Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

متى تعتمد تونس "الخدمات الرقمية" في معاملاتها؟

استبعد محللون إمكان توسيعها خلال الظروف الراهنة بعدما فهمت على أنها رقابة جبائية

يواجه التحول الرقمي تحديات اقتصادية عدة في تونس (اندبندنت عربية)

يسعى البنك المركزي التونسي إلى تقليص استخدام النقد اليدوي في أفق سنة 2022. وقال محافظ المركزي مروان العباسي خلال كلمته الافتتاحية لتقرير البنك لسنة 2020، إن تكريس الرقمنة انطلق منذ سنة 2019 كاستراتيجية رئيسة لتطوير بيئة المدفوعات، من خلال الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة ومخزون الكفاءات التونسية في هذا المجال.

واستبعد محللون خلال حديثهم إلى "اندبندنت عربية"، إمكان توسيع مساحة التعامل المالي الرقمي خلال الظروف الراهنة في تونس، وذهبوا إلى أن البلاد تفتقر إلى الهيكل اللازم لتنفيذ ذلك، حيث تأخرت الرقمنة في الإدارات التونسية ثم المؤسسات الخاصة على الرغم من انطلاقها بصفة مبكرة نظرياً، وغابت العقلية المؤمنة بنجاعة الرقمنة والإيمان بجدواها.

سوق المدفوعات

وفي السياق نفسه وبغية رقمنة الجهاز المالي في تونس والسهر على التحكم في الأخطار الناجمة عنها، بخاصة السيبرانية، واصل البنك المركزي جهوده الرامية إلى ضبط سوق المدفوعات بانتهاج مقاربة توفق بين المرونة والملائمة على مستوى التنظيم ومرافقة المتدخلين الجدد، بما يتماشى مع أفضل المعايير والممارسات في هذا المجال وفق المحافظ مروان العباسي.

وساند البنك في هذا الصدد مجهودات الحكومة التونسية من أجل رقمنة مدفوعاتها، وخص بالذكر مثالاً على ذلك تأمين توزيع المساعدات الاجتماعية أثناء أزمة كورونا.

ومن شأن مسار الرقمنة أن يشهد مزيداً من التدعيم ليشمل مجالات أخرى للتحويلات النقدية من الحكومة إلى الأفراد، عملاً بمنطق الاستدامة قصد جعلها رافعة حقيقية للمدفوعات الرقمية.

وجرى إيلاء أهمية لتوفير وتنوع وسائل الدفع ونقاط قبول الدفع قصد تسهيل قيام المستخدمين بالقيام بعمليات الدفع بطريقة مسؤولة ومرقمنة، ومنها بالخصوص عمليات الدفع بواسطة الهاتف الجوال.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

والتزم البنك المركزي بدفع الفاعلين في مجال الابتكار، بخاصة باعثي الشركات العاملة في ميدان التقنيات المالية الحديثة من الشباب، وتيسير إدماجهم في البيئة المالية ليتمكنوا من السير في النسق السريع لتحديات الرقمنة.

كما جرت صياغة استراتيجية خاصة للنهوض بالابتكار، واستحدث البنك الصندوق الرقابي التنظيمي بهدف وضع بيئة تجريبية خاضعة للرقابة، وتتيح للشركات العاملة في مجال التقنيات المالية اختبار ابتكاراتها مع حرفاء متطوعين وبنوك شريكة، كما تعد آلية للشروع في ابتكارات يسعى البنك المركزي من خلالها إلى تيسير الاندماج المالي وضمان حماية مستعملي الخدمات المصرفية.

واختيرت أربعة تطبيقات للانضمام للمجموعة الأولى للصندوق الرقابي التنظيمي، تعتمد أحدث التكنولوجيات على غرار الذكاء الاصطناعي و"البلوك تشاين" على أساس المعايير الأهلية والأولويات.

ويعمل البنك على إقامة شراكات مع المتعاملين الأكثر تطوراً في مجال الابتكار المالي، وهو يُسهم في أشغال عدد من لجان التفكير المغاربية والعربية في هذا الصدد.

والتزم مع وزارة تكنولوجيات الاتصال بالتعاون وتبادل الخبرات في مجال التكنولوجيا المالية، كما انضم إلى الشبكة العالمية للابتكار المالي التي أحدثتها هيئة الإشراف على التصرف المالي البريطانية التي تضم الهيئات المالية التعديلية الملتزمة بدعم الابتكار المالي لفائدة المستهلكين.

غياب التجاوب

وإن اعتبر المحلل أشرف عيادي دور المركزي التونسي ريادياً، فإن ذلك لا يمنع محدودية التعامل المالي الرقمي في البلاد وصعوبة بسطه على أوسع نطاق، ووصف دور البنك في دعم الرقمنة بالنموذجي، فهو سباق قياساً بمنظوريه من البنوك التجارية الربحية.

لكن من المفترض أن تمثل الرقمنة خياراً اقتصادياً وسياسياً للدولة التونسية قبل أن تكون مجرد أدوات تكنولوجية، وليس بوسع البنك المركزي أن يقوم بهذا الدور فوظيفته تقتصر على الاقتراح وتقديم النموذج المثالي والعمل على تنفيذه لديه، ومن غير المتاح له فرض الرقمنة على الإدارة التونسية أو المؤسسات العامة والخاصة.

وقد حاولت الدولة عبر قوانين مالية سابقة وضع إطار قانوني مناسب لتعميم الرقمنة، وعملت من خلالها على تحفيز المعاملات الرقمية، بل طورت القوانين بفرض استعمالها على الفاعلين الاقتصاديين لكن التجاوب كان سلبياً، إذ لم تتعاط المؤسسات مع هذه السياسة ولم تتخذ من الرقمنة أسلوباً، بل فهمت على أنها رقابة جبائية مستمرة وليست فرصة لتعصير الاقتصاد.

واستمر الاقتصاد التونسي مبنياً أساساً على التعامل بالأوراق النقدية، فالقضية قضية ثقافة ورؤية للتغيير قبل أن تكون نجاحاً أو فشلاً في تنفيذ جانب قانوني ما.

وقد أضيف غياب الإرادة والرغبة في التغيير إلى النقص المسجل على المستوى اللوجيستي لدى المؤسسات. والحال أن رقمنة الإدارة تؤدي حتماً إلى الترفيع في مستوى الادخار على المدى الطويل، فهو يقلل من كتلة الأجور لدى الإدارات العمومية تماماً مثل الشركات الخاصة.

اقتصاد غير مؤهل

"لا تحتاج رقمنة المدفوعات وضع استراتيجية لاستقطاب الابتكار في هذا المجال وتوفير منصات خاصة وحسب، بل تتطلب إعادة هيكلة الاقتصاد"، هذا ما ورد على لسان المحلل محمد الطاهر ساسي.

فأغلب التحويلات المالية صغيرة الحجم بالسوق التونسية وتجري بين تجار صغار يمثلون 90 في المئة من الحجم الإجمالي للتحويلات، باستثناء بعض المؤسسات الكبرى وهي محدودة العدد، مما يمهد إلى التعامل اليدوي بحكم محدودية المدفوعات، علاوة على الحاجات اللوجستية للرقمنة، وما يحتاجه خلق المناخ الملائم من وسائل اتصال وتكوين الإطارات في هذا المجال.

وبناء على تكريس رقمنة المدفوعات للشفافية فإنه يصعب تنفيذها لدى الاقتصاد التونسي الذي يعاني التهريب والسوق السوداء، فالاقتصاد غير المهيكل الذي يتغذى من التهريب وغير خاضع للضرائب ولا المعاملات الإدارية لا ينضبط للشفافية التي تفرضها الرقمنة، علماً أن الاقتصاد غير المنظم يمثل 50 في المئة من حجم المعاملات، فمن غير المتاح ضبط بيئة المدفوعات من دون التقليص من حجم الاقتصاد الموازي والسيطرة على كتلة الأموال في السوق.

أما القطاع العام المتمثل في الإدارة العمومية والمؤسسات الحكومية فلم يبد استعداداً جيداً للرقمنة، إذ ترفض الإدارة الخاصة باستخلاص المعاليم الجبائية ومقابيض الأداءات مثلاً، وتتمسك بالمدفوعات النقدية اليدوية إلى حد اليوم على الرغم من التشجيع المتواصل من البنك المركزي.

وبينما تبدو تجربة الشركة التونسية للكهرباء والغاز وشركة اتصالات تونس من التجارب المشجعة في هذا المجال، لكنها تعجز عن تعميم الرقمنة في معاملاتها أو فرضها بصفة إجبارية، فالتقليص من النقد اليدوي يمر عبر سياسة عامة للدولة تمهد بواسطة ترسيخ عقلية الشفافية وتهيئة المشروع الرقمي المتكامل وتوفير الحماية من الأخطار السيبرانية، إضافة إلى إعادة هيكلة الاقتصاد وتأهيله للتحول إلى مرحلة متطورة من دون ارتجال، فالنسيج الاقتصادي في تونس غير مؤهل للرقمنة في الوقت الراهن.