Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بكين نحو حرب باردة طويلة مع واشنطن... والعولمة أولى الضحايا

تمسك صيني بـ"هواوي" التي تشكل وجداناً وطنياً ورمزاً للدولة المبدعة


أصبح التعاطي مع العقوبات المفروضة على "هواوي" مسألة شعور وطني أكثر منه عامل قلق تجاري (أ.ب.)

أدخلت الولايات المتحدة الأميركية الصين في حرب تجارية وتكنولوجية، تمثلت ذروتها في استهداف واضح من الرئيس دونالد ترمب لشركة "هواوي"، ثاني أكبر شركات الاتصالات في العالم بعد "سامسونغ" الكورية الجنوبية، وقبل "أبل" الأميركية التي تحلّ في المركز الثالث. فالعملاق الصيني الذي بنى شبكات الهاتف وأثرى قطاع الهواتف الذكية، أصبح على قائمة الشركات التي تهدّد الأمن القومي الأميركي. وبات على الشركات الأميركية الآن التقدم بطلب للحصول على ترخيص قبل التداول مع "هواوي".

وقد تجاوبت شركة "غوغل" مع المرسوم الأميركي وقررت حرمان "هواوي" من الوصول إلى بعض خدمات "أندرويد". وستكون هواتفها قادرة على استخدام البرامج المجانية من "أندرويد"، لكنها لن تكون قادرة على تحديث تطبيقاتها. وبذلك تصبح "هواوي" ضحية للحرب التجارية الدائرة بين الصين والولايات المتحدة. هذه الشركة التي لطالما اتهمها ترمب بتسهيل أعمال تجسس تقوم بها بكين، من خلال معدات الاتصالات. وكان قد حظر فعلاً معداتها المتعلقة بشبكة الجيل الخامس 5G، ودعا حلفاءه في الخارج إلى أن يحذوا حذوه.

"هواوي" محتاطة

وأعلن عدد من المصنعين الأميركيين لرقائق أشباه الموصلات، مثل "كوالكوم" و"إنتل"، عن خطط لوقف تزويد "هواوي" بالمكونات والبرامج الإلكترونية. وفيما تقوم الصين بتطوير رقائقها الخاصة لبعض الاستخدامات، فإنها لا تزال تعتمد بشكل كبير على مورديها الأميركيين. ولم تنتظر سوق الأسهم كثيراً قبل أن يدبّ الذعر. فتراجعت قيمة علامات عدة مثل "كوالكوم" وSTMicro، و"برودكوم" و"ميكرون" و"سايبرس" مطلع الأسبوع، لأن حرمان هذه الشركات من التصدير ليس بالخبر السعيد للقطاع بأكمله. وفي المقابل، تبدو "هواوي" متماسكة، على الرغم من أن إعلان "غوغل" جاء في وقت يُتوقع أن تكشف فيه عن نموذج Honor 20 من هواتفها الذكية. فهي تمتلك نحو 38 مليار دولار نقداً وأوراقاً مالية قصيرة الأجل، يمكنها الاستفادة منها لمواجهة العاصفة.

وتفيد تقارير الأرباح الفصلية لشركات التكنولوجيا الأميركية بأن الشركة الصينية ربما كانت تخزن أجزاءً من رقائق أشباه الموصلات قبل حظر البيت الأبيض، تحسباً لحصار محتمل. ومن خلال مبيعات تصل إلى 105 مليارات دولار العام الماضي، تمتلك "هواوي" شبكة واسعة من العملاء والمورّدين في كل قارة تقريبا.

شعور وطني

لكن في الصين أصبح التعاطي مع العقوبات المفروضة على "هواوي" مسألة شعور وطني أكثر منه عامل قلق تجاري. وقد صدرت دعوات عدة لمقاطعة "أبل". وأعلن صحافيون وناشطون أنهم سيتخلون عن هواتف "أيفون" لمصلحة "هواوي"، التي يعتبرون أنها تتعرض لهجوم ظالم من قبل الحكومة الأميركية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي وسط هذه المواجهة، استحضر الرئيس الصيني شي جين بينغ، الزعيم الشيوعي الصيني ماو تسي تونغ، عندما زار قبل يومين منطقة ليودو في جيانغشي، حيث بدأ مسيرته الحزبية الطويلة العام 1934. وزار أيضاً برفقة كبير مفاوضيه التجاريين، مصنعاً في غوانزو لمعادن تُستخدم في صناعات الكومبيوتر العالمية، التي تسيطر عليها الصين إلى حد كبير. وفسر مقربون منه الرسالة من الزيارتين بأن "الصين تستعد لصراع تجاري واستراتيجي طويل الأجل مع الولايات المتحدة، وهي مستعدة لتحمل المعاناة كما كانت عليه من قبل، والرد تجارياً على العملاق الأميركي". فبعد مرحلة طويلة من ضبط النفس، زادت وسائل إعلام بكين من برامجها الوطنية. وعرضت إحدى المحطات وثائقياً عن "معركة جبل شانغانلينغ"، وهو إنتاج يعود إلى العام 1956 يروي قصة مقاومة "بطولية" لجنود صينيين في وجه القوات الأميركية خلال الحرب الكورية.

حرب اقتصادية باردة

كيف يقرأ المحللون الأميركيون والصينيون والأوروبيون الأزمة الراهنة؟ يجمع كثيرون منهم على أنها مرجحة لأن تتحول إلى "حرب باردة" بين الجانبين. ويبني هؤلاء قراءتهم على 3 أسباب. الأول اقتصادي، فالأميركيون يأخذون "هواوي"، الشركة التي تجسّد فخراً وطنياً للصين، رهينة للضغط على المفاوضات التجارية الثنائية. ويعتبرون أن الرئيس الصيني ارتكب خطأ في التحليل. فتقديره كان أن موقف ترمب ضعيف بسبب تباطؤ محتمل في الاقتصاد الأميركي، وأنه لن يحقق ما وعد به الأميركيين بشأن القيام بعمليات نقل قسرية للتكنولوجيا وبراءات الاختراع. لكن ترمب قام بهجوم معاكس من خلال زيادة التعريفات الجمركية وانقضّ على "هواوي"، التي أصبحت رافعة للتفاوض. ففي المؤتمرات، كان يقال إنه للتحدث مع الصين يتعين التحدث مع "هواوي"، التي تحظى بشعبية كبيرة بين المستهلكين الصينيين، ولا يمكن لحكومة بكين التخلي عن هذا الرمز التجاري للصين المتجددة والمبتكرة.

مخاوف أمنية

السبب الثاني بحسب المحللين، هو تعقيدات هذا الملف الذي دخل في المخاوف الاستراتيجية والأمنية الحقيقية. فقد حظر الأميركيون فعلياً منتجات "هواوي" على أراضيهم، ويريدون منع الشركة من نشر تقنية G5 في أنحاء العالم. فالجيل الخامس من الاتصالات أكثر فعالية واستراتيجية من الرابع G4، لأنه سيتعامل مع البيانات الحسّاسة للغاية، من خلال الاتصال بالإنترنت، مثل قيادة السيارات ذاتية التحكم أو المعدات الطبية أو المصانع. وفيما يكره الأوروبيون، ولا سيما منهم البريطانيون والألمان، الحظر على شبكات الهاتف التي تصنّعها "هواوي،" يسعى الأميركيون إلى "تركيع" الشركة تحت عنوان "أمن المعلومات الحساسة وسلامتها".

تسابق تكنولوجي

أما السبب الثالث لنزاع طويل بين الجانبين في قراءة المحللين، فهو أن هذه الحرب هي تكنولوجية. فالأميركيون يرفضون أن يرتقي الخصم الاستراتيجي الصيني في القرن الحادي والعشرين إلى مستواهم. وفي هذا النزاع، يعتبرون أنه يجب منع المنافس من سرقة التقنيات أو نسخها أو تقليدها. في العام الماضي، لوحظ أن الصينيين يعتمدون على الأميركيين أكثر مما اعتقد المراقبون. ففي ربيع العام 2018، كان يكفي حظر تصدير رقائق الكومبيوتر إلى شركة ZTE للاتصالات الصينية، وهي الثانية بعد "هواوي"، لشلها على مدى 3 أشهر. ويبدو أن إدارة ترامب تريد الحفاظ على هذا التقدم.

عالَمان... ولا عولمة

ويخلص المحللون إلى أنه إذا ما استمرت هذه الاستراتيجية، فستشكل نقيضاً واضحاً للعولمة. ويرون أن انتشار التقنيات كان سريعاً للغاية على مدى نصف قرن، بحيث تم تصديره إلى خارج الولايات المتحدة بكلفة قليلة، ولا سيما إلى أوروبا واليابان. والآن، في محاولة الأميركيين عزل الصين، ينشئون عالمين، بتقنيات متوازية، مفترضين أنه من الممكن تجنب التقليد والانتشار التقني. لكنهم بحسب رأي الخبراء الصينيين، فإن "الأميركيين يدفعون بالصين إلى تطوير تكنولوجياتها الخاصة في جميع المجالات للتغلب لاحقاً على الولايات المتحدة بشكل دائم".