واللقاءات وصور الأرشيف، والشخصيات - الحية أو الميتة - تتوالى في الفيلم، حضوراً أو سيرةً، ولكن دائماً من حول جاك فرجيس ودوره في حياتها ومسارها، أو دورها في حياته ومساره. وعلى هذا النحو كانت "شيقة" تلك الرحلة التي صورها الفيلم في مجريات التاريخ المعاصر: حرب الجزائر، عمليات المقاومين، التعذيب الرسمي الكولونيالي في الجزائر، الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وديع حداد، جورج حبش، بول بوت، بسام أبو شريف، ياسف سعدي وفيلسوفاً فرنسياً مثل جان بول دولي وصولاً إلى كارلوس وجماعة بادر ماينهوف وجميلة بوحيرد ومحمد بوضيا... كل هذا العالم الجميل، أو الأقل جمالاً... حضر في الفيلم، أحياناً كذكرى وأحياناً كأناس يتذكرون، بحيث اختلط الحابل بالنابل في بعض الأحيان وصار في إمكان المتفرج أن يتساءل عن كم حياة يحتاج المرء حتى يعيش هذا كله؟

محضر اتهام عابر

في معظم الأحيان حاول الفيلم، أن يستخدم هذا كله كمحضر اتهام ضد فرجيس... لكنه في هذا المجال - الأيديولوجي - لم يوفق بقدر ما وفق في ضبط إيقاع الفيلم من الناحية الفنية، أي في إقامة توازن خلاق في استخدامه العناصر "اللغوية" التي استخدمها، من تصوير مباشر ومقطوعات أرشيفية، بين سرد وحوارات، راجعاً في كل مرة، إلى الموضوع الأساس الذي يمثله فرجيس، حيث أن شرودر لم ينسَ أنه، في النهاية، يقدم فيلماً عن تاريخ شخص محدد من خلال السنوات النارية التي عاشها. فبدا في هذا المجال أميناً لموضوعه ولرهانه. بل أنه في لحظات أخرى معينة بدا وكأنه مفتون حقاً بشخصية فرجيس وكاريزماه، مدركاً كنْه تلك العناصر التي تجعل من كل ظهور لفرجيس عبر الإعلام - المرئي بخاصة - حدثاً شديد الأهمية، حتى ولو كان ذلك لمناسبة تمكن فرجيس من تبرئة عمر رداد، الشاب المغربي الذي اتهم في فرنسا بقتل سيدة فرنسية عجوز، وبدت كل القرائن تثبت التهمة، حتى تولى فرجيس الدفاع عنه، فأسقط القرائن واحدة بعد الأخرى، حتى أخرج عمر من السجن... بريئاً. صحيح أن شرودر في هذا الفصل بالذات طرح أسئلة قلقة، لكن فرجيس في المقابل أسقط له تساؤلاته، ما سجل نقطة كبيرة لمصلحة المحامي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

درس في الموضوعية؟

فهل ننطلق من هذا كله لنقول إن شرودر الذي يبدو أنه دخل فيلمه بفكرة محددة، خرج منه بفكرة أخرى؟ أبداً. فالمخرج لم يبدل بين أول الفيلم وآخره نظرته إلى "موضوعه" (فرجيس)، بل أنه حتى لم يطالب متفرجه بهذا. بل هو نبهنا إلى هذا الأمر حين أكد في الفيلم أن "من تراه أنت إرهابياً، قد يكون بطل تحرير وطنياً في نظر الآخرين". ومن هنا بدلاً من أن يبدو فيلمه مجرد لعبة لا طائل منها، وهو ما يبدو عليه الفيلم، ظاهرياً، في النهاية بحيث أن من الصعب على أحد، معني بالقضية، أن يبدل رأيه تجاه فرجيس بعد مشاهدة الفيلم، سواء أكان هذا الرأي سلبياً أو إيجابياً، تحول "محامي الرعب" ليصبح فيلم اكتشاف، ورحلة تعليمية. بل ربما أيضاً درساً في موضوعية قسرية يفرضها الموضوع نفسه، في مجال السينما الوثائقية.

المزيد من ثقافة