Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الشاعر فخري رطروط يبحث عن "نصف كيلو من السعادة"

قصائد تواجه رتابة العالم بالتغريب السوريالي والتخييل الحر

لوحة للرسام فؤاد حمدي (صفحة الرسام على فيسبوك)

يسلك الشاعر الفلسطيني فخري رطروط، المقيم في نيكاراغوا، في مجموعته الشعرية السابعة "نصف كيلو من السعادة"، الصادرة عن دار "خطوط وظلال" في عمّان، مسارات عجائبية خارج المألوف والمتوقع في مدارات الشعر والحياة واليوميات المكرورة، متحللاً من شروط الوعي ولوازم المعرفة، ومتجرداً من قيود الثيمات الإبداعية وأبجديات الأنساق اللغوية والجمالية.

وهو، في انفلاته من أسر التفاصيل الاعتيادية وانشغالات قصيدة النثر، يهدر صورة العالم المتماسك وقواعد المنطق، ليقيم محلها قصاصات المشاهد، وشذراته اللامعقولة المشحونة بالخيالات والأحلام والكوابيس والأسئلة التي لا إجابات لها، "أي رعب تراه الجدران كي تفقد ألوانها؟/ الفأر الذي يُخرْخشُ في رأسي، ماذا يريد؟/ ماذا تفعل دبّابة آخرَ الليل في غرفتي؟/ أين أختبئ؟/ المساءات مالحة/ بماذا يتفوّق شاعر على عاهرة؟/ أيّ حيوان يتقمّصني في الليل؟".

المعادلة الصعبة

في ديوانه الجديد، يمضي صاحب "جنة المرتزقة" و"صنع فى الجحيم" و"400 فيل أزرق" و"البطريق فى صيف حار" على نحو أكثر جسارة صوب تفريغ القوالب التعبيرية والأشكال من محتوياتها المستقرة ومعانيها القريبة، لتتولد الأفكار نتيجة خلخلة حادة للحالات الذهنية والنفسية، "أشعرُ بالدوار، متى تكف اﻷرض عن الدوران؟". وتتشكل الرؤى جراء التصالح مع الجنون، فـ "المجنون حالم كبير ضل طريقه، الجنون طريقة عيش"، وتكتمل القصائد بالاستسلام لانفجارات اللاوعي المفرط في الجموح والفوران، "هل تقبلين الزواج من شاعر، وواحد وعشرين قطاً؟/ لماذا لا تذهب القطط إلى المدرسة؟!". وهي حيل فنية  تستمد حضورها وتأثيرها وإدهاشها من عفوية الأداء وطفولية الروح وخصوبة النظرة في الآن ذاته، وتلك هي المعادلة الصعبة. "يسأل طفل: لماذا يُشِع القمر؟/ هل القمر قرص أسبرين لهذه السماء المصابة بالصداع؟/ القمر بعد أن شهد إعدام لوركا، أي وقاحة في أن يظل على لونه؟!".

تنفتح تجربة رطروط الشعرية على روافد ومنابع كثيرة، من دون أن يتركها تقتلعه من جذوره، فهو الذي يديرها على طريقته الفوضوية الخاصة، فيأخذ منها ما يريد، ليعيد إنتاجه وتضفيره مثلما يعيد صياغة ذاته ومفردات العالم وعلاقاته. من هذه المؤثرات والمثيرات التي يتعاطى معها ويهضمها في نصوصه المركزة، ما هو فني وجمالي وفكري وفلسفي.

يشير في قصائده ذاتها إلى هذه التقاطعات على نحو صريح، فعلى سبيل المثال لا ينكر انتماءه بشكل ما إلى أفكار ما بعد الحداثة، وما تحمله من انتصار للذاتية والشخصانية ونسف لادعاءات المعرفة المنتهية، وهدم للافتراضات المزعومة في نظريات التاريخ والهوية والسرديات الكبرى واليقين الشمولي والقيم الموضوعية والأخلاقية، "الوحش صاحب العين الواحدة الذي يشخر/ سينهض ويفترسنا بلا ملحٍ/ كما برج قلعة يسقطه السأم والسلام الفائض والوقت الثقيل/ أخرجوا ذلك الديناصور من تحت جلدي، لأستمتع بهذا العالم ما بعد الحداثي/ شنقوا بابا نويل على مدخنة العالم، وسرقوا كيس الهدايا/ لا أعياد يا أيتام/ هذا الوجود كدمة زرقاء على وجه طفل أبيض البشرة/ في قعر الجحيم تكمن الجنان الأكثر ألقاً".

الهايكو والسوريالية

كذلك، فإن الشاعر يكاد ينسج الهايكو العربي في بعض نصوصه الخالية من التدبر القصدي، والمفعمة بالحركة والخواطر المتداعية وأطياف الطبيعة، "لا تحدق في شيء، مقتلك في النظرة العميقة، الوجود قشرة العدم/ البرق قصيدة هايكو". وحتى في ما يبدو فلسفياً، فإنه يفضل رشاقة الصورة وخفتها وسرعتها على خنق الكتابة بالتأمل الرصين الجامد، "إلى أين فر الزمن إثر تحطم ساعة؟/ كيف يمضي العصفور يومه في صندوق الساعة؟".

ويعنون رطروط  أحد نصوصه بـ"ألعاب سوريالية"، محيلاً إلى نظريات اللعب والمرح بواسطة الكتابة البدائية، ومستحضراً الحركة السوريالية الحديثة بما تتضمنه من ارتقاء فوق الواقع وتجاوز للنظام وإفساح المجال للعقل الباطن للتحليق بعيداً في انزياحات ترميزية وفيوض تلقائية، ويشير كذلك في النص ذاته إلى مدارس وتيارات أخرى، "الجبال: جثث مجهولة/ السوريالية: العراة يحلمون بشكل أفضل/ التكعيبية: جبل بركاني/ باريس: حنطة محروقة/ الرومانسية: سرير ملك/ الواقعية: طفل معمد/ القصيدة العمودية: أندلس ثانية/ شعر المديح: بطالة مقنعة/ الموت: بيت عنكبوت اصطاد ديناصوراً/ الصحيفة: دراجة هوائية من ورق/ القبر: حمار الحب/ الحجر: خطأ في التشخيص".

بساط المستحيل

ومثلما ينثر الشاعر أفكاره ورؤاه وصوره على بساط المستحيل، بأسلوبه القائم على السذاجة الناضجة أو النضج الساذج، إذا جاز التعبير، فهو يبالغ في تفكيك اللغة وتحطيمها بالتوازي مع إمعانه في تقسيم الذات وتفكيك العالم، وهكذا تتماهى الكتابة والحياة في قاموسه غير النمطي، "لو أنك تعرف لغة المرايا/ تنزف، ولم يسألك أحد من أين تجيء بالدماء السود؟/ من أمضى حياته معلقاً فوق هاوية، يظل يتفقد قدميه حتى وهو نائم على السرير/ أبني وأهدم ذاتي/ هذا أخطر مشروع يقوم به الكائن/ بطل الرواية محكوم عليه بالموت، عليه أن يبهرك حياً وميتاً".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وهذه اللغة المرنة، غير المتعالية على الرغم من غرائبيتها أحياناً، هي استفهامية وتعجبية وندائية على وجه الخصوص، بحيث تشعل نيراناً لا تخمد ألسنتها، "كم عمر جهنم وكيف سأشعل جحيماً بعقب سيجارة؟". وتوقظ إشكاليات وقضايا جدلية وأشباه موضوعات بغير وصول إلى نقطة في آخر السطر خلال العمر القصير، "هل البنادق سعيدة في عملها؟/ ماذا نفعل بالمجد؟/ لماذا نخاف فتح صناديق الذاكرة؟/ حياتي سريعة ومضغوطة/ هل سيكون موتي كذلك؟/ بماذا تحلم اﻷبواب؟".

أما هاجس الموت، فإنه يُطل في خلفية جميع النصوص ويحتل هوامشها معلناً أنه المتن والواجهة في ديوان "نصف كيلو من السعادة". ومن المؤكد أن هذا المقدار الضئيل من البهجة (نصف كيلو) فوق الميزان الإنساني الحساس، يعكس إشارة ضمنية إلى أن الأحزان والآلام أثقل على الكفة الأخرى من الميزان، وأن الموت هو المفتتح والختام لكل شيء سيزول بغير عودة. ويستوي في ذلك البشر، والكائنات، والوطن الذي لا يزال يتذكره في منفاه البعيد، "عن أي شيء تبحث الديدان في جماجمنا؟/ لماذا كل الأشياء الثمينة تختبئ تحت الأرض باستثناء موتى البشر؟/ لم لا تتحول الجثث تحت التراب إلى جذور؟/ هل هناك مقبرة في العالم تخلو من قبر فلسطيني؟/ الأيام الميتة، كم عددها؟".

المزيد من ثقافة